المشكلة  .. بقلم: امجد هرفي بولس 

كل من درس في كليات العلوم الإدارية ، يعرف طريقة حل المشاكل عن طريق تعريف المشكلة بوضوح ، وتحديد أسبابها ، ثم وضع مجموعة من الحلول ودراستها ومقارنتها مع استشارة زوي الراي والخبرة في تحديد اي هذه الحلول أنجع لحل هذه المشكلة ، ثم اختيار هذا الحل الانجع ، ثم متابعة تنفيذه على ارض الواقع حتي يصبح معمولا به .
في واقعنا السياسي والاجتماعي تمر بنا كثيرا من المشاكل منها الكبيرة ومنها الصغيرة . فكيف تتعامل مجتمعات و حكومات منطقتنا معها ، فهل تتعامل معها بالطريقة العلمية المتبعة في كليات الإدارة ام بطرق اخري ؟
عندما حلت هزيمة ١٩٦٧ والتي عادة ما يستخدم لها اسم دلع خاص هو النكسة . اهتز وجدان الامم العربية وترنح تحت وطأة هذه الهزيمة السريعة والمذلة للجيوش العربية وخاصة الجيش المصري . وقبل أن تفيق شعوبنا من الصدمة ، كان النظام الناصري قد اعد العدة لتجاوز هذه الهزيمة ولو نفسيا عبر عدة محاور.
كان المحور الأول متمثلا في بيان التنحي ، والذي صاغه الطبال الأكبر للنظام الناصري الاستاذ هيكل ، ففي خطاب التنحي هذا لعب هيكل علي عاطفة الشعب المصري تجاه الزعيم عبد الناصر فقال عبد الناصر: اني اتخذت قرارا ارجوكم ان تساعدوني عليه . وكأن بهذه اللغة يقول عبد الناصر للشعب المصري اني اتخذت قرارا ولكني لست مصرا عليه ، وبامكاني التراجع عنه بكل سهولة اذا ما طلبتم مني ذلك ايها الشعب المصري العظيم وكأنه يقول ارجوكم ان لا تساعدوني عليه .
اما الاستراتيجية الثانية التي اتخذها النظام المصري لتجاوز الهزيمة الشنعاء ، هي تصوير ما حدث علي انه مؤامرة كونية ضد الزعيم عبد الناصر لكسر شوكته. ولكن ماذا كان ينتظر عبد الناصر غير هذا من اعداءه ؟ هل كان ينتظر أن ترمي إسرائيل بنفسها في البحر طواعية ؟ ام كان ينتظر من اعداءه إعطاءه خططهم العسكرية حتي يتمكن من النصر ؟ وقد عبر عن هذا في احد خطبه ما بعد الهزيمة حين قال انتظرناهم من الشرق فجاءونا من الغرب . وبهذه الجملة الخرقاء عبر عبد الناصر عن مدي عقم تفكيره وعقم تخطيط نظامه العسكري والاستراتيجي .
اما الاستراتيجية الثالثة التي اتخذها النظام الناصري لتجاوز الهزيمة فتمثلت في أبعاد أنظار الشعب المصري عن المتسبب الحقيقي في الهزيمة او المشكلة الحقيقية وراء الهزيمة وهي النظام نفسه ، فكان ان اطلق عقال الخطاب الديني ، فراح هذا الخطاب يضخ في اذان الناس ان السبب الحقيقي وراء الهزيمة هم أنفسهم وذلك بسبب بعدهم عن الدين . حتي قال الشيخ الشعراوي انه صلي ركعتين لله شكرا عند سماعه خبر الهزيمة لكي تبتعد مصر عن التيار اليساري وتلجا الي الله عز وجل ، وكأن الله راض عن الحالة الدينية لإسرائيل لكي يجعلها تنتصر . اما هذه الاستراتيجية الاخيرة  فقد كان لها دور كبير في إعلاء رايات الهوس الديني حتي يومنا هذا .
قبل اغتيال الرئيس انور السادات بوقت ليس بكثير . قرر اعتقال كثير من مثقفي ورموز الشعب المصري ولأجل غير مسمي ، وبدون تهمة واضحة . وكان من هذه الاسماء الاستاذ هيكل والدكتورة نوال السعداوي .
قرر النظام المصري برئاسة حسني مبارك بعد اغتيال السادات إطلاق سراح هؤلاء المفكرين ، وعندما تشاور حسني مبارك مع مستشاريه . أشاروا عليه بإطلاق سراحهم بعد الأربعين وعلي ان يتم إطلاق سراحهم علي دفعات ، وتم اعلامهم بهذا ، فجرت النقاشات فيما بينهم انه لا ينبغي لهم الخروج قبل أن يأخذوا الضمانات الكافية من النظام بعدم اعتقالهم بهذه الطريقة المشينة مرة اخري ، وعندما اخبروهم ان الرئيس حسني مبارك يود مقابلتهم.  قررت الثورية نوال السعداوي ان تكتب له خطابا بهذا الشأن ، وتحت وطأة الرقابة الأمنية أخفت هذا الخطاب في حذاءها ، وعندما تمت المقابلة أخرجت الخطاب من حذاءها وقدمته للرئيس مبارك . بدأ حسني مبارك في قراءة الخطاب ، وبدات ملامح وجهه في التغير ، فنظر للدكتورة نوال وقال لها : معلش، فقالت له فيما معناه ان معلش هنا لا تصلح لمثل هذه المواقف ، وأنه لابد من قرارات دستورية او ما شابه لعدم المساس بذوي الراي مرة اخري . هنا أدرك هيكل مدي حرج موقف الرئيس ، وبحكم فطرته التطبيلية المعهودة وربما لخطب ود النظام الجديد لإيجاد موطيء قدم له فيه . قال هيكل ان جدول الرئيس مزدحم للغاية ونكتفي بهذا القدر من النقاش علي ان نواصله في لقاء اخر .
لعب هيكل في هذا المثال دور المثقف الذي يهمش المشكلة ويختذلها لصالحه لخطب ود الأنظمة ويمكن لمثل هذا المثقف ان يتاجر بمشاكل شعبه اذا ما وجد في ذلك مصلحة له بدل ان يعمل علي إيجاد الحلول لها .
عندما كنت صغيرا كان يحلو لي دائما الذهاب مع ابي الي سوق امدرمان كل يوم احد لكي نبيع ما انتج ابي من الفركة او الفراد او الشالات والشالات لمن لا يعرفها هي نوع من العمائم السودانية يتلفح بها السوداني فوق كتفيه . وفي احد هذه الآحاد رأيت كثيرا من الشباب يجري في جميع الاتجاهات مذعورين ، وعندما سالت ابي عما يحدث ، قال لي انها الكشة فلما سألته وما هي الكشة ؟ قال لي ان البوليس يحاول القبض علي الفريشة والباعة المتجولين.  كان هذا المشهد زمن الراحل جعفر نميري.
تكرر هذا المشهد زمن الصادق المهدي وطيلة زمن الإنقاذ والتي حاولت بانتهازيتها المعهودة تقنين عمل هؤلاء الباعة المتجولين بفرض الضرائب والاتوات عليهم ، و يتكرر هذا المشهد كثيرا هذه الايام في عهد حكومتنا الانتقالية.
تمثل استراتيجية حكوماتنا المتعاقبة مع ظاهرة الباعة المتجولين ، الفشل الواضح في التعامل مع مشكلة كبيرة وواضحة في السودان منذ الاستقلال ، وهي انعدام التنمية المتوازنة بين الريف والمدن . الشيء الذي يؤدي الي الهجرة من الريف الي المدن وبوتيرة متزايدة ، فالمشكلة التي لا تعالج تتفاقم .
اما اذا كانت حكوماتنا تنوي حل هذه المشكلة عبر الكشة، فكأنها تحاول حل مشكلة الروائح المنبعثة من القمامة عبر تغطيتها وليس إزالتها .
والأمثلة كثيرة في منطقتنا علي تهوين وتهميش القضايا والمشاكل والالتفاف عليها فهل تنضج شعوبنا و تفوت الفرص علي الانتهازيين وتعي مشاكلها وتعمل علي حلها ام ستظل في ثباتها ؟
امجد هرفي بولس
wadharfee76@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً