اشعلت الناشطة في حقوق الإنسان الأستاذة امل هباني مواقع التواصل الاجتماعي في تدوينة عبرت من خلالها عن النساء المقهورات بنار التعدد اللائي ليس لديهن أي مقدرة على الثورة خوفا من جحيم الطلاق .. ناصحة لهن يوم ان يذهب الزوج الى زوجته الجديدة بالاستعانة بصديق .. وكل فسرها على هواه لكن الاقرب كاحتجاج مبطن، أن التعدد لا يداويه سوى التعدد.. تدوينة أثارت ضجة كبيرة في كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي فيما بين مؤيد ومعارض، وهذا أمر صحي لكن هناك زمرة مأجورة وجدتها فرصة لتصفية حساباتها مع القوى التي قادت التغيير وعلى رأس تلك الزمرة المدعو مزمل فقيري.
بداية أحب أن أوضح بأني هنا لا أدافع عن رأي الناشطة في مجال حقوق الإنسان الأستاذة امل هباني، فهي اكثر قدرة وجرأة للدفاع عن رأيها، لكني أدافع عن حقها في أن تعبر عن رأيها في حرية هي جاهدت وناضلت كي تستحقها، نافحت النظام السابق اعتقلت مرات عديدة وعذبت دون أن توهن عزيمتها فساهمت ضمن كوكبة من ماجدات وأماجد السودان في ثورة هي الأعظم والأجمل والأكبر في تاريخ السودان وأفريقيا وربما العالم.
ساهمت في تأسيس شبكة الصحفيين السودانيين لجماعة حرية الصحافة المحلية المستقلة وقد تعرضت بسببها مرارًا وتكرارًا للإهانة والاحتجاز من قبل سلطات النظام البائد خلال تغطيتها للاحتجاجات والمخالفات الرسمية، كما تعد الأستاذة أمل هباني الشريك المؤسس لمبادرة “لا لقهر النساء”وهي مبادرة اجتماعية تم تأسيسها عام 2009 تدعو إلى تغيير القوانين السودانية التي تميز بين السيدات في السودان.
بعد تدوينتها الشهيرة تعرضت الأستاذة أمل هباني لحملة منظمة من بعض الأئمة ورجال الدين وتجاوزوا كل الخطوط في حقها في التعبير وأسهبوا في السب والقذف فيها..
لا يعني ذلك بالتأكيد أنني أتفق مع رأي الأستاذة أمل هباني وما طرحته في تدوينتها، لكن فهو، ومهما أثار من لغو ولغط، يجب ألا يخرج من كونه رأي شخصي لا يمثل بالضرورة رأي ماركس ولا لينين أو محمد إبراهيم نقد ولا يمثل بالتأكيد رأي أو موقف الحزب الشيوعي السوداني أو أي حزب آخر من أحزاب الحرية والتغيير التي يحاول جاهدا المدعو مزمل فقيري للنيل منها من خلال النيل منها.
في شريط فيديو طوله حوالي 33 دقيقة في شبكة اليوتيوب بعنوان “فضيحة الشيوعية بت هباني – الشيخ مزمل فيري 2021” كال ما كال فقيري وقذف وقدح في أمل هباني والحزب الشيوعي والماركسية، وعلى طريقة الاستهداف شمل السب والقذف ولا أقول النقد، تجمع المهنيين وأحزاب الحرية والتغيير ولم يسلم من لسانه حتى شعار الثورة “حرية وسلام وعدالة” دون أن يقدم أي مسوغات يبرهن من خلالها انتماء الأستاذة أمل هباني للحزب الشيوعي أو أي من أحزاب الحرية والتغيير، وهي بتاريخها النضالي لاشك في تشريفها لأي حزب سياسي سوداني / عدا تلك الأحزاب التي سقطت بسقوط النظام البائد مثل الحزب الذي ينتمي له مزمل فقيري.
استند المدعو مزمل فقيري في فيديو السقوط الأخلاقي على البيان الشيوعي 1848 في محاولته الساذجة في الزجّ بالحزب الشيوعي السوداني فيما دونته الأستاذة أمل هباني وأود أن أنوه أنني هنا في هذا المقال لا أدافع عن أطروحات ماركس وأنجلز، فالتاريخ كفيل بذلك، لكني أهدف لأثبات الانتهازية المقيتة وعدم الأمانة العلمية لدى فقيري في النقل والاستشهاد بأطروحات ماركس وأنجلز وربطهما بتدوينة الأستاذة أمل هباني وذلك للنيل من خصومه السياسيين في الحرية والتغيير وتجمع المهنيين السودانيين والحزب الشيوعي السوداني التي أفترض قسراً مزمل فقيري بانتساب الأستاذة أمل هباني إليه، وهو يريد كما صرح في الفيديو البذيء هدم المعبد على كل القحاتة والعلمانيين والحرية والتغيير .. من خلال استهداف الحزب الشيوعي إلخ وكما أشار الدكتور حسن الجزولي في معرض رده عليه في نقاط بعد البث، الصخب الذي يثيره مزمل فقيري من صخب يعيد إلى الأذهان حادثة معهد المعلمين العالي، فهو يمضى على خطى أسلافه الطغاة السابقين بالمتاجرة في تلك الحادثة التي تمثل نقطة كأداء كالحة في سماء السياسة السودانية جسدت مكر الاحزاب الدينية وخبث وانتهازية قادة الأحزاب اليمينية، قادت لحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في نوفمبر 1965.
يصب مزمل فقيري جام غله على الحرية والتغيير وتجمع المهنيين وشعارات الثورة حرية سلام وعدالة بعد سقوط طواغيته في ثورة ديسمبر المجيدة حيث كانت جماعته السلفية مشاركة في حكم الإنقاذ وسقطت بسقوطه، والآن كلما نذكر منظر وزرائهم قبل ثورة ديسمبر نرفع أكفنا إلى السماء ونقول” الحمد لله الذى أذهب عنا الاذى وعافانا”.
نعود للبيان الشيوعي الذي يحمل توقيع ماركس وأنجلز بفصوله الأربعة، وقع في العام 1848 بعد اجتماع حاشد بمدينة لندن ضم شيوعيون من مختلف القوميات الأوروبية، تناول البيان في فصله الأول تاريخ المجتمعات باعتباره تاريخ صراعات طبقية بين الطبقات المتناحرة أحرار وعبيد، نبلاء وعاميين، بارونات وأقنان، برجوازيون وبروليتاريون، ظالمون ومظلومون. كما يتناول العلاقة بين الشيوعيين بالبروليتاريين في فصله الثاني/ أما في الفصل الثالث فهو يتناول بالنقد الأدب الإشتراكي والشيوعي، أما الفصل الرابع فهو يوضح موقف الشيوعيين من مختلف أحزاب المعارضة في اوروبا.
قبل تناول الفقرات التي استند عليها المدعو مزمل فقيري للزج بالحزب الشيوعي في خضم الجدل الذي اثارته تدوينة الأستاذة أمل هباني كانت الأمانة العلمية تقتضي عليه استصحاب الظروف الموضوعية والذاتية التي وقع فيها البيان الشيوعي وعن وضع العمال والنساء ومفهوم الزواج والعائلة في أوروبا في ذلك التاريخ وعن العلاقة بين الكنيسة والطبقات البرجوازية وبين البروليتارية المسحوقة التي عبر عنها ماركس وأنجلز في البيان الشيوعي، ولكن بما أننا على ثقة بأن الأمر أكبر من فهمه المحدود فلا بأس من أن نوضحها له هنا:
بعد إنهيار المجتمع الإقطاعي في أوروبا وبدايات الثورة الصناعية واكتشاف البخار أنقسم المجتمع الأوروبي المتطور (ألمانيا وانجلترا أكثر تحديداً) إلى طبقتين متناحرتين البرجوازية التي ورثت ممتلكات الإقطاع من ثروات وأراضي والبروليتارية التي ورثت مهام وواجبات الأقنان التي انتقلت من المزارع للمصانع كعمال، كان العمال يعملون كالسخرة في أسوء ظروف عمل في المصانع ودون أي ضمانات أو ساعات عمل محددة في ذلك المناخ ولدت الماركسية كصرخة إنسانية ضد استعباد رأس المال للعمال، برزت الماركسية للوجود كحاجة ملحة لتغيير الوضع القائم، وكان قد تجمعت لدى كارل ماركس علوم الفلسفة الألمانية بدءاً من جدلية هيغل ومادية فويرباخ ثم إلمامه بالتجربة الاشتراكية الفرنسية “كومونة باريس” ومن ثم دراسته للاقتصاد السياسي الإنكليزي المتطور، أسس ماركس ما اصطلح على تسميته بالاشتراكية العلمية، وعلى ضوءها نشأت الأحزاب الشيوعية لتقود البروليتارية الكادحة في ثورتها ونيل حقوقها العادلة.
وفي ذلك ننقل من الأستاذ الخاتم عدلان قوله (عندما بدأ شبح الشيوعية يُطارد أوروبا العجـوز، ويُقلِق نومها، ويُفزِع أباطرتها وطغاتها ويُجبرَهم على الانخراط في حِلفٍ مُقدّس. كانت قد وُلِدتْ بالفعل، واحتلّت مكانها على مسرح التاريخ، قوّة لم يسبق لها مثيل في عُنفوانها ونُبلِها ومشروعها الإنسانيِّ الأخّاذ . ذلك المشروع الذي أراد أن يُحوِّل العالم ويجعله مكاناً جديراً بإنسانٍ جديد متعدد المواهب والمَلَكات. ينمو في جميع الإتِّجاهات، ويكون شرطاً لِـنُموِّه هذا، النُّموّ الحرّ لكل إخوته في الإنسانية.
عندما بدأ ” ماركس” و ” أنجلز ” يرسمان معالم المشروع الجديد، تخدُمهما العبقرية والموهبة والذكاء، انجذبت إليهما بالفعل، وعلى طول أوروبا وعرضها، أكثر العقول استنارة، وأكثر المناضلين شرفاً وحماسة؛ وقد تفجَّرت في صدور الرجال والنساء أحلامٌ وآمالٌ، وامتلأت آفاقِهم باحتمالات نبيلة وخَـيـِّرة كفيلةٌ باجتياح السـماء. وقد نشأت لتحقيق تلك الآمال والأحلام والطموحات والاحتمالات، أخَـــــويَّات بشرية، لم تكن أقلّ من تلك الأخويات التي حقّـقها الأنبياء وسط أتباعهم. وقد كانت صداقة ماركس وأنجلز نفسَيهما، مثالاً ساطعاً على ذلك، قلّ إن يجود الزمان بمثلِه. وقد انخرطت هذه القوى في تغيير العالم، وتحقيق المشروع الاشتراكي، ثمّ الشروع بعده في بناء المجتمع الشيوعي، باعتبار ذلك تجسيداً لأنبل القِيَــم التي عرفتها الإنسانية، وباعتباره حلاً لأعقد الألغاز التي أنشأها التاريخ، وتجاوزاً لأصعب التناقضات التي عرفتها البشرية. وقد اتـَّسـَم نضال هذه القوى بالبطولة وبالشجاعة الفائقة وبنكران الذّات والازدراء بالمنفعة الشخصية والاستهانة بالمصاعب والأخطار ” الخاتم عدلان – (آن أوان التغيير) (مجلة الشيوعي) فبراير 1994 العدد 157 في إطار المناقشة العامة التي طرحها الحزب بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. المدخل (1).
في فيديو السقوط الأخلاقي للمدعو فقيري أخذ يلوح فيه بإحدى طبعات دار التقدم للبيان الشيوعي و الفقرة الأولى التي استند عليها والتي أثبت فيها عدم أمانته العلمية وسقوطه الأخلاقي وانتهازيته المفرطة البغيضة قد أشار إلى النقاط التالية بعد أن انتقاها من كتاب البيان الشيوعي:
(والحال أنّ الشيوعية تلغي الحقائق الثابتة، تلغي الأديان والأخلاق بدلا من تجديد تشكيلهما،) وقال إن هذا ما يدرسه الحزب الشيوعي لأعضائه ومضى الشيخ في غيه وتضليله فقال “أن الشيوعيين يزنون بأمهاتهم ويطؤون أخواتهم ” لا حولا ولا قوة إلا بالله، فبئس الكذب والأفك وسوء القصد والانتهازية التي تلفح بها مزمل فقيري، فالعبارة التي وردت بالبيان الشيوعي كان البيان يرد فيه على خصوم الشيوعيين وما يرميه بها مفكري البرجوازية في أوروبا الأحزاب الشيوعية من تهم .. ولنقرأ الفقرة كاملة من البيان الشيوعي:
و قد يُقال: “إن الأفكار الدينية و الأخلاقية و الفلسفية والسياسية و الحقوقية” إلخ.. قد تعدّلت بلا شك في مجرى التطور التاريخي، لكن الدين والأخلاق والفلسفة والسياسة والحقوق ظلّت قائمة وسط هذا التحوّل. “وفوق ذلك هناك حقائق ثابتة مثل الحريّة والعدالة إلخ.. هي واحدة في جميع الأوضاع المجتمعية.
والحال أنّ الشيوعية تلغي الحقائق الثابتة، تلغي الأديان الأخلاق بدلا من تجديد تشكيلهما، فهي تـناقض، إذن، التطورات التاريخية السابقة كلّها”. فإلام تؤول هذه التهمة؟ إنّ تاريخ كل مجتمع، حتى الآن، كان يتحرك في تناحرات طبقية، اتخذت أشكالا مختلفة حسب العهود المختلفة. ولكن مهما كان الشكل الذي اتخذته هذه التناحرات على الدوام، فإنّ استغلال قسم من المجتمع للقسم الآخر هو واقع واحد لجميع العصور السالفة. ولا عجب إذن إن كان الوعي المجتمعي، في كل العصور، يتحرك، رغم التنوع والتباين، في أشكال مشتَركة (واحدة) معينة، في أشكال من الوعي لا تنحلّ تماما إلاّ بزوال التـناحر الطبقي كليا. “أنتهى الاقتباس”
يتضح من السياق أو مجرى السرد، أن البيان يفند اتهامات الطبقة البرجوازية للشيوعيين بأنهم يقوضون النظام القائم ويهددون بنيته الثقافية من أخلاق ودين .. وفي ذلك البيان يجيب بأن تاريخ المجتمع كله ماضياً وحاضراً قد دارت رحاه تناحرياً وأن تطور المجتمع والصراع الطبقي هو الذي يحرك أشكال الوعي في المجتمع وهو الذي يحدد بنية الفوقية وعندما تتحدث البرجوازية عن الدين والأخلاق فالدين المعني لديها هو الفكر الديني الكنسي الذي كان سائدا في ذلك التاريخ والذي فصل ليحمي مصالح الطبقة البرجوازية، أما الأخلاق التي تتباكى عليها لتحافظ عليها من خلال على الوضع القائم، فهي الأخلاق التي تسمح لها باستقلال الطبقات الفقيرة واستباحة فتيات ونساء العمال في مهن البغاء. صحيح أنه ما عاد المجتمع مقسم كما السابق (أقطاع وأقنان) أو (أسياد وعبيد) لكنه لا يختلف كثيرا فهم ما عادوا يسخرون الأقنان للعمل في مزارعهم بدون مقابل أو يمتلكون العبيد كما كان أسلافهم لكنهم يتحكمون في رأس المال ويمتلكون المصانع وعلى العامل كي يعيش يجب أن يعمل في مصانعهم دون تحديد لساعات العمل ودون حصانة او ضمانات صحية أو تقاعدية ولا خيار لدية أما العمل حتى يفنى أو يفنى دون عمل فهل في ذلك دين أو أخلاق.
كافة دعاة الفضيلة الذين أشهروا سيوفهم في وجه الناشطة الأستاذة أمل هباني سواء بحسن أو سوء نية نرجو منهم التقدم لإثبات موقفهم ومبدئيتهم حتى يكون هناك اتساق في المواقف بأن يذكر أي منهم وقفة وقفها أو كلمة حق قالها في وجه السلطان الجائر خلال سنوات القهر والتصفيات العرقية والإبادة الجماعية والحروب ضد الإنسانية، حينما كان الرجال والنساء يسحلون ويغتصبون ويجلدون في السجون المعتقلات وليثبتوا لنا موقفهم الاخلاقي والديني بشكل دائم بأي فعل قاموا به دعماً لحرائر السودان وهن يجرجرن في المحاكم للمحاكم والسجون بسبب مواقفهن المناهضة لقهر النساء المغتصبات والمهانات والمعذبات في ايام حكم الفساد والاستبداد المسمى زوراً بالإنقاذ، جميعهم، إلا من رحم ربي، أكلوا و”تربربوا” على مائدة الفساد والإستبداد وعلى رأسهم المدعو مزمل فقيري وحزبه السلفي البائس.
يتعرض المدعو مزمل فقيري في الفيديو السقوط الذي ساء فيه الأدب بأقذع الألفاظ وأفحش الكلام جزء آخر ورد في البيان الشيوعي:
” .. أتأخذون علينا أنّنا نريد إلغاء استغلال الآباء لأبنائهم؟ هذه الجريمة نعترف بها، لكن تقولون إننا، بإحلال التربية المجتمعية محلّ التربية البيتـيّة، نقضي على أكثر العلاقات حميمية.
أليس المجتمع هو الذي يحدد تربيتكم أنتم، أيضا؟ ألا تحددها العلاقات المجتمعية التي تربون في إطارها؟ ألا يحددها تدخل المجتمع المباشر و غير المباشر بواسطة المدرسة، إلخ..؟ فالشيوعيون لا يبتدعون فعل المجتمع في التربية. إنهم فقط يغيّرون خاصيّـته و ينتزعون التربية من تأثير الطبقة السائدة.
فكلما تمزقت، نتيجة للصناعة الكبيرة، كلّ روابط البروليتاري العائلية، و تحوّل الأولاد إلى مجرّد سلع تجارية و مجرّد أدوات عمل، تصبح التشدقات البرجوازية بالعائلة و التربية و بعلاقات الإلفة بين الآباء و الأبناء، أكثر إثارة للتـقـزز.
قال فقيري بأن العائلة التي يستهدفها ماركس وأنجلز هي العائلة المسلمة .. حديث يدعو للسخرية لكنا سناخذه على محمل الجد وسأحاول أن أشرح مفهوم العائلة الفلسفي ووضع الأبناء والزوجات في الزمان والمكان الذي صدر فيه البيان، أوروبا 1848، تعريف أنجلز في كتابه “أصل العائلة” كلمة “عائلة” في البدء عند الرومان لم تكن تنطبق على حق الزوجين والأولاد، بل على العبيد فقط. وفاميليوس تعني “العبد المنزلي” وعال يعول الذي اشتقت منه “العائلة” يعني في الأصل جار وبغي وتشير إلى مجموعة العبيد الذين يخضعون لرجل واحد، وقد أخترع الرومان هذه الكلمة لتسمية هيئة اجتماعية جديدة كان رئيسها يتحكم، تحت سلطته الأبوية الرومانية، بالمرأة والأولاد وبعدد من العبيد، وكان له عليهم جميعاً حق الحياة والموت، ويضيف ماركس كانت العائلة الأوروبية في تلك الفترة تحتوي على بذور الرق وبذور القنانة وتحتوي بشكل مصغر على جميع أشكال التناحرات التي ستنمو، لاحقاً، نموا واسعاً في المجتمع وفي دولته وفعلا فالعائلة البرجوازية هي خلية الأساس للقمع الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة، ووظيفتها الأساسية هي الإبقاء على، أنتاج وإعادة أنتاج، العلاقات السائدة في المجتمع البرجوازي والبروليتاري، ولهذا فهي المدرسة الأولى لتعليم الكذب، لقمع فضول الأطفال وسحق عفويتهم وابداعيتهم ونزوعهم إلى الاستقلال وتأكيد الذات، لقد قضت البرجوازية على ما كان إنسانياً في العائلة من تضامن وحماية وأحلت محله شروط مجتمعها السلعي الذي لا يعترف بقيمة سوى قيمة النقود المدفوعة فوراً.
من هذه المفاهيم يتضح بأن العائلة التي يستهدفها ماكس وأنجلز قد تم فنائها فعلا ولم تعد متواجدة في زماننا الحاضر، حتى في اطار العلاقات البرجوازية نسبة لتطور المفاهيم والحقوق للنساء والأطفال في المجتمعات الرأسمالية، وبالتأكيد أن ماركس وأنجلز لم يكن يخطر ببالهم العائلة المسلمة وإلا كانوا كتبوا عنها المجلدات لما فيها من ظلم ومظالم قائمة حتى الآن.
في جزئية أخرى من الفيديو يستعين فقيري بفقرة أخرى من البيان الشيوعي لتأكيد إدانته لأخلاق الشيوعيين وتجريم المناضلين من ثوار وكنداكات:
و”لكنكم، أيها الشيوعيون، تريدون إدخال إشاعة النساء”. كذا تزعق بنا بصوت واحد البرجوازية كلها. فالبرجوازي يرى في امرأته مجرَّد أداة إنتاج. و هو يسمع أن أدوات الإنتاج يجب أن تشتغل جماعيا. و طبعا، لا يسعه إلاّ أن يعتقد بأنّ قدَر الإشتراكية سيصيب النساء أيضا. ولا يدور في خلده أنّ الأمر يتعلق، ضبطا، بإلغاء وضع النساء كمجرّد أدوات إنتاج. وللمناسبة، لا شيء أكثر إثارة للسخرية من ذعر برجوازيتنا الأخلاقي المسرف في أخلاقيته، من إشاعة النساء الرسمية، المدَّعَى بها على الشيوعيين. فالشيوعيون ليسوا بحاجة إلى إدخال إشاعة النساء، فقد وُجدت على الدوام تقريبا.
فبرجوازيّونا، غير القنوعين بأن تكون تحت تصرّفهم، نساء بروليتاريتهم وبناتهم، ناهيك عن البغاء الرسمي، يجدون متعة خاصة في أن يتداينوا باتفاق متبادل.
فالزواج البرجوازي، في الحقيقة، هو إشاعة النساء المتزوجات. وقصارى ما يمكن أن يُلام عليه الشيوعيون، هو أنهم يريدون إحلال إشاعة رسمية و صريحة للنساء محل إشاعة مستترة نفاقا.
“انتهى الاقتباس”.
يردد فقيري الفقرة الأخيرة بفرح هستيري وهو يردد نفس التهم التي كالتها البورجوازية الأوربية في مرحلة مخاض الأحزاب الشيوعية ونضال الطبقة العاملة في النصف الأول من القرن الثامن عشر بأن الشيوعيين يستهدفون هدم العائلة المسلمة لصالح منظمات يهودية وقال فض الله فوكه وأسكت حسه أن الزواج البرجوازي كارل ماركس يقصد به زواج المسلم وإشاعة النساء المسلمات، هكذا بلغ به الخبل .. ماركس وأنجلز يستهدفان تدمير العائلة المسلمة ..
رد البيان على البرجوازيين بتحليل علمي وفندوا حججهم الباطلة في عبارة مقتضبه ( من البديهي أنه بإلغاء علاقات الإنتاج الراهنة تزول أيضا إشاعة النساء الناجمة عنها، أي (يزول) البغاء الرسمي و غير الرسمي.)، وتلك من بديهيات علم الاجتماع فحينما ينتهي ظلم الإنسان لأخيه الإنسان واستغلال طبقة اجتماعية للطبقات الأخرى تزول كافة أشكال أسباب التخلف كالحرب والجوع والجهل والفقر، وبالتالي البغاء واستقلال الأطفال والنساء. وهناك نماذج حية مازالت راسخة في الاذهان: بعد انتصار الثورة الفيتنامية وخروج القوات الأمريكية تجرجر أذيال الهزيمة في 15 أغسطس 1975 وجد ثوار “الفيت كونغ” جبهة التحرير الوطني، حوالي 750 ألف عاهرة في سايغون وخلال فترة وجيزة من حكم الشيوعيين تم أغلاق ذلك الملف بعد أن أعيد تأهيل الفتيات في المدارس والمصانع والحقول، وحديثاً كانت المجتمعات الإشتراكية خلال الحقبة السوفيتية خالية من ممارسة البغاء وبعد إنهيار الإتحاد السوفيتي وسيطرة البرجوازية وكارتيلات النفط في روسيا ودول أوروبا الشرقية أنتشر البغاء وراجت تجارته بشكل غير مسبوق.
يستمر الشيخ في تضليله أن الشيوعيين يستهدفون الإسلام ويهدفون لنشر الفاحشة والرزيلة لتفكيك الأسر المسلمة خدمة لمنظمات يهوديه تمولهم .. هكذا .. لا يكتفى فقيري بتلك التهم بل يمضي أبعد من ذلك باتهامه للشيوعيين بأنهم يستحلون أخواتهم وامهاتهم والعياذ بالله من هذا البغي ومن فجور خصومته، ألا يدرك وهو في غربته الفكرية والحضارية في عوالم أبي حجر العسقلاني وابن تيمية والألباني بأن في الأسرة السودانية الواحدة تجد فيها الشيوعي والأمة والبعثي والاتحادي والأخ المسلم، ألم يقرأ للطيب صالح وبركة ساكن ألم يستمع إلى محمد وردي وأبوعركي وأولاد الماحي وبرنامج حقيبة الفن، ألم يسمع عن محجوب شريف والقدال وحميد؟ حقاً من أين جاء مثل هذا المسخ؟ بل – مَن هو هذا المسخ المسمى مزمل فقيري ؟ صدق الشاعر انصار البرهامي الذي قال:
تبا لـشيخك إذ مـضـى فـي غـيـه
بئس الشيوخ مشوهـو الإسلام
رفـع الــلـوا لـكـن لــكــل ضــلالــة
ومــضـى يـضــلــل أمـــة بــكــلام
الحمد لله الذي جعل الشعب السوداني يعرف الشيوعيين ويقدر تضحياتهم ويثمن نضالهم وكفاحهم من أجل غد أفضل والتاريخ يحفظ لهم مواقفهم وحسن اخلاقهم.
ختاماً بغض النظر عنما حمله الفكر الماركسي أو اللينيني من أفكار حول الدين فموقف الحزب الشيوعي السوداني ومنذ نشأته ظل يحترم كل الأديان وكريم المعتقدات السودانية، كما ظل يحترم العرف والتقاليد السودانية ويتغنى بها، ومشهود لعضويته عبر التاريخ بالصدق والأمانة، حذاقة الفؤاد والشغف بالمعرفة، فيض البذل والعفة عند المغنم، واسترشاده بالنظرية الماركسية سواء كان لقراءة التاريخ أو تحليل الواقع السياسي أو استنباط طرق ووسائل النضال لم تجعله ينحرف عن مسار ووجدان الشعب السوداني فهو كما الشوارع لم ولن يخون.
عاطف عبد الله
atifgassim@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم