صناعة التوافق ورؤية المستقبل .. بقلم: شريف محمد شريف علي

لا شك ان الدروس المستفادة من التجارب السودانية الماضية ستلعب دورا في تشكيل المستقبل. وفي تقديري ان اهم درس وعيه الشعب السوداني ان اللجوء الي الحكم العسكري دائما وابدا ما ينتهي بسفك دماء ابناء وبنات الشعب السوداني وانتهاك حقوقهم وحرياتهم واضعاف وافقار المؤسسات العامة ماليا وبشريا وانتشار الفساد والتفريط في سيادة الدولة.

ان التوافق علي نظام حكم يحفظ حقوق المواطنين من سطوة الدولة واجهزتها الامنية ويحفظ مؤسساتهم العامة من التدمير المنهجي والسرقة وكذلك يقرر ويعرف ماهية الشرعية وشروط اكتسابها ويمنع الحمقي ويكشف زيفهم عند ادعاء الشرعية او الانقلاب عليها وتنصيب انفسهم اوصياء او حكاما او رؤساء مدي الحياة وكذلك يضمن حقوق الولايات بالعدل في السلطة والثروة اصبح ضرورة وفرض عين علي كل مواطن ومؤسسة سودانية.

صناعة التوافق بين الفاعلين السياسيين السودانيين تستلزم نوع من المساومة وذلك بان تعترف قوي الكفاح المسلح والقوي السياسية الحديثة والتقليدية ومؤسسات الدولة النظامية بحق الجميع في تشكيل المستقبل من موقع قيادي والاعتراف بتباين وجهات النظر في بعض القضايا مع ضرورة التوصل لتفاهمات توفق بين الاراء المختلفة بحيث يقدم كل فريق تنازل ما.

ان مما يجعل التوافق سهلا عملية وصناعة رؤية لسودان المستقبل ( كيف يتخيل السودانيون بلدهم في الثلاثين عاما القادمة) وهكذا تصبح الرؤية بمثابة نجم الشمال الذي يستدل به في اتخاذ القرارات وتبني السياسات وبناء القدرات .

طريق المساومة في العمل العام والسياسة يبدأ باستيعاب الواقع والممكن وتكلفة التشدد في الاراء. ولنا في التجربة الانسانية اسوة حسنة فقد اعترض من قبل قطاع من دافعي الضرائب الامريكيين المسيحيين البروتستانت علي طلب دعم المدارس الدينية من قطاعات اخري وكانت حجتهم ان الجمهورية الامريكية والدستور الامريكي يقوم علي الفصل التام بين الكنيسة والدولة . كانت حجة القطاع الذي يطلب دعم المدارس الدينية انهم طالما يدفعون الضريبة اسوة بغيرهم فمن العدل ان تستخدم اموال الضرائب في دعم كل المدارس بالمساواة، وانه من الاجحاف ان تدعم الدولة المدارس النظامية ولا تدعم المدارس الخاصة الدينية .

فمن حق اي مواطن ان يختار المدرسة التي تناسب توجهاته ومعتقداته . ومن حق المواطن ان تتمتع مدرسته بدعم الحكومة بالسوية.

وكان قرار المحكمة نوع من التسوية بحيث خصص الدعم للطلاب لا للمدارس واقرار حق الاختيار للطلاب ان يستخدموا دعمهم في اي مدرسة شاءوا , كما قررت المحكمة ان المدارس الدينية تستحق دعما غير مباشر شريطة الا يستخدم في تدريس المنهج الديني مثلا عمل الاساتذة النظاميين عملا اضافيا لتدريس العلوم الاخري مثل الرياضيات والقراءة والكتابة والعلوم.

ومثال اخر علي اثر المساومات وعدم التشدد في الاراء عند كتابة الدستور كان الرأي عند الولايات الكبيرة ذات الغزارة السكانية العالية والموارد الاوفر ان التمثيل في المجلس النيابي يجب ان يعتمد علي عدد السكان بحيث يعكس التمثيل حجم الموارد وعدد السكان وهكذا يكون التمثيل عادلا.

اعترضت الولايات الصغيرة قليلة السكان علي ذلك المبدأ ذلك انها رأت ان قلة عدد السكان وقلة الموارد وضعف المساهمة في الاقتصاد والدفاع ستنعكس بتمثيل هزيل في البرلمان لا يمكنها من لعب دور قيادي.

وبعد نقاشات وحجج طويلة من الاطراف المختلفة كانت الولايات الكبيرة تطالب بالعدالة وان يعكس التمثيل عدد السكان وحجم الموارد وبنفس الحماس حاججت الولايات الصغيرة كذلك بعدم عدالة مقترح الولايات الكبيرة لان عدد سكانها الصغير لن يسمح للولاية بصوت او تأثير علي الراي العام.

وكاد الخلاف ان يعصف بالمؤتمر الدستوري حتي خرجت المقترح العبقري من ممثلي ولاية كونتيكت بان يكون البرلمان من مجلسين الاعلي يكون فيه التمثيل بنسبة عدد السكان للولايات والادني يكون التمثيل فيه بالتساوي من الولايات . وتم تحديد صلاحيات كل مجلس.

يعتبر الامريكيون هذا المقترح وتلك المساومة مفصلية في تحديد مصير الامة الامريكية وضمان وحدتها وتماسكها وسميت هذه المساومة بالمساومة التاريخية.

الدفع بتحقيق المساومة بين القوي الفاعلة وصناعة رؤية المستقبل يبدأ عمليا بتوفير ميزانية وتخصيص موارد بشرية لدفع تلك الاهداف ولا اجد افضل من فريق متجانس من الشباب الوطني الواعي المتسلح بالعلم والخلق الرفيع لجعل هذا ممكنا.

شريف محمد شريف علي
مركز السودان للقيادة والديمقراطية والسياسات
رؤية سودان ٢٠٥٠
١٨/٨/٢٠٢١

sshereef2014@gmail.com
//////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً