الحكم في مجزرة الأبيض… الإدانة المزدوجة .. بقلم: د. محمد عبد الحميد/ أستاذ الجامعي

لم يكن مطلوب من القاضي الذي نظر قضية مجزرة الأبيض أن يكيل المدح لقوات الدعم السريع، إذ لم تكن هذه القوات طرف أمام محكمته، ولا كان هو كاتب صحفي يعبر عما يجيش بدواخله من انفعالات، ولا هو بمؤرخ يرصد محاسن أو مساوئ تلك القوات. حيث لم يكن عليه إلا أن يحكم بالبينات المطروحة أمامه، لا إعتماداً على علمه الشخصي حسب ما ذكر (بأن قيادة الدعم السريع قد أصبحت رقم مميز في حفظ البلاد والعباد من كل معتد على أرضه وإنسانه.. الخ) فذلك أمر لا يقدم ولا يؤخر في القضية، ويثير تساؤل حول مغزى ما هدف اليه من ذلك الثناء الخارج عن سياقات عملية التقاضي.. ففي حكمه قد توصل لأمر بإحالة المتهم الثالث محمد أحمد عبد الله الشهير ب (الشبلي) لمحكمة الطفل. وقد يكشف هذا القرار تورط الطفل- حينها – في المجزرة أسوة بزملائه الذين تم الحكم عليهم بالإعدام بعد ادانتهم.
يكشف قرار الإحالة لمحكمة الطفل إدانة مزدوجة لقوات الدعم السريع، الأولى توريط طفل في عملية قتل بحمله سلاحاً فاتكاً (كلاشنكوف). والثانية تجنيد طفل في صفوف قوات مسلحة.. ولعل في قرار الإحالة التزام من القاضي ألا يوقع عقوبة الإعدام على حدث قاصر تم تجنيده في جماعة مسلحة، وكل ذلك محرم بموحب القانون الدولي الإنساني ببروتوكولاته الملحقة والميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهه، وحتى نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية، كما سيتضح من خلال السرد.
تزامن قرار المحكمة مع ما تضج به الاسافير من أحداث شغلت الرأي العام منها تعيينات وزارة الخارجية و ما شابها من تجاوزات. والانشغال الفارغ “بوزير تعاطى التمباك” أثناء استضافته في منبر صحفي، إضافة لما تردد من جمع أموال من مسؤول رفيع بشركة حكومية للإحتفال بتنصيب حاكم اقليم دارفور.. هذه الأحداث على تباينها وربما أهميتها للبعض، تكاد تكون عديمة القيمة أمام ما اقرت به المحكمة من وجود طفل ضمن قوات مسلحة نفذت مجزرة بحق متظاهرين سلميين في مدنية الأبيض.
واضح من خلال التفاعل مع تلك الأحداث أن الرأي العام السوداني لا يتمتع بحساسية كافية تجاه وجود طفل وسط قوات مسلحة ما انفكت تحاول أن تدفع عن نفسها بكل قوة ما ظلت قيادتها تصفه ب ( الشيطنة Demonizing) لهذه القوات عندما تنوشها ألسن المنتقدين بالنقد، أو كلما تجاوز منسوبوها ما إستقرت عليه أعراف وتقاليد المجتمع. والمعروف أن عملية الشيطنة عادة ما تتم للأطهار الذين ليست لديهم علاقة بالشيطان. فهي استهداف لأشخاص أو كيانات بريئة بغرض دمغها بكل ما هو شيطاني بفريات تُنسج من الخيال دون أن يكون هنالك دليل واضح على تهم الشيطنة… أو أن الشخص أو الكيان المراد شيطنته لا يأتي بأي أفعال شيطانية وأن محاولة الصاق صفة الشيطنة ما هي إلا جزء من مخطط لإشانة السمعة والترويج لأشياء لا وجود لها.
إن تحويل أحد المتهمين لمحكمة الطفل تؤكد أن المتهم كان لحظة ارتكاب المجزرة طفلا ضمن تلك القوات المسلحة وفي ذلك تجاوز لإتفاقية حقوق الطفل المادة 38 الحماية أثناء الحروب التي تنص على (يحق للأطفال الحصول على الحماية أثناء الحروب ولا يجوز إشراك الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ١٥ سنة في الجيش أو الحروب).
أما البروتوكول الاضافي الثاني لاتفاقيات جنيف في المادة 4 الضمانات الأساسية الفقرة ٣ ج فينص على ( لا يجوز تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشره في القوات أو الجماعات المسلحة ولا يجوز باشراكهم في الأعمال العدائية). وفي البروتوكول الإضافي الأول1977 في المادة 77 الفقرة 2 يؤكد على ذات المنحى بإبعاد الأطفال عن الأعمال العدائية إذ تنص على :(يجب على أطراف النزاع إتخاذ كافة التدابير المستطاعة التي تكفل عدم إشراك الأطفال الذين لم يبلغوا بعد سن الخامسة عشرة في الأعمال العدائية بصورة مباشرة… الخ)
كما نص الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهه على وجوب أن (تتخذ الدول الأطراف في هذا الميثاق جميع التدابير اللازمة بكفالة عدم مشاركة أي طفل مباشرة في أي صراع وخاصة عدم تجنيد أي طفل).
أما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فقد أدرج تجنيد الأطفال ضمن جرائم الحرب. ففي المادة 8 والخاصة بجرائم الحرب نص في الفقرة ب 26 على ذلك صراحة بالقول (تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشر من العمر الزاميا أو طوعيا في القوات المسلحة أو استخدامهم للمشاركة فعليا في الأعمال الحربية) كما عاد وأكد على جريمة تجنيد الأطفال ضمن الجماعات المسلحة وذلك في الفقرة ه – 7 (تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشرة من العمر الزاميا أو طوعيا في القوات المسلحة أو في جماعات مسلحة أو استخدامهم للمشاركة في فعليا في الأعمال الحربية).
بهذا الوضوح أجمعت المواثيق والقوانين الإقليمية الخاصة بالطفل والقانون الدولي الإنساني ببروتوكولاته الإضافية على ضرورة منع بل وتجريم تجنيد كل من ينطبق عليه وصف الطفل – بغض النظر عن الحد الأدنى للعمر – ضمن القوات المسلحة أو أي جماعات مسلحة، مما يقتضي أن تكون مخالفة تلك القوانين والمواثيق محل إدانة واستهجان وسط الرأي العام نسبة لأن مثل هذه الممارسات تُصادر حق الأطفال في التمتع بحياة تليق بسنهم، يكتسبون فيها مهارات تَبني الحياة وتَعمِر الأرض وتشيع قيم الإنسانية، لا تسلبها من الآخرين بدافع من نوازع شريرة.
د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …

اترك تعليقاً