توطئة:
ثلاث عشرّة سنة إلا قليلاً مرَّت حتى الآن، منذ رّحل عن عالمنا في ¹⁸ فبراير ²⁰⁰⁹ الطيب صالح. أحد أهم أهرّامات السَّرد في السودانِ والعالم.
ورّغم مرّور ما يزيد عن نصفِ القرن، منذ تلقف القارئ العرّبي روايته العمدّة ”موسم الهجرة إلى الشمال [¹]“. للمرّة الأولى على صفحات (مجلة حوّار سبتمبر ¹⁹⁶⁶) لا تفتأ حتى الآن ”موسم الهجرة“ تستقطب الرؤى النقدية، حتى لتكاد تكون من أكثّر الروايات؛ التي أُجريت حولها درّاسات وأبحاث وقراءات نقدية، من قبل كتاب سودانيين وعرب وأجانب، شملّت كل تفصيلة في ”الشكل والمضمون والسياق التعبيري، إلخ“، منطلقةً من مبدأين أساسيين، لا ينفك النقاد يدورون حول فلكهما: ”صرّاع الشرق والغرب ووظيفة الجنس“ في هذا الصرّاع، ما جعلها تبدو أشبه بضحية للقراءاتِ ”المتعددة ذات الاتجاه الواحد، فهي تغرّي ببساطتها الظاهرّة، الاستسلام للقراءة الأولى، دون معاناة أو مكابدّة، والاستجابة ليقين المعنى الظاهر، دون إثارة قلق الشك [²]“.
في ظنِّي، وبعيداً عن هذه الزّاوية المطروقة، وبإستلهام للمبدأ النقدي لدكتور ”عصفور“ في قراءته لـ”موسم الهجرّة“، الذي اقترح فيه التوازي كجسرٍ ”يصل ما بين شخصيتي مصطفى سعيد والرّاوي، إذ تتجسد الحركات الأساسية للسرد على أساسٍ من تضادهما، لكن التوازي يدني بطرفيه إلى حالٍ من الاتحاد، خصوصًا في اللحظة التي يكتشف فيها الرّاوي، أن مصطفى هو بعض تكوينه، وهو نظيره أو صورته في المرآة.
واللجوءِ إلى رّمزية المرآة، كتقنية تؤكد معنى التوازي، خصوصًا من المنظور الذي تنقلب معه الثنائية إلى أحادية، منظورًا إليها من زاويتين.
فمرحلة المرآة هي المرّحلة، التي يكتمل فيها للذّات وعيها بنفسها. ويحدث ذلك مع إنقسام الذّات على نفسها وتحولها [³] فالرّاوي في تأمله لذاته يكتشف آخيراً، أنه يحب ”حسنة بنت محمود“، أرّملة ”مصطفى سعيد“، بل يكتشف صورته في مرآة مصطفى سعيد!
سقوط الأقنعة:
أهمية ”موسم الهجرّة“ –التي خلدها تاريخ السَّرد بلا شك– في واحدة من مظاهرها، تنبع من انطوائها على الإجابة ضمن ما طرحته من أسئلة! ولكونها تحوّلت إلى أداة لإراقة الدّم الرّمزي للثقافة السائدة، بمنتجيها ونقادها وأجهزتها القيمية وسلطاتها القمعية.
فوكر أكاذيب مصطفى سعيد، يستضيف في كلِ ركنٍ منه، أطياف أبي نواس وأمرؤ القيس وعمر إبن أبي ربيعة، وأشباح الفحول في ألف ليلة وليلة، وربما مخطوطات الكاماسوترا وغيرها من كتب ترَّاث الشرق القديم [⁴] التي تتأكد ذاته العلمية -مصطفى سعيد- الجبارّة بها، في دراسته لـ”الإقتصاد المبني على الحب“.
لقد عرّف الترّاث الشعرّي والنثري العرّبي مبكراً ”نزع أقنعة الحشمّة“، سواءً بالوصفِ الإيروتيكي في الشعر الجاهلي والأموي والعباسي الماجن، أو في كتبِ الترّاث السردي.
لكن في العصّور المتاخرّة، وبعد اشتداد القبضة الرّسمية لرجالِ الدّين، تحوّل الوصف الايروتيكي في الشعر والنثر إلى إنتهاك لـ (التابو)، فأصبح الأدب من هذا النّوع كـ”اللقيط“. فحرّاس الأجهزة القيمِّية يقبلون عليه ويتداولونه سراً، فيما يناصبونه العداء علناً. وفي الحالتين، لا يجرؤ أحد على تبنيه صرّاحة، بل يصدف أن لا ينسبه كتابه إلى أنفسهم.
على الايروتيكي في السّرد الحدّيث إذن، أن يتشكَّل ضمن هذا ”الطقس الدَّموي“ الذي أشترعته ”موسم الهجرّة إلى الشمال“، ملقياً بنفسه في جحيم النقد المحافظ!
وأهمية ”موسم الهجرّة“ أيضاً؛ كرّواية تنطوي على نقدها، تنبع من الإضاءاتِ الباهرّة، للمناطقِ شديدّة العتمّة في الذّاتِ الإنسانية، حيث تقبع أدوات الغرّيزة، كثعابينٍ نائمة، وخنافس غافية تحت شوكها الحريري، الذي تدثر خلف أقنعة الأكاذيب، التي تختبئ خلفها شهوات الشخوص!
”فالغرّيزة الجنسية من دونِ كل الغرّائز والرّغبات الإنسانية، تتخطى أكثر من غيرّها، إدراك الإنسان الوّاعي لنفسه، و أهدافه ومطالبه، وهي أشبه ما يكون بكيانٍ منفصل يحمله الإنسان معه، ولا يعيه أو يفهمه في الغالب [5] ”استقرت عينّي فجأة على امرأةٍ تشرئب بعنقها لرؤية الخطيب، فيرتفع ثوبها إلى ما فوق الركبتين. مظهراً ساقين ملتفتين من البرونزِ.
نعم هذه فريستي. وسرت إليها كالقارّب يسير إلى الشلال. وقفت وراءها والتصقت حتى أحسست بحرارّتها تسري إلي، وشممّت رائحة جسدّها. تلك الرّائحة التي استقبلتني بها مسز روبنسون (…)
ورّويت لها حكايات ملفقة، عن صحارَّي ذّهبية الرّمال، وأدغال تتصايح فيها حيوانات لا وجود لها. قلت لها أن شوارّع عاصمة بلادي، تعج بالأسودِ والأفيال، وتزّحف عليها التماسيح عند القيلولة (…)
بيتنا على ضّفة النيل تماماً، بحيث أنني كنت إذا استيقظت على فرّاشي ليلاً، أُخرج يدي من النّافذة، واداعب ماء النيل حتى يغلبني النوم (…)
حُمرّة لسانها حين تضحك، واكتناز شفتيها، والأسرّار الكامنة في قاع فمها، وتخيلتها عارّية وأفحشت التخيل (…) وترّكزت الفكرّة الأخيرة في رأسي، بشعيرّاتٍ على ذرّاعها الأيمن، قريباً من الرّسغ.
ولاحظت أن شعر ذرّاعيها أكثف مما هو عند النساء عادةً، وقادّني ذلك إلى شعرٍ آخر، لابد أنه ناعم غزّير مثل نبات السعدّة على حافةِ الجدوّل (…)
وأدرت مفتاح الباب بعد شهر من حُمّى الرّغبة، وهي إلى جانبي أندلس خصب. وقدّتها بعد ذلك عبر الممر القصير، إلى غرفة النّوم. ولفحتها رائحة الصندّل المحرّوق والنَّد، وترّيثت وأنا أمسح برّاحةِ يدّي ظاهر عنقها، وأقبلها في منابع الإحساس. ومع كلِ لمسة. مع كل قُبلة، أحس أن عضلة في جسدّها ترتخي ص: ⁴⁶-⁵³
إذ تتميز شخصية مصطفى سعيد هنا.. في هذا البُعد كشخصية (جنسية) بالمعنى ”العام والدرّامي، الذّي يجمع بين الإنسان والحيوان.. كأعمى –الجنس– لا يميز بين شخصٍ وآخر، وكغرّيزة وحاجة ونداء للطبيعةِ، وكلُغَّة بيولوجية هرمونية محفزّة للتخلص من التوتر [⁶] لكن هذا ليس هو البُعد الوحيد، في شخصيةِ مصطفى سعيد، ثمّة بُعد آخر يكشف عن نفسه في علاقته بـ ”جين مورس“، فقد أفضى البُعد الأول (الجنس) في علاقته بها، إلى بُعد ثانٍ (الحب) فهي دون الأخريات، لعلاقتهِ بها معنى مختلف.. معنى أكثر وأعمق تراجيدية.. معنى مجهول وغامض!
فهي الوحيدّة التي تزوجها، لإحساسه بأهميتها لحياته، وهي الوحيدّة التي وجه عواطفه ورّغباته كلها نحوها، بل كان توّقه لها جنونياً ومدمراً، فقد كان على استعداد في سبيل أن يستحوذ عليها، لإحراق كل الأكاذيب التي تعشعش في وكرّه! فهي الوحيدّة التي عرّته وجعلته يرىٰ قبحه ونقصه!
وكذلك تكمن أهمية رّواية ”موسم الهجرّة“ في تلك الحيَّاة الرّيفية العادية، التي يجرّي فيها كلام أولئك الفلاحين البسطاء، بلغةٍ هينة مباشرّة وواضحة ومقتصدة الكلمات، لا يشوبها زُخرّف البلاغة والفصاحة، ولا يعنيها من أمرِ اللُغَّة، إلا ما تؤديه من معنى ينفذ إلى الجوهر.
ومثلما أبدع الطيب صالح في استخدام التقنيات الحدّيثة، كذلك سمح لـ ”أثاث النص وسياقاته“ بإملاءِ المعنىٰ، فكما صنع من مصطفى سعيد بطلاً إشكالياً، مهموماً بطرح أسئلة كبرى، تضعضع كيانه البائس واليائس. وتطلق حطامه في “أُفق النّص” كمجرمٍ وأفاق وقاتل، تصيب جرائمه القارئ بالصدمة!
فهو أيضاً، قد صنع منه ضحية في نظر بروفيسور ماكسويل فوستر كين ”أفريقي بدائي عبقرّي، استوعب حضارّة الغرّب فحطمت قلبه!“
ضحية تتم معادلتها موضوعياً، بأبطالٍ ليسوا إشكاليين، ليست لديهم أي أسئلة أو إعتراض على حياتهم، التي يقبلون بها كما ورّثوها. إذا أصابهم شر أو خير، لا يحزّنون ولا يفرّحون، وإذا قاموا أو قعدوا فهم يقولون ”استغفر الله“. يعيشون اليوم بيومه، ولا يعنيهم من أمر تقلبات الدّهر شئ!
فحياتهم بالأمسِ واليوم وغداً هي ذاتها، لا يطلبون سوى الستر ومضاجعة النساء والصحة والعافية، والعمرّة والحج وحسن الخاتمة! إذن ماذا تركوا من متاعِ الدّنيا والآخرّة؟ ببساطة أنه الإنسان مقنَعاً!
هؤلاء البسطاء الذين لا يطلبون من الدّنيا شئ، هم يبالغون في تقدير ذاتهم، وفي الحقيقةِ يطلبون من الدّنيا كل شئ، ولكننا لا ندرك ذلك للوّهلة الأولى، فالرّواية اجترحت آفاقاً في رّغبات الشخصيات، بحيث تبدو شخصيات عادية ومألوفة كما نراها في الواقعِ تماماً، حتى مجونها نراه مألوفاً حميماً قريباً للقلب ”وقالت بنت مجذّوب ضاحكة: خفنا أن تعود إلينا بنصرّانية غلفاء؛ ص:¹⁴
فعبر لُغَّة الطيب صالح الصرّيحة والانفعالية والشاعرّية أحياناً، وما تنطوي عليه من شحناتِ قلق وتوتر غامض في أحيان أخرى، يتناهى إلينا المجون سلوكاً مشروعاً، لا يعكس دهشّة بقدرِ ما يعكس رّوح المرّح العابثة.
هذه اللُغَّة الخطيرّة تُحكم سيطرّتها التامة، على الشخصيات وانشغالاتها وهمومها، وما تحدثه أو تتسبب فيه من وقائعٍ وأحدّاث كارّثية رّغم بساطتها، تغرّقنا في عوالمٍ من الخيالاتِ، التي لا نرغب أن يكون ثمّة شهود عليها. خصوصاً هنا، في هذه القرّية على منحنى النيل، حيث تموت حسنة بنت محمود، لأنها تريد قول شئ وتثبيت موقف، في مكان يتم فيه تجرِّيد النساء من كينوناتهن الإنسانية. فاللُغَّة هنا مختلفة ”لماذا لا يترك هذا الأدب، ونحن في بلد إذا غضب فيها الرّجال قال بعضهم لبعض: يا إبن الكلب ص: ¹⁸”
إيقاع اللُغَّة وما تحمله من أفكار في ”موسم الهجرَّة“ بمثابة تهديد لفكرتنا عن انفسنا، فعبرها تتم تعريتنا، ونُصبح جزءً من الشخصياتِ التي يحفل بها النّص، هي الشخصيات نفسها التي نُساكنها في الحي، أو نزورها في العطلاتِ عندما نذهب إلى قرانا، وربما نتعرّف عليها لماماً في رّحلة سفر أو في العمل. أو في أي مصيبة تصيبنا بها الحيَّاة، نجد أمثال هؤلاء وغيرّهم.
كذّلك الإحساس الجنسي العالي بالأمكنة في القاهرّة، أو في البلادِ التي يموت من البردِ حيتانها، أو هنا في هذه القرّية ”مقطوعة الطاري“..”ورائحة المكان غرّيبة، كرائحةِ جسّد مسز روبنسون، فكرت في حياتي في القاهرّة، لم يحدث شئ ليس في الحسبان، زادت معلوماتي وحدثت لي أحداث صغيرّة وأحبتني زميلة لي، ثم كرّهتني وقالت لي: أنت لست إنسان. أنت آلة صماء ص: ³⁷/³⁸
الإحساس بالمدينة، الرِّيف الإنجليزي، الضواحي، المقاهي، قاعة المحكمة الأولدبيلي، الهايدبارك، الدور الطرّقات الرئيسية، غرفة مصطفى سعيد المقبرة الفرعونية، ومناخها الأيروتيكي الحمِّيم المخدّر الحُلُمي، المزّيج من تراجيديات الجنس الاغريقي والفرعوني وعوالم ألف ليلة وليلة. والبدائية الفيتشية البرّية، لغّابات أفريقيا الغامضة.
كل ذلك يبدو بتفاصيل شديدّة الثراء، يجري رّصدها على امتدادِ زّمن مخملي غامض، يتجاوز الزّمن الفيزيائي والزّمن الداخلي للنّص ”الصندّل والنّد ورِّيش النعام، وتماثيل العاج والأبنوس والصوّر والرُّسوم لغاباتِ النّخل على شطآنِ النِّيل (…) رّكعت وقبلت قدّمي. وقالت إنت مصطفى سيدي ومولاي. وأنا سوسن جاريتك (…) حضرّت الحمام. ثم غسلتني بالماء الذي صبت فيه ماء الورد (…) لبست عباءة وعقالاً وتمددّت أنا على السريرِ، فجاءت ودلكت صدري وساقي ورقبتي وكتفي. وقلت لها بصوتٍ آمر تعالي فأجابتني بصوتٍ خفيض: سمعاً وطاعة يا مولاي؛ ص: ¹⁵³/¹⁵⁴
كثيرّة هي الأعمال التي قارّبت تيمّة ”الصرّاع بين الشرق والغرب“، ولكن ما ميز ”موسم الهجرّة“ دونها، التجسيد الحي والمتوهج في مقارّبة مثل هذا النّوع من التيمّات، بحيث يغادر موقع التصوّر الفلسفي، إلى واقعِ الحيَّاة العملية بمشقاتِها!
ففي ”موسم الهجرّة“ المؤشرّات الدّلالية، التي تتجمع على نحوٍ غامض، وملغّز، وملتبس، لا تفضي بأسرارِ النّص إلا برصد ملامحها ومتابعتها، والمضي عبرها مؤشراً إثر الآخر، إلىٰ جوهرٍ خفي يقودنا إليه النّص. إذ لا بداية، ولا نهاية؛ وإنما نقطة تحول مستمرّة في مسار الأحدّاث، يضل فيها البطل طريقه ويضللنا معه.
فالنّص في جوهره محاورّة؛ لفضِ مغاليق أسئلة الإنسان في مجابهةِ ذّاته، قبل السؤال في مجابهةِ آخر مختلف. ولذّلك هي رّحلة عبر متاهةِ غرّبة مصطفى سعيد عن ذاته، التي تظل لُغزاً حتى بعد أن ظن، أنه أكتشف هذّه الذّات في قريةٍ عند منحنى النيل، أغفلت خرائط الجُغرّافيا (رّسمياً) تحديد موقعها.
وعلى الرّغم من أن الجانب الأعظم، من الأحداث يقع في لندن، لكن الفارق الذي صنعه مصطفى سعيد في حيّاة النّاس بوجوده في القرّية لا يضاهى.
ولنا أن نتخيل الكيفية التي أنفق بها سبعة سنوات من حياته في السجن، والخبرات التي خرج بها من هذا السجن، وما أضافه إليها برحلاته إلى الشرق الأقصى، قبل أن يحط رحاله في هذه القرية المهملة، التي يصنع في حياة أهلها فارقاً، لا يقل أهمية عن الفارق الذي صنعه بكونه مؤلف كتب بالتالي منتجاً للمعرّفة، التي تضم الحقائق الأساسية المتعلقة بالذّاتِ والآخر، والوجود والكون والحيّاة حولنا، رُّغم مغادرّته لندن بعد إطلاق سرّاحه، وانقطاع أثره عن مسز روبنسون، بحثاً عن ذّاته التي يطمح أخيراً اكتشافها هنا في هذه القرية، في العادّي والمالوف والقوانين الاجتماعية، التي لطالما تمرّد عليها. يفشل في التكيف، إذ لا يفتأ غير العادي وغير المألوف يطارد حياته الهارّبة من نفسها إلى نفسها.
”فجأة سمعته يتلو شعراً إنجليزياً، بصوتٍ واضح ونُطق سليم. قرأ قصيدّة وجدتها فيما بعد بين قصائدٍ عن الحرّب العالمية الأولىٰ:
هؤلاء نساء فلاندرز ينتظرّن الضائعين،
ينتظرن الضائعين. الذين أبداً لن يغادروا الميناء،
ينتظرّن الضائعين، الذين أبداً لن يجئ بهم القطار،
إلى أحضانِ هؤلاء النُسوّة، ذّوات الوجوهِ الميتة،
ينتظرّن الضائعين. الذين يرقدون موتى، في الخندق والحاجز والطين.، في ظلام الليل.
هذه محطة ”تشارنغ كروس“. الساعة جاوزّت الواحدّة.
ثمّة ضوء ضئيل،
ثمة ألم عظيم..
بعد ذلك تأوه وهو لا يزال ممسكا الكأس بين يديه، وعيناه سارّحتان في آفاقٍ دّاخل نفسه ص: ²³/²⁴
تدور ”موسم الهجرّة“ في جوهرّها، حوّل ”مفهوم إغترّاب الذّات“، مع التركيز على البُعدِ المتمثل في انفصالِ مصطفى سعيد عما حوله، فهو كما قال عنه أستاذه منطقة الروح داخله مظلمة ويفتقر للحب، لذا يغدّو من المستحيلِ أن يتصل بذّاته، أو يمد الجسور نحوها.
فهو في رّحلة دائمة بحثاً عن هذه الذات منذ طفولته الباكرة، عندما اتخذ وحده قرّار تسجيل نفسه في المدرّسة، وعندما أناخ بعيرّه في القاهرّة، وسرّعان ما شد رحاله عابراً المحيط.
لقد انتزاع مصطفى سعيد نفسه من عالمه اليومي، منذ الطفولة، مدفوعاً برّغبةِ إكتشاف الذّات.. رُّبما في عالمٍ آخر جدّيد، وحاول رّسم معالم صورّة بوهيمية تلائمه.. رُّبما تقربه من هذا العالم غامض الملامح في خياله.. صورّة تسعفه على خلقِ علاقات، يفهم من خلالها ذّاته الهارّبة منه إليه!
ففي وصفه لنفسه وعلاقته بأمه: ”كانت كأنها شخص غريب جمعتني به الظروف صدفة في الطريق، لعلّني كنت مخلوقاً غريباً. لم نكن نتحدث كثيراً. وكنت، ولعلك تعجب أحس إحساساً دافئاً بأنني حر، بأن ليس ثمّة مخلوق.. أُم أو أب يربطني كالوّتد، إلى بقعةٍ معينة ومحيط معين.
كنت أقرأ وأنام وأخرج وأدخل، ألعب خارج البيت، أتسكع في الشوارّع. ليس ثمّة أحد يأمرني أو ينهاني، إلا أنني منذ صغرّي كنت أحس بأنني.. بأنني مختلف.. أقصد أنني لست كبقيةِ الأطفال في سني، لا أتأثر بشئٍ، لا أبكي إذا ضُربت. لا أفرح إذا أثنى علي المدرّس في الفصل. لا أتالم لما يتألم له الباقون. كنت مثل شئ مكوّر من المطاطِ. تلقيه في الماءِ فلا يبتل. ترميه على الأرض فيقفز؛ ص: ²⁹/³⁰“
”موسم الهجرّة“ من خلالِ شخصية مصطفى سعيد، تُقدّم لنا إضاءة عبر ظلالٍ ”رَقرَّاقية“، لا هي ظِّل ولا هي شمس، تشبه عالم مصطفى سعيد تماماً، في لقاءاته بعشيقاته، لمحات عابرّة وتقع الفريسة بغتةً بين يدي الصّياد الغارِّق في الظلالِ، التي تكشف ملامحه ولا تكشفها.
هذه الظلال ”الرَقرّاقية“ التي أغرّقت غرفته بعوالمها التاريخية، التي لا يمكن التحقق منها، لأنها ببساطة لم تعد موجودّة doesn’t exist هذه الغرّفة تجسد الإنفصال والإتصال، فالانفصال يجسدّه غرّق المكان في التارِّيخ. والاتصال هو الوقائع الجنسية، التي تجرِّي في هذا البُعد (الآن) المنبعث من (ماضي سحيق) لا يمكن الوصول إليه!
وهو ما اكتشفته ”جين مورس“، لذلك لم تنزلق من سطح ذَاكرّة مصطفى سعيد، حتى بعد أن قتلها ظل شبحها يطارّده كما ذكرت حسنة بنت محمود للرّاوي، وهي تحدثه عن الكلام الافرنجي أثناء النّوم.
رغم أن لحظة قتله لها، كانت هي بالضبط اللحظة التي عبر فيها إلى تخوم ذلك التارِّيخ السحيق، فاكتشف ذّاته كأُكذُّوبة، ولم يعد راغباً في الحيّاة، كما أفادت وقائع استسلامه، وزهدّه في الحيّاة؛ الذي كشفت عنه ردود أفعاله في المحكمة.
فمشهد قتله الطقوسي لـ”جين مورس“ يضيء لنا علاقة الاتصال الجنسي بالموت بالتاريخ، على نحوٍ لا سبيل إلى إجهاضِ دلالاته، في إكتشاف أُكذُّوبة الأسطورَّة الذَّاتية، كما يسميها باولو كويلو ”ها هي يا حبيبتي سفني تبحر، نحو شواط الهلاك. ملت عليها وقبلتها. وشعرّت حد الخنجر بين نهديها. وشبكّت هي رجليها حوّل ظهري. ضغطت ببطء. ببطء. فتحت عينيها. أي نشوّة في هذه العيون (…)
وضغطت الخنجر بصدرّي حتى غاب كله بين النهدين. وأحسست بدّمها الحار يتفجر من صدرّها، وأخذت أدعك صدرّها بصدرِّي. وهي تصرّخ متوسلة تعال معي. تعال لا تدعني أذهب وحدّي ص: ¹⁷³“
وحتى بعد أن تآمر عليه القُضاة والمحلفين والمحامين والشهود، فلم يتم إعدامه كما يرغب، ظلت تلك الحقيقة التي رآها في عينّي ”جين مورس“، حقيقتها، حقيقته، حقيقتهما، في اللحظةِ الفاصلة بين الحيَّاة والموت، تطارّده إلى الأبد.
لم يعد هو نفسه ذلك الشخص الذي يبدو بوهيمياً، قلبه فارغ من الحب، يُطلق لأكاذيبه وغرائزه العنان ”وصّحوت و”آن همند“ إلى جواري في الفرّاش (…) ”آن همند“ قضت طفولتها في مدرّسة رّاهبات (…) حولتها في فرّاشي إلى عاهرّة (…)
غرّفة نومي مقبرّة تطل على حديقة، ستائرها وردية منتقاة بعناية، وساد سندسي دافئ، والسرّير رحب مخداتهِ من رّيش النّعام، وأضواءٍ كُهربائية صغيرّة حمراء وزرقاء وبنفسجية، موضوعة في زوايا معينة، وعلى الجدرّان مرّايا كبيرّة، حتى إذا ضاجعت امرأة، بدى كأنني أُضاجع حريماً كاملاً في آنٍ واحد (…)
وذّات يوم وجدوها ميتةً انتحاراً بالغازِ، ووجدوا ورّقة صغيرّة باسمي، ليس فيها سوى هذه العبارة: مستر سعيد، لعنة الله عليك؛ ص: ⁴⁰“
فمصطفى سعيد قبل ”جين مورس“ وبعدها شخصّان مختلفين، ففيما مضى لم يكن سوى تجسيد لـ ”عضو ذّكري“.. أداة الغريزة والحميمِّية، التي تُعيد بها الطبيعة نقل الرَّغبة من بُعدها المعنوّي، إلى شكلها الطقسي المادي ”كنت مخموراً. كأسي بقى ثُلثُها، وحولي فتاتان أتفحش معهما، وتضحكان. وجاءت تسعى نحونا، بخطواتٍ واسعة تضع ثقل جسمها على قدمها اليمنى، فيميل كفلها إلى اليسار، وكانت تنظر إلي وهي قادمة. وقفت قبالتي ونظرّت إليّ بصلفٍ وبرود، وشئ آخر. وفتحت فمي لأتكلم. لكنها ذّهبت. وقلت لصاحبتي: من هذه الأُنثى؛ ص: ³⁹“
هذا العضو الذّكري الذّي لا يميز في المرأة، سوى الأنثى، التي يسعى إلى تفكيك الإنسان فيها، إلى مكونه الحسي. إلى خطيئته الأولى. إلى ذاته كما كانت. إلى حضن الطبيعة الأم الرّحم.
لقد عاد إلى رّحم الأم، التي أبداً لم يشعر بوجودها في حياته كأم منذ طفولته، وحتى لحظة مغادرّته القاهرّة ”لو أن أباك عاش لما أختار لك، غير ما اخترته لنفسك. افعل ما تشاء. سافر أو ابق. أنت وشأنك. أنها حياتك وانت حر فيها. في هذه الصرّة ما تستعين به.
كان ذلك وداعنا. لا دموع. ولا قبل. ولا ضوضاء. مخلوقان سارا شطراً من الطريق معاً. ثم سلك كل منهما سبيله. وكان ذلك في الواقع آخر ما قالته لي. فإنني لم أرها بعد ذلك؛ ص: ³³“
وهكذا، فبعد قتله لـ”جين مورس“ بالتالي إكتمال دورّة حياته، و مآلها إلى نهايتها الحتمّية، لا تتحقق هذه الحتمّية، وأيضاً لا يعود بالإمكان، إعادة مد الجسور إلى الرّحم الذي لفظه، لذلك تقتل حسنة بنت محمود نفسها وتقتل ود الرّيس، فزواج مصطفى سعيد منها محاولة يائسة؛ لاستيلاد نفسه من جديد؛ في هذا الرّحم.
وهي الفكرّة نفسها التي داعبت خيال ود الرّيس؛ الذي على مشارف القبر، بشراءِ عمر جديد؛ عبر الزّواج من حسنة، والمحاولتين بمثابةِ عمل مناهض لقوانين الطبيعة.
فمصطفى سعيد ظن أنه قتل ”جين مورس“ (معنوياً) (هناك)، لكنه (هنا) يعيد بناء وكر لأكاذيب جديدة.. يبني غرفة مختلفة في داره..
في هذه القرية المشيدة من الطين الجالوص.. يبني فيها مغارّة الرّجل الأبيض، بسقفها المعقوف وجدرّانها القرميد، المطعمة من الداخل بالرّخام، حيث تقف المدفأة الفكتورية، شاهدة النفي في حر خط الاستواء.
مصطفى سعيد يحيي ”جين مورس“ ماديا في حسنة، التي عمل على تغييرها لتشبه (المدينة)، فهي لم تعد تشبه نساء (القرية) التي يريد أن يبذر في رحمها (لندن).
فالجميع لاحظوا أن حسنة تغيرّت بعد أن تزوجت مصطفى سعيد، فمصطفى يريد بناء (المدينة) التي دمرته، في وجدان (القرية) التي حُرّم منها، ولطالما تمناها في شخصية حاج أحمد جد الرّاوي.. صوت التاريخ!
ما حدث لم يكن صرّاعا بين شرق وغرب، وإنما محاولة لزرع أو توطين (جسد المدينة) في (روح القرية)، النتيجة (الانقلاب على مشروع المنوّر الغربي).. دمار التجربة بموت حسنة، وود الرّيس. التجربة قتلت نفسها.
مصطفى سعيد كأي إنسان عارٍ من الأقنعة، لا يملك إجابات على الأسئلة التي توهمه الأقنعة بامتلاكها، ورُّغم اضطرابه يضعف كإنسان، لكن لا يصل حد العدّم، كأي إنسان يعاني الحيرّة والضياع والتخبط، ولكن مجرّد تملصه ومحاولته الإنتقال للحيّاة تحت أفق جديد، في هذه القرّية، وسط شخصيات كحاج أحمد ومحجوب والطاهر الرّواسي، هو جهد إنساني للانعتاق من قبضة الاغتراب الوحشية، أو على الأقل لفهمه تمهيداً لمواجهته ومحاولة قهرّه.
الملمح الأبرز، في علاقة مستر سعيد بـ”جين مورس“، أن (جين) امرأة لا سبيل إلى نسيانها، فهي ذاته التي يهرّب منها. ويرغب في القضاءِ عليها في الآنِ نفسه، وما شبحها الذي يطارّده في غرفة نومه مع حسنة، سوى شبحه هو شخصياً.. فهي المرآة التي تعكس ذاته ماضيه وحاضره.
ففي هذا البُعد تعيد علاقته بجين مورس المرأة الوحيدة التي لديها قدرّة التأثير فيه، إلى أذهاننا حشداً من النساءِ في عالمه، في مقدمتهن إيزابيلا سيمور، هذه النُوعية من النساء، هي من القوّة بحيث تتحدىٰ إمكانية النسيان، ولكن ذلك لا يعني أن هذه الإمكانية نابعة من طابعهن الإيجابي، وإنما هي صادرّة على وجه التحديد، من قدرّته على التأثير فيهن، وعلى لفته نظرّهن وعلى الإعلان بالحضور، الذي يوشك أن يكون صرّخة في وجه الوجود بأسره.
والعلامة –الاضاءة الأكثر بروزا التي يقدمها لنا النّص هنا، في غمار ارتيادنا لعالمه البوهيمي الغامض والملتبس، هي تلك اللحظة الفرِّيدة، التي تخلق الحميمية بينه وبين ”جين مورس“ في مزيج القتل الطقوسي والممارّسة الجنسية، وخروج الرّوح، في لحظة الذّروة والقذف.
هذه اللحظة تنحدِّر من ينابعٍ بعيدّة.. من علاقته الغرّيبة بأمه، التي تتمظهر في علاقة أخرى، بأول امرأة في حياته ليست أمه، وبمثابة الأم في الوقت نفسه ”فقلت له: أنا بخير يا مستر روبنسون، ثم قدّمني إلى زوجته. وفجأة أحسست بذرّاعي المرأة تطوقانني، وبشفتيها على خدي. في تلك اللحظةِ أنا واقف على رّصيف المحطة، وسط دوّامة من الأصواتِ والأحاسيس، وزندا المرأة ملتفان حوّل عنقي، وفمها على خدّي. ورائحة جسمها رائحة أوروبية غرّيبة، تدغدغ أنفي.
وصدرّها يلامس صدرّي. شعرّت وأنا الصّبي إبن الإثني عشر عاماً، بشهوةٍ جنسية مبهمّة. لم أعرفها من قبل في حياتي (…) كنت أنظر إلى شعر ابطيها وأحس بالذُّعر.. لعلها كانت تعلم أنني اشتهيها. لكنها كانت عذّبة. أعذب امرأة عرفتها، ص: ³⁵/³⁶“
”موسم الهجرّة“ في مظهرٍ آخر من مظاهرّها، بمثابة بحثاً سردياً.. روائياً، في تأمل الإنسان والمكان من حوله، والنّظر إلى هُوّية المكان المتغير، في صورّة الرّحيل الدائم، من الخرطومِ إلى القاهرّة إلى لندن إلى هذه القرّية المنسية. ومن هنا فإن المكان المتغير يطبع مصطفى سعيد بطابعه في علاقاته المتغيرة بالنساء ”جلبت النساء إلى فرّاشي. من بين فتياتِ جيش الخلاص. وجمعيات الكويكرز. ومجتمعات الفابيانيين. حين يجتمع حزب الأحرار أو العمال أو المحافظين أو الشيوعيين، أُسرج بعيرّي وأذهب (…) وفي المرّة الثانية قالت لي (جين مورس): أنت بشع. لم أر في حياتي، وجهاً بشعاً كوجهك، وفتحت فمي لأتكلم لكنها ذّهبت، ص: ⁴⁰“
فالتغيير وسم علاقاته المعقدّة، تعقد العوالم التي شكلّته.. مغامراته الجنسية، ومطاردة فتيات ونساء المقاهي.. في الحانات و الهايدبارك.. رّحلة بدأت من حيث (ضحك القدر) إلى ما وراءِ البحار، على مدى اللا مكان إلى اللامكان، إذ ينتهي به المطاف في قرية مهملة منسية!
رّحلة لم تفضي إلى الغاية الوحيدّة التي أرادها بوّعي: تجذير نفسه في مكان.. في رّحم، ليولد من جديد. وعندما يفشل يقرّر تجنيب ولديه عناء تلك الرحلة، إذ يوصّي الرّاوي ”جنبهما مشقة السفر“ لإدراكه أنه فشل في إعادة إنتاج نفسه مرّة أخرى. في هذا المكان (الثابت) الرّاسخ كحاج أحمد (جد الرّاوي)، الذي تتعاقب عليه الفصول، دون أن يعتريه تغيير!
”ولما ابتلعت اللجة الساحل، وهاج الموج تحت السفينة، واستدار الأفق حوالينا، أحسست تواً بأُلفة غامرّة للبحرِ. أنني أعرّف هذا العملاق الأخضر، اللامنتهي. كان يمور بين ضلوعي. واستمرأت طيلة الرّحلة، ذلك الإحساس. في أني في لا مكان، وحدّي أمامي، وخلفي الأبد. أو لا شئ (….)
وحملني القطار إلى محطةِ فيكتوريا وإلى عالم جين مورس. كل شئ حدث قبل لقائي إياها كان ارهاصاً، وكل شئ حدث بعد أن قتلتها كان اعتذاراً، لا لقتلها. بل لأُكذُّوبة حياتي؛ ص:³⁶/³⁷/³⁹“
مصطفى سعيد في ”موسم الهجرَّة“ تخلّص من شخصيةِ الرّاوي (الأنا) البطل، ليحل ذاته كـ(مركزية قضيبية) محضة، ولم يستعيد شخصيته المختبىة خلف (قناع القضيب) إلا عندما تهشمّت هذه (المركزّية القضيبية) على حصونِ وجُدُر الكّر والفر، بينه وبين (جين مورس) فالمبادرّة لم تعد في يدّه كما أعتاد، فـ (جين مورس) تمثل (مركزية العضو الانثوي) بالمقابل.. الذي حطم (مركزيته القضيبية)، فهي لم تنفق طفولتها في مدرّسة رّاهبات، وليست جارّية له كسوسن.
أنها مالكة لجسدها تفعل به ما تشاء مع من تشاء في الوقت الذي تشاء، وهو يعلم ذلك!
لقد كسرت مركزيته الاحتكارية كـ (ذكر) بانتقالها من موقع (المفعول بها) إلى موقع (الفاعل الجنسي)، كما يتجلى ذلك بوضوح، في اللحظة التي قرّر فيها قتلها.. وجدها تنتظره على الفرّاش عارّية، هو الذي اعتاد أن يأخذ فريسته عبر ممر الصالة القصير، حرّمته (لذّة رحلة الإغواء).
كانت جاهزّة لأن تمنحه نفسها في هذه الليلة.. هي التي قادته وأحاطته بظلال كثيفة من الغُوّاية، حتى تردد للحظة في قتلها ”أفعل كل شئ حتى أدخل المرأة في فراشي. ثم أسير إلى صيدٍ آخر (…) وجدتها عارّية. مستلقية على السرير. فخذّاها بيضاوان مفتوحتان (…) حنّ قلبي إليها أول ما رأيتها. هل كان معك أحد؟ (…) لم يكن معي أحد. هذه الليلة لك أنت وحدك.. أنا أنتظرك منذ وقت طويل (…) هل تسببت في انتحار آن همند؟
لا أدري!
وشيلا غرينود؟
لا أدري!
وايزابيل سيمور؟
لا أدري!
هل قتلت جين مورس؟
نعم، ص: ³⁹/¹⁷¹/ ⁴¹/⁴²“
عبر هذه اللغة المقتضبة المشحونة الحائرة، يحفر النّص في الطبقاتِ الخفية.. في الأعماقِ السحيقة للوجدان.. تلك المناطق القصيّة الثاوّية في مجون الإنسان، لكن دون أدنى شعور بالذنب، فالمجون هنا تعرّي وتبسُط و(طق حنك) يُعطل مفهوم الإحساس (بالتأنيب)، فلا يعود هذا الإحساس عاملاً من عوامل تحديد (الوّعي الإجتماعي) و(الأخلاقي) في هذه اللحظة الحميمّة بين أصدقاء.
وإذا عبّر هذا عن معنى ما، في ارتكاب (الفعل الجنسي) خارج (الإطار المؤسساتي)، كاختطاف ود الرّيس في صباه، لتلك الفتاة. فيما أهلها منشغلين بالحفل، فهو ليس تعبيراً عن (إغترّاب الفرد) في (وّسطه الإجتماعي) أو (ثقافته)، وتدّمير لصورته الأخلاقية.
أنه ببساطة مجرد (طيش مراهق) معتاد في هذه المجتمعات، التي (تتقنع) بقدرٍ أقل من الأقنعةِ، فالمعالجة حاضرّة: تزويج الشاب الطائش، لممارسة الجنس في إطار مقارّبته الإجتماعية الرّسمية، لكن ود الرّيس يظل حتى وهو في أرذل العمر طائشاً!
في التحليلِ النهائي سواء عبر هذه المقارّبة، أو دونها يظل إسم الفعل نفسه: جنس، بصرف النظر داخل أو خارج المؤسسة.. رغم أنف التغيير القيمّي الذي تقترحه هذه القرية المنسية، في ربطها لهذا الفعل بالمرّحلة العمرّية، والفرص التي تتيحها للإفلاتِ من العقّاب ”وبعد يا حاج أحمد، أن ركبت البنت أمامي على الحمار. وهي تفلفص وتتلوى. وبالقوّة جردتها من جميع ثيابها. حتى أصبحت عارّية كما ولدتها أمها.
كانت فرخة عديلة. من جواري بحري. بلغت توها. النّهد يا حاج أحمد كأنه طبنجة. والكفل إذا طوقته بذرّاعيك لا تصل حدّه. وكانت مدّهنة ومدلكة. جلدها يلمع في ضوء القمر. وعطرها يدوخ العقل. ونزّلت بها إلى منطقة رّملية وسط الذرّة (…)
وقالت له بنت مجذوب وهي تضحك: ومن يومها وأنت تركب وتنزل كانك فحل الحمير، فقال لها ود الرّيس: هل أحد يعرّف حلاوة هذا الشئ أكتر منك. إنك دفنت تمانية أزواج. والآن أنت عجوز كركبة. لو وجدته لما قلت لا. وقال جدي: سمعنا أن غنج بنت مجذوب شئ لا يتصورّه العقل.
واشعلت بت مجذوب سيجارّة وقالت: علي الطلاق يا حاج أحمد كنت حين يرقد زوجي بين فخدي. أصرّخ صراخاً تجفل منه البهايم المربوطة في مراحها في الساقية.. علي الطلاق كان عنده شئ متل الوّتد. حين يدخله في أحشائي لا أجد أرضاً تسعني. كان يرفع رجلي بعد صلاة العشاء، وأظل مشبوحة حتى يؤذن آذان الفجر؛ ص: ⁸⁴/⁸⁵“
هناك جسوراً لا حصر لها تمتد بين ”موسم الهجرة إلى الشمال“ والواقع اليومي في الحيّاة دون أقنعة، خلال تفاصيل وجزئيات النسيج الحياتي، في هذه القرّية النموذجية لقرى فلاحين السودان، الخالية من الأقنعة التي يرتديها الأفندية المأزمومين في المدّن، فأخطر (تابو) في الوجدّان الثقافي، يتحوّل بقدرّة قادر، إلى مجرّد حكايات مسلية في جلسات الأُنس ”قالت بنت مجذوب: حرّيم النصارّى لا يعرّفن لهذا الشئ كما تعرف له بنات البلد. نساء غُلُف. الحكاية عندهن كشرب الماء. بنت البلد تعمل الدلكة والدُّخان والريحة. وتلبس الفركة القرمصيص. وحين ترقد على البرش الأحمر، بعد صلاة العشاء، وتفتح فخذيها. يشعر الرّجل كأنه أبو زيد الهلالي. الرّجل الما عنده همه يصبح له همة (…)
وقال ود الرّيس: علي اليمين يا حاج أحمد لو ذقت نساء الحبش والفلاتة، كنت رّميت مسبحتك. وترّكت صلاتك ما بين أفخاذهن. كأنه الصحن المكفي. صاغ سليم. بكامل خيرّه وشرّه. عندنا هنا يقطعونه ويتركونه مثل الأرض الخلاء (….)
فقال ود الرّيس: على أي حال. أنا في يومنا هذا. أنشط واحد فيكم. وعلي اليمين بين فخذّي المرأة. أنا انشط من حفيدك هذا. فقالت بنت مجذوب: أنت تفلح في الكلام. ولابد أنك تجري وراء النساء، لأن بضاعتك مثل عقلة الأصبع.
فقال ود الرّيس: لو كنت تزوجتني يا بنت مجذوب، لوجدت شيئاً مثل مدافع الإنجليز. فقالت بنت مجذوب: المدافع سكتت وقت مات ود البشير. أنت يا ود الرّيس رجل مخرِّف. عقلك كله في رأس ذكرّك. ورأس ذكرك صغير مثل عقلك؛ ص: ⁹⁰/⁹³“
ومع ذلك لا تخلو ”موسم الهجرّة“ من أجواءِ الفساد السياسي، والرِّيف المهمل، المدن الخالية من الرّوح، والطرُّق المفتوحة على عدّم الصحراء، التي يبث فيها المسافرين الحيّاة بغتةً، فيقيمون حفلاً، ثم يغادرّون، لتعود الصحرّاء سيرّتها الأولى!
يتم التعبير عن كلِ ذلك في السّرد، بلُغَّةٍ متدّفقة.. مفعمّة بثقة ضمير المتكلم، الذي ينطلق عبر (الأنا) السحرِّية للحكي عن أعرابي يكاد يموت من (قرياف الكيف)، ومسافرين مع مسار النيل وعكسه، عبر سباسب ووهاد، تبدو كأن لا نهاية لها، وكل هؤلاءِ وأولئك، لا يتذكرّون أحداثاً غابرّة، ولا يعيدون صياغة تجاربهم بشكل جديد، وإنما يحيون في مسارِ الرّحلة نفسها، بحفلها الذي أقاموه عفو الخاطر في صحراء (صّي!).
ويبلغ وّهج هذه (الأنا) الرّاوية ذُروّته، في التلاعبِ. عندما يسعى الرّاوي لإحراقِ غرّفة مصطفى سعيد (وّكر الأكاذيب والخرّافات) فيترّاجع، وعندما يسعى لتأكيد إحتمال الموت مثله غرقاً في النيل، فيترّاجع، ليتراجع بذلك النّص إلى فضاءاتٍ مفتوحة في أفق التوقعات: وهل مات مصطفى سعيد حقاً أو انتحر غرقاً، إذن أين جثته؟
أُفق الممكنات سقفه يرتفع. فلا نهاية ولا بداية، فقط مغامرّة سّردية مستمرّة! تتلاعب بتوقعاتنا لتقويلها ما نشتهي!
ولكن (فعل القتل نفسه) ما هي دلالته الرّمزية: قتل (مصطفى سعيد) لـ (جين مورس).. وما المشتركات التي تجمع بين (حسنة بنت محمود) و(جين مورس)، وهل يمثل قتل (مستر سعيد) لـ (جين مورس) قتلاً رمزياً لكل ما يمثله (مستر سعيد) كـ (مركزية قضيبية) وأدها بزواجه منها، وأراد (ود الرّيس) إحيائها.. إحياء ما لا ينبغي أن تُبث فيه الحيّاة. فضحت (حسنة بنت محمود) بحياتها فداءً لهذه القيمّة، وفيما يختلف قتلها لنفسها، وقيادة (جين) لمستر سعيد كي يقتلها. ما الفرق بين موتها وموت (جين؟) فكلاهما كانتا تسعيان إلى التحرّر واكتشاف ذّاتيهما في مرآة (مستر سعيد) و(مصطفى سعيد).
”كان المصباح موقداً، وود الرّيس عارياً كما ولدته أمه، وبنت محمود ثوبها ممزّق. وسراويلها. هي الأخرى عارّية. كان البرش الأحمر يعوم في الدّم (…)
بنت محمود معضوضة ومخدوشة، في كل شبر من جسمها. بطنها. أوراكها. رّقبتها. عضّ حلمّة نّهدها حتى قطعها. الدّم يسيل من شفتها السفلى (…) وود الرّيس مطعون أكثر من عشرّة طعنات.
طعنته في بطنه. وفي صدرّه. وفي محسنه (…) وجدناها على ظهرها، والسكين مغروز في قلبها. فمها مفتوح وعيناها تبحلقان كأنها حيّة. وود الرَّيس لسانه مدلدل بين فكيه، وذرّاعاه مرفوعتان في الهواء؛ ص: ¹³⁴“
آخيراً، إن ”موسم الهجرة إلى الشمال“ صاغت الأسئلة حوّل تباين البشر، وهم خلف أقنعتهم وبدونها، هذا التباين الرّهيب الذّي يُنذر بالمأساةِ، بين (المظهر الخارجي) و(الجوهر الباطني) للإنسان.
ورُّغم أن النَّص يقع في الفتنة بالمكان (كلية غردون، المدرسة الثانوية في القاهرة، لندن، المحكمة، اكسفورد، القرية، إلخ) واتصال المكان بعقله، بحيث شكلا كياناً واحداً، محتقن بالجنس ومترتباته، وفي الآن نفسه عقل محض دون قلب، أغرّى صاحبه بإطلاق العنان لأفكاره، التي تجسدت في المكان الغارِّق في اللوحاتِ والظلال، التي يشكِّلها البخور والروائح، التي يصنعها. فينحدّر بها إلى أزمانٍ سحيقة.. هذا المكان الغارِّق في ظلامٍ مطبق، ومأساة أيروتيكية مشبعة برطوبة التاريخ وزّنخه.
لا شك أن ”موسم الهجرّة إلى الشمال“ تبوأت المكانة الخالدّة، التي تليق بها في تارّيخ الرِّواية في السودان، والعالم الواسع، بعوالمها وأخيلتها، ومفرداتها المتجددّة وأفقها، كرِوّاية تشتغل في (نزع الأقنعة) عن كل هؤلاء المنافقين من حولنا.
هوامش:
[¹] الطيب صالح، موسم الهجرّة إلى الشمال (الأعمال الكاملة)، دار العودة بيروت، ١٩٩٦.
[²] أنظر: هشام علي، إشكالية المثقف والغرب في الرواية العربية ”موسم الهجرّة إلى الشمال نموذجا“، مركز عبادي للدرّاسات والنشر، اليمن، ٢٠٠٦
[³] د. جابر عصفور، ”موسم الهجرة إلى الشمال: الرواية وتقنية التوازي“، مجلة العرّبي، الكويت، أكتوبر ٢٠٠٥
[⁴] إلى جانب ”ألف ليلة وليلة“ الكتاب التراثي الأشهر، نجد الكثير من المواضيع، التي كتب عنها المؤرخون و”رجال الدين“ بحرّية مطلقة، يتم فيها تداوّل (الحكّايا الجنسية) بسردٍ شفوي، مصحوبًا بروح الدُّعابة، حتى أن أغلب الشعراء في العصرين (العباسي والأموي)، كانت تُروى على ألسنتهم ”قصص جنسية“ كانت تتقبلها العامة بروح الطُرفة، وعلى رأس هؤلاء الشاعر الذي اشتهر بالمجون ”الحسن بن هانئ“ أبو نواس.
وفي هذا السياق، يُقدِّم لنا كتاب ”الوشاح في فوائد النكاح“ الذي ألفه رجل الدين ”جلال الدين السيوطي“ صاحب تفسير الجلالين. الأحاديث والآثار الجنسية المروية، عن فوائد الجماع شفهيًا بين العرّب.
كذلك كتب الإمام السيوطي في المعنى الايروتيكي نفسه ”رشف الزلال من السحر الحلال“ إلى جانب كتابه ”نواضر الأيك في معرِّفة النيك“ والذي يروي فيه السيوطي تجربة (ليلة الدّخلة) لعشرين عالماً معتبراً من علماءِ الأمة. كل منهم يتحدث عن ليلته الأولى بعد الزواج، بين الهزل والضحك، يرويها السيوطي عن لسانهم بأسلوب لُغّوي رّصين، ما يجعل لكل واحد من أصحاب القصص (سيرّة ذاتية) تؤرخ لليلته الجنسية الأولى.
كذلك ”ديوان أبي حُكيمة“ راشد بن إسحق، الذي يحكي حروب أبي حكيمة مع (عضوِّه الذكرّي)، خلال العصر العباسي، وما كان يصحبه من معاناة في سهراته الحميمية، مظهراً الجانب الآخر من حيّاة الشاعر، كون معظم النصوص تحمل كلاماً حزيناً مرّةً، وكلاماً فيه الكثير من اللوم والإهانة تارةً، تاركاً بينهما فاصلاً للفكاهة والطُرفة.
كذلك كتاب ”نُزّهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب“ لشهاب الدين أحمد التيفاشي، والذي له في الترّاث الجنسي العرّبي أكثر من كتاب، إلا أن ما يميز هذا الكتاب، أن الحديث فيه عن ممارسة الجنس في (مختلف الطبقات) في القرن السابع الهجرّي، إلى جانب معظم النصوص الشعرية التي كانت متداولة في ذلك الوقت.
وكذلك كتاب ”رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه“ لأحمد بن سليمان، ويقال أنه ألف هذا الكتاب بأمر من السلطان سليم الأول، قدّم فيه خُلاصة الترّاث الجنسي، في عصور العرّب السالفة. وما يميز هذا الكتاب أنه يعتبر من أولى المحاولات، في البحث داخل مجاميع (التراث الجنسي) عند العرب، كون صاحبه عمل على تجميعه من كتب ترّاثية أخرى، أي أنه حاول أن يقدم خلاصة الترّاث الجنسي عند عصور العرب السالفة، ما يجعله من الكتب التي لا تزال تحظى بشعبية كبيرّة حتى عصرنا الحالي.
وكذلك كتاب ”تحفة العروس ومتعة النفوس“ لأبي عبد الله التيجاني، أحد أئمة المذهب المالكي، ويقال إنه كتب (تحفة العروس ومتعة النفوس)، لأحد الأمراء الحفصيين في أوائل القرن الثامن الهجرّي، كما أن معظم المستشرقين اهتموا بتحفة التيجاني وقاموا بنقله إلى أكثر من لُغَّة حيَّة، من بينها الألمانية، والفرنسية، والإنجليزية.
وقد وصفه العلامة حسن حسني عبد الوهاب بأنه (مجموع أدبي رائق). واعتمد التيجاني في تأليفه لهذا الكتاب، على مصادر متنوعة من بينها، كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني، و(إحياء علوم الدين) للإمام الغزالي، و(زهر الآداب) لأبي إسحاق الحصرّي، إضافة للأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، والأحاديث الشفوية المتناقلة بين الأعراب.
وتجدر الاشارّة في عصرنا الحالي، إلى ديوان الشاعر المصرّي الساخط نجيب سرور (كثميات) الذي هجى فيه كل شئ، فلم يترك فرضاً ناقصاً. وهو شعر لا يختلف كثيراً عن ”الشعر السري“ لبعض الشعراءِ الذّي كانوا يسجلونه في أشرطة كاسيت ذات تدّاول محدود، أو يتداولونه في القعدّات الخاصة بـ شالياتهم.
وظني أن هذا النّوع من الشعر الذّي يصف غزوات هؤلاء الشعراء العشاق، كان منتشراً في البلدان العرّبية. وما مسدار (المطيرق) للحاردلو إلا نموذجاً معلناً عفيفاً، يعكس ظلال الشعر السرّي.
[5] كولن ولسن، أصول الدافع الجنسي، ترجمة يوسف شرورو وسمير كتاب، دار الآداب، بيروت ١٩٨٦، ص:²¹
[⁶] الكبير الداديسي، أزمة الجنس في الرواية العربية– بنون النسوة، مؤسسة الرّحاب الحدّيثة، بيروت، لبنان، ٢٠١٧، ص: ⁹“
ahmeddhahia@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم