٢. مريود [¹]: قراءة مقارنة في الميتاسردي
وإرادة الحب والشجن!
:: عتبة أولى: ”مريود“:
في تقديري الشخصي أن “مريود” هي العمل الأكثر أهمية، بين أعمال الطيب صالح، الذي تجلّت فيه قدرّاته السّردية المهولة.
الطابع العرّفاني الشاعرّي للحكايات واللُغّة السّردية، وتوطين الأسلوب الترّاثي، والحزن المنبعث من بين ثنايا المخطوطات الغرّامية القديمّة، كل ذلك شكّل آليات الميتاسردي [²] كمقترح نقدي، من قبل تقنيات واستنتاجات هذه الرّواية الآسرّة، بفضاءاتها الرّحبة، التي تستوعبنا داخلها كقصيدة زاخرّة بالشجن!
لذلك سنستلهم هنا.. في قراءتنا للجزء الثاني من “بندر شاه: مريود” بعض الآليات التي اقترحها الناقد العراقي “فاضل ثامر” في تنظيره للميتاسردي. فنُزِيح ونحل و نمزّج و نُعيد إنتاج بعض هذه الآليات؛ لنؤسس مقترّحات نقدية بديلة أو إضافية، كـ “سلطة الجد – بندرشاه” باعتبارها مفهوم متحوّل، في ميرّاثه كطاغية، واستلاب شخصية الحفيد مريود / محيميد، واللُغّة السردية التي أعادت توطين أسلوب النثر الترّاثي، في الحقول الدلالية للسّرد، الذي يقترحه الطيب صالح، وثنائية السمكة / الحورية التي أُغرم بها الطاهر الرواس كأُنثى سرّاب، وذلك لكون هذا الجزء من ثنائية بندرشاه (مريود) شُيِّد في “لُعبة الميتاسردي” بكل ما انطوت عليه آليات اشتغالها، في المستويات المختلفة للسرّد.
:: عتبة ثانية: ثنائية العنوان.. ثنائية الدلالة
تناولنا دلالات وإحالات الإسم (بندر شاه) في الجزء الأول من الرّواية: (ضو البيت)، لذا سنركز هنا على ما أضمرّه العُنوان الرّئيسي لثنائية (بندرشاه)، بما انطوت عليه من أبعاد فكرّية، غنّية بالإحالات المفتوحة؛ على فضاء رُؤيوي واسع، عَكَس خصوبتها وثرائها؛ كنّص رّوائي مُحتشد بالأنساق العرّفانية والإحيائية الأفريقية؛ والتخييلية التارّيخية والنفسية والأُسطورية والفانتازية السحرّية.
فـ(بندرشاه) الرّواية / النّص، بجزئيها، بمثابة معادل موضوعي لـ(مريود / محيميد) الشخصية، على مستوى الوّعي الجمالي واللحظات الفنية الفارقة، التي بلورّتها الوقائع والأحداث؛ المرتبطة بـ كلتا الشخصيتين.
إذن تعتمد (بندر شاه) فيما تعتمد، على ثُنائيات ذات عمق أيديولوجي، عرفاني، دلالي، وجمالي؛ غني بالدلالات والعلامات والرموز. وهو ما كشفه العُنوان سلفاً؛ في الدلالات التي حملها سياقه في النصين.
:: العنوان (مريود):
في عربية أهل السودان المريود هو “المحبوب”، والرّيد هو الحب، كناية عن إرادة المحبوب بشدّة.
ومريود في معاجم اللُغّة جذر ريد، المفرد رِياد والجمع أرياد والمصدر راد، والرَيْدُ هو الحَيْدُ، والحَرفُ الناتئُ من الجَبَل؛ والجمع رُيُودٌ.
وريحٌ رَيْدَةٌ ورادَةٌ ورَيْدانَةٌ، أي (لَيِّنَة الهبوب).. قال أبو ذُؤَيْب يصف عُقاباً:
فَمَرَّت على رَيْد وأَعْنَتْ ببعضِها * فخَرَّت على الرِّجْليْنِ أَخْيَبَ خائِبِ..
وقال صَخْرُ الغَيِّ:
بِنا إذا اطَِّرَدَتْ شَهْراً أَزِمَّتُها * ووازَنَتْ من ذُرَا فَوْد بأَرْيَادِ..
والجمع الكثير: رُيودٌ وريحٌ رَيْدَةٌ ورَادَةٌ ورَيْدَانَةٌ : لَيّنةُ الهُبوبِ مثل رَوْد؛ وأَنشد الليث:
إذا رَيْدَةٌ مِن حَيثُما نَفَحَتْ له * أَتَاهَا بِرَيَّاها خَلِيلٌ يُوَاصِلُهْ
وأنشد الجوهريُّ لِهِمْيَانَ بنِ قُحافةَ : “جَرَّت عليا كُلَّ ريحٍ رَيْدَهْ ” هوجَاءَ سَفْواءَ نَؤوجِ العَوْدَهْ.
والرِّيدُ أيضاً: الأَمرُ الذي تُرِيده وتُزاوله. والرَّيْدَة اسمٌ يُوضَع مَوضِع الارتياد والإِرادة.
قال وهبَّت له ريحُ الجَنُوبِ وأَنشرت * له رَيْدَةٌ يُحيي المُماتَ نَسِيمُها [³]
:: عتبة الاهداء:
أهدى صالح هذه الرّواية لوالده، كما درج في رّوايات أُخرى، على إهدائها إلى عدد من أفراد أسرته، أو إلى بعضهم.
عتبات: (التوطئات)
وهنا نلاحظ أن التوطئة بأبي نواس، في أعمال الطيب صالح تتكرّر؛ وذلك ربما لأن كلاهما كان رائداً في مجاله، فقد تميز شعر أبي نواس عن القصائد الجاهلية النموذجية، وخاصة فيما يتعلق بالبنية الثلاثية –الوقوف مع المثنى– ويعتبر ذلك بمثابة ثورّة على الشعر الجاهلي، بالاستعاضة بالوقفة الخمرية؛ بدلاً من الوقوف على الأطلال. كما أن أبو نواس بذلك استحدث غرضاً شعرياً جديداً؛ هو “الخَمرية”.
فإلى جانب تركيزه على الموسيقى الدّاخلية، اعتماداً على تشابه أصوات الحروف، أو ما يسمى بالإيقاع الداخلي، الناجم عن الجناس والتكرّار في القصيدة. كذلك عمد أبو نواس لإيجاد صورّة جديدّة، تصف الخَمرّة و تشخصها بشكلٍ ملموس، بحيث تنهض عليها الاستعارة، في تكوّين الصوّر، ودمجها في الأبيات الشعرّية.
من الجانب الآخر؛ نجد أن رّيادة الطيب صالح، في كون رّوايته الأولى عُرس الزّين، بمثابة ثورّة على الواقعية التي كانت سائدة.
وقد اشرنا في قراءتنا لعُرس الزين، إلى كيف سبق الطيب صالح (غابرييل غارثيا ماركيز- غابو) الأب الرّوحي للواقعية السحرّية، في ارتياد هذه المدرّسة، قبل أن يُصدر ماركيز، رّوايته المؤسسة لها ”مائة عام من العزلة“ بخمس سنوات!
يوطئ صالح إذن بكلمات رائد مثله، كما درج للتأكيد على ريادته:
غير أنــي قائلٌ ما أتانــي من ظنوني مــكـــذِّبٌ للعيانِ
آخذٌ نفسي بتأليفِ شيءٍ واحدٍ في اللفظِ شتِّيِّ المعاني
قائمٍ في الوهْمِ حتى إذا ما رُمْتَهُ رُمْتَ معْميَّ المــــكانِ [⁴]
فأبو نواس هنا، ينظر بعين الوّهم والخيال، وهي رؤية ما لا يُرى بالعين المجرّدة، وهي اعتبار الأشياء التي يراها الإنسان بخياله حقيقة كالحقيقة نفسها. فليس صحيحاً أبداً، أن الواقع المادي الظاهر، هو كل العالم الإنساني، فالعالم الإنساني أشمل من ذلك، وأعمق وأكثر اتساعاً ورّحابة، وعالم الباطن فيه مهم كعالم المرئيات الظاهرّة، بل هو أهم وأصدق وأعمق.
حيث يتأكد هذا المعنى، في التوطئة الثانية المجتزأة من كليلة ودمنة، من باب برزويه المتطبب، حيث يقول إبن المقفع: ”التمست للإنسان مثلاً، فإذا مثله مثل رجل؛ نجا من خوف فيل هائج، إلى بئر. فتدلى فيها وتعلق بغصنين؛ كانا على سمائها؛ فوقعت رجلاه على شئ في طي البئر؛ فإذا حيات أربع، قد أخرجن رؤوسهن من أجحارهن، ثم نظر فإذا في قعر البئر تنين فاتحٌ فاه، منتظر له ليقع فيأخذه.
فرفع بصرّه إلى الغصنين، فإذا في أصلهما جرذان: أسود وأبيض؛ وهما يقرضان الغصنين دائبين لا يفتران، فبينما هو في النظر لأمره والاهتمام لنفسه، إذ ابصر قريباً منه، كوارة فيها عسل نحل؛ فذاق العسل فشغلته حلاوته…“ [⁵]
وهو تأكيد على ما ذهب إليه أبو نواس، إذ يحيلنا هذا المجتزأ إلى مسألة الوجود المزدوج، كما عبر عنها جيداً بول أوستير: ”ما معنى أن تقول الحكاية: هذان الكلبان أخواي“ أو ”هذه البغلة كانت زوجتي“ ما معنى أن تنظر الحكاية إلى شيء أو موضوع يوجد واقعياً في العالم الواقعي، إلى حيوان مثلاً، ثم تؤكد على أن ذلك الشيء ليس هو ما يُرَى؟
معناه أن ما من شيء إلا وله وجود مزدوج: وجود في العالم ووجود في أذهاننا في آن“ [⁶] وفي هذا الانتقال المباشر من واقع الحكي، إلى الواقع الذي تخلقه الحكاية، تكمن بالضبط القوّة التي تتيح للحكاية، أن تقتلع المرء من نفسه، متأرجحاً بين الواقع والخيال.
الأشياء تخلقها الكلمة التي تسميها، لكن ليس ثمّة تسمّية لا توظف الرّغبةَ: لا يمكن أن تكون لك رّغبات إلا بمقدار ما تتذكر عالمك. لـفَتْحِ طريقٍ للمتخيل تُسَخِّرُه لتقص حكايات متشابكة، تجعل بين الرّاوي والحِكَاية كثافةَ واقعين أو ثلاثة.
المسافـةُ مع الذات تُحْفَرُ بدون شك، من أجل توسيع فضاء للتنفس أو للشَّطرِ حول مَوْقِعِ ألمٍ بدئي!
هذين النمطين الوجوديين للأشياء يتعايشان، لإقامة الصلة بين واقع اليوم الخام، والواقع الذي يمكن أن يُحَمَّلَ: بماضيَّ الطفولي أو بماضيَّ الحديث: كل شيء يجب أن يُعادَ إلى حاضر الكلمة ويقترن بداخله.
وهذا بالضبط ما يقوم به الرّاوي –وهو يراقب صرّاعات ود حامد ممزوجة في قصص الأزّمنة الغابرّة– تـوجِدُ طرقاً لانبثاق السحيق في حاضر المستمع.
اللاشعور بجهل الزّمن. نعم، إن اللاشعور يوجد خارج الزّمن الخطي –اللاَّمُنْعَكِس– وقد صار ثانوياً، وأهمَلَتْهُ معالمُنَا الكرونولوجية. إنه يخْلِطُ الأزمنة – وكل حُلم من أحلامنا يشهد بذلك- يمكنه أن يجعل من ماضينا مستقبلنا، ومن المستقبل ذاكرتنا، ومن الحاضر أحيانا لحظة خلود.
لكنه مع ذلك؛ لا ينفلت تماماً من تجرّبة الزّمن، ومما هو بدون شك محورّه: ونعني به تجربة الفقدان والغياب.. اللاشعور هو الأزمنة المتداخلة، وليس هو اللازّمني، كما يستنتج أوستير.
بندرشاه: لعبة الميتاسردي
اللعبة الميتا سردية؛ لعبة قائمة على قصدية الكتابة، كأدب تخيلي ينتمي لتيار ما بعد الحداثة، يتناول بوّعي ذاتي أدوات السّرد؛ ليكشف عن خدع النّص الداخلية، عبر حكي خيالي يتحدث عن الهموم السّردية، داخل فضاء السّرد.
لذا الميتاسردي هو السّرد حول السّرد، بتداخل الرّاوي بمجرياته، مخاطباً المتلقي، أو محاوراً شخصياته الروائية، و تندرج هذه التقنية الأسلوبية؛ التي تقوم على فكرّة التداخل النّصي، ضمن إطار النقد الأدبي التطبيقي، ما بعد الحداثوي. بتوظيف آليات قرائية؛ تكشف عن عناصر النّص ومكوناته ووظائفه؛ وصوت الرّوائي المتوحد والرّاوي المركزي، الذي يتدخل ليفصح عن نظرته للإبداع، أو يقدم تصوراً روائياً مغايراً، باعتماد التعددية كقيمّة سّردية جمالية..
كون (المتعدد هو الأساس الإدرّاكي والمعرّفي، لأي ممارّسة فنية أو أدبية أو علمية..).. أن تقنية الميتا سرد أو (ما وراء السرد أو ما وراء الرواية).. والتي يعد الروائي (جون فاولز)[⁷] من أبرز ممثليها..
الميتاسردي، مصطلح مركب، فالميتا بمعنى وراء أو المغاير و التخييل.. وهي جزء من انفجار(السردي) وتناسله، والميتا شملت جميع العلوم الاجتماعية والفكرية.. فصارت خطاباً متعالياً، يُعني برصد عوالم الكتابة الحقيقية؛ والافتراضية والتخييلية.. كونها تقوم على فكرّة التداخل النّصي، التي فيها يعمد السارد؛ إلى كسر الخطية التتابعية، لتنامي الحكي في البنية السّردية.
فكيف جرت لعبة الميتاسردي في كل من ضو البيت ومريود؟
في كل الجزئين تتَرَاكُبُ الحكايات المتخيَّلة، في حاضر الرّاوية ومستمعيها بما يخلق مكاناً للاتحْدِيدٍ؛ يكون فيه لقاء الماضي والحاضر (الجد والحفيد) ممكناً، جاعلاً بالإمكان تحْدِيدَاتٍ أخرى.
أكثر من، ذلك فهو يخلق المكان، الذي يصير فيه ممكناً، تعايش ما أنشأه المعنى العقلاني؛ باعتباره متناقضاً: ليس فقط حاضر- ماضي، لكن أيضا خير- شر، مذكر- مؤنث، نعم ولا، واقع ومتخيل.
هذا الفضاء؛ هو المجال، الذي يمكن أن يتم فيه خلاص ما كان قد أُغلِقَ، داخل ما يتعذَّرُ على التجربة أن تلجه، أو داخل تأويل المعنى: هنا أين تُخَـلِّصُ الحكاية فِعْلاً الكلمةَ. فَلِلْوَهْلَة الأولى، تبدو الوقائع؛ التي تدور حولها بندر شاه / مريود منحدرّة من أزمنة ملتبسة كُلياً؛ وكذلك الأشخاص.
ثم نفطن إلى أنَّ الـتشويـشَ المؤقت للحدود بين النعم واللاَّ – الناجم عن كونه وَضَعَ كلَّ شيء في الحاضر – لا يُكَرِّسُ الغموضَ، وإنما يُتيح لما شكَّلَ مشكلةً منذ البدايات، أن ينفذ في معيش يوم ودحامد.
وبذلك، تُرْفَعُ “رّقابة ديكتاتورية المعنى” جزئيّاً، بحيث يمكن للجانب المتناقض في الصرّاع أن ينبثق. وأيُّ كلمةٍ بوسعها أن تنفذ إلى هذه القضايا؛ في تخللها التواءات المتخيَّل، وحِيَلِه لتخليصها من (الكهف) الذي كانت توجد أسيرّةً فيه؟ بدل أن يُعبر الرّاوي عن أفكاره (تُقَدِّمُ) الرَّاوِيةُ مُتَخَيَّلاً.
“بندر شاه” تتميز بتعدد الساردين، حيث اعتمد الكاتب فيها على مشارّكة عدد من شخصياتها في عملية السّرد، مركزاً أكثر على شخصية محورّية؛ هي شخصية محيميد، إضافة لسارد خارج النّص، يقوم بسّرد ما يسكت عنه الساردون.
إذن اعتمدت رّواية “بندر شاه”، على وجود سارد أصلي وعدّة ساردين فرعيين، بحيث يعلو صوت الشخصية المحورية (محيميد) بينهم بصورةٍ واضحة.
السارد في “ضو البيت”، وعلى الرُّغم من موقعه الخارجي؛ المعتمد على تقنية الاسترجاع والرجوع للماضي.. إلا أنه كغيره من هؤلاء الساردين، ينقل رؤيته للحدث بحسب حضورّه ومكانه وقتها. كما في مريود.
جعل صالح من السارد الأصلي، حلقة وصل بين جميع الساردين؛ تربط فصول الرّواية، وكلما سكت سارد ما من أحد الساردين المتعددين، يتدخل السارد الأصلي في الحكي، ليحافظ على سيرورّة الحكاية، وكلاهما، صالح والسارد الأصلي خصا “محيميد” بالحضور القوي في الرّواية؛ باعتباره شخصية محوريّة.
كما حُظي محيميد بعد السارد الأصلي، بالنسبة الأكبر بين الساردين جميعاً، فمحيميد والسارد الأصلي؛ يتناوبان على السّرد أغلب الوقت؛ فحين يصمُت السارد الأصلي يتحدث محيميد، وحين يتحدث السارد الأصلي يصمت محيميد. كما يتداخل صوت السارد الأصلي، مع محيميد في لحظات شروده وانفصاله عن الواقع.
أدَّى السارد في “ضو البيت” وظائفه السّردية كاملة، كالوظيفة السّردية؛ التي قام بها هو؛ ومحيميد وبقية الشخصيات، على مستويات القصة، والوظيفة التواصلية مع القارئ، وكذلك الوظيفة الانفعالية، عندما يصوِّر محيميد وهو داخل عالم الخيال، بجانب الوظيفة الأيديولوجية، التي تظهر في شكل خطابات وجمل سّردية، على لسان الشخصيات؛ في المبنى الميتاسردي.
وهكذا تم توليد مستويات متعددّة، في المعاني والدلالات والأصوات.. خلال نشاط الحفيد (مريود) ورّاويها المركزي، في عملية استكمال مهمة الجد ضو البيت.
تندرج رّواية (بندرشاه) كغيرها من أعمال الطيب صالح تحت مسمى الواقعية السحرّية، لما تمتلكه من مقومات وعناصر وآليات اشتغال، تتوافر على مستوى عال من المهارّة والحرّفية، ممثلة باعتماده على طريقة السّرد، الذي لا يخلو من شاعرية؛ والذي يُتيح للكاتب؛ الاتكاء على طريقة سّردية، تمكنه من الاسترسال في فرض لعبة الإيهام.
يعتمد المتخيل السّردي على لعبة إيهام بارعة، تضع المتلقي تحت طائلة الوّهم، وذلك من خلال اعتماده على نّص ترّاثي- أو هكذا يوهم السّرد- ذي لغة لا تخلو من (تَقعُر) في محاولة واضحة من الرّاوي، للزّج بالمتلقي في ما يمكن أن نسميه تجاوزاً (يقينية الوّهم).
لقد أفاد البناء المعمارّي لهذه الرّواية، من تقنية تعدد الأصوات، في تعضيد المتن السّردي؛ بما يتعدى الإيضاح والتفسير، فجوهر الحكاية موزع بين أصوات الساردين العديدين، كل منهم يُعبر عن جزء من الحقيقة، بل يجعلها في أحايين أخرى امتداداً للمحكي في المتن؛ ينميه ويتفاعل معه. الأمر الذي يجعل جسد النّص ينقسم على أصواتهم، حيث المتن في الأعلى، يمارس نرجسيته وطغيان دلالته.
يختط لنفسه مساراً سردياً موازياً (مناصياً) ينفتح على آفاق تأويلية ودلالات مغايرّة ومشاكسة. ناهلاً من تعمق الهامشي لفاعلية الوّهم.
:: التخييل التارّّيخي والهُوّية الهارّبة من مواجهة الذّات
يقدم لنا الطيب صالح في الجزء الثاني من بندر شاه شخصياته في فصول، الفصل الأول غير المعنون يتناول ذكريات مريود، والثاني سعيد عشا البايتات القوي، والثالث الطاهر ود الرواس.
يستهل الطيب صالح (مريود) بمحيميد، في مشهد رومانسي عند الفجر.. وهو ينحدر في الأرض الممتدة وراء غابات النخل والنّهر، يتأمل طبيعة وعالم ود حامد حوله.
فيهيئنا في هذا المشهد المحتشد بالرومانسية لعوالم نصه، المشيّد في الذّكرى التي تشيخ بالكلمات.
فمريود هي قصة الانعتاق؛ ووجه مريم الذي يفيض رّقة وجمالاً، يستعيده الآن من براثن الزّمن القديم، وما تبقى فيه من ذكرى الطفل النزق، وهو يطوي هذه الصفحة، من دفتر الحيّاة؛ مع الصفحات الأخيرّة ”المنظر، كأن محيميد يرّاه آخر مرّة، وجهه متوتر كأنه يقاوم رّغبة جارفة للبكاء، أنظر يميناً هناك أين غابة الطلح الكثّة، التي كانوا يلعبون فيها أيام الطفولة، رائحة البرم، زهر الطلح خصوصاً أيام الفيضان، ص: ¹¹“
ومثلما أورّث بندرشاه حفيده مريود كل شئ، ها هو محيميد يرّث عن جده كل شئ، كانت الفكرّة تخطر لجده، فإذا هي خطرّت له في عين اللحظة ”يتذكرّه الآن بخليط من الحزن والحقد، لقد أختاره دوناً عن سائر أبنائه، ليكون ظلاً له على الأرض، وخلّف له الدّار وفروة الصلاة، وإبريق النحاس والمسبحة؛ من خشب الصندل وهذه العصا، ص: ¹³“
ويتذكر محيميد مريم حبه الأول، الذي حرّمه منه جده؛ فبقى مقيماً كغصة في الحلق”طغت خشخشة الجريد اليابس على الأصوات في خياله فانتبه. أصغّى لجريدِ النخلة في هبوب الرّيح؛ مثل هيكل عظمي في أكفانه.
شاخت الآن تلك النخلة كما شاخ هو، وقد كانت في شبابها تثمر أبكر؛ وتُعطي أكثر من تمر السكوت العزيز؛ زرعها بيديه منذ أربعين عاماً، وأطلق إسمها على مريم القنديل، تسميه مريود ويسميها مريوم.
رّف طيف الصبا مثل برق في أفق بعيد، وأحس في لحظة عابرّة، مذاق الثّمر؛ ونهد مريم يضغط على صدرّه؛ وهما متماسكان في الماء؛ كان ثغرها مثل برق يشيل ويحط…
يا مريود أنت لا شئ؛ أنت لا أحد. يا مريود أنك اخترت جدك؛ وجدك اختارك لأنكما أرجح في موازين أهل الدنيا، وأبوك أرجح منك ومن جدك في ميزان العدل، لقد أحب بلا ملل وأعطى بلا أمل، وحسا كما يحسو الطائر؛ وأقام على سفر؛ وفارق على عجل؛ وحلم أحلام الضعفاء؛ وتزود من زاد الفقراء؛ وراودته نفسه على المجد فزجرها..
ولما نادته الحيّاة.. قلت نعم. قلت نعم. قلت نعم. ولكن طريق العودة كان أشق، لأنني كنت قد مشيت، ص: ¹⁶/⁸⁵“
الصفحات الأولى من الرّواية، تحتشد بكر وفر الذكريات؛ في مرّاحل العمر المختلفة.. يستعيد محيميد ذكريات الطفولة والصبا والشباب، المتغيرّة وسط ثابت وحيد؛ يمثله جده؛ الذي علمه السباحة والحب والرجولة.
ثم ننتقل في الفصل الثاني إلى عالم ودحامد؛ في اللحظة الرّاهنة المتفلتة من ذكريات محيميد، فنرى الشخصيات نفسها التي سبق ورأينا بعضها في (عُرس الزّين) و(موسم الهجرّة)؛ و(ضو البيت). في حياتهم اليومية ومعابثاتهم وحكاياتهم يتولون زمام السّرد.
لقد تغيروا وتغيرّت معهم ود حامد، تجاوزت معرفتهم الآن سلالات الحمير وأوطانها، وعرفوا العربات ”وقال أحمد: صح وانت ليه ما تشتري لك عربية بيب جب زي الرّجال؟ القروش الكتيرة دي داير تخليها لمنو؟
وقال سعيد القانوني: عربيات الجيب ان شاء الله تطير في السماء، أولاد بكري من يوم ما جابو عربيتهم مسخوا علينا دخول السوق.. كل دقيقة وتانية توت توت؛ عملوا لنا صداع ص: ²⁵/²⁶“
لينتقل السّرد مرّة أخرى، حيث محيميد ينحدر على ظهر حمارّه، تفاجئه فورّة الحيّاة؛ وسط غابات النخيل ”رآهم يخرجون من الماء؛ و يتسللون بين فروع الشجر، ويقفزون فوق هامات النخل؛ ورؤوس البيوت. وينطون كأنهم يرقصون فوق القباب، ويذوبون في شعاع الشمس. الوقت ليس هذا ولا ذاك، لكن الشروق كالغروب، يصيران و يتكرران في كل ومضة عين.. نظر بلا فزع ولا دهشة، ثم بوّعي تام، جذّب عنان حمارّته، وأدار ظهره للشمس، ص: ²⁹/³⁰“
ومن ثم ينتقل بنا محيميد، في الفصل الثالث للطاهر ود الرواس، وهما يصطادان معاً في النّهر ”كنت أصادفه في رحلاتي عند الفجر، أحيانا في قاربه؛ في عرض النّهر. وأحياناً في حقله؛ وأحياناً على الشاطئ؛ جالساً يراقب صنارته. وكنت قد نسيت عذّوبة صوته، إلى أن سمعته يغني ذلك الصباح؛ غناء كأنه غلالة من الحرير؛ انتشرت بين الضفتين، ص: ³²“
ويوظف الطيب صالح الأسلوب التراثي والشعبي في الحكي، كواحد من آليات الميتاسردي، التي تتضامن مع لغة النّص كإطار مزدوج ”قالوا، وكانت في ود حامد إمراة صاعقة الحسن، تدعى حواء بنت العريبي، هبطت من ديار الكبابيش مع أبويها في سنوات قحط وجدب، ص: ⁶²“ فحواء هذه تزوجها بلال لليلة واحدة، فحبلت منه بإبنه الطاهر الرواس. ”ما رأيت حباً مثل حب تلك الأم، وما شفت حناناً مثل حنان تلك الأم.. ملت قلبي بالمحبة؛ حتى صرت مثل نبع لا ينضب؛ ويوم الحساب.. يوم يقف الخلق بين يدي ذي العزّة والجلال، شايلين صلاتهم وزكاتهم؛ وحجهم وصيامهم، وهجودهم وسجودهم؛ سوف أقول يا صاحب الجلال والجبروت، عبدك المسكين الطاهر ود بلال ود حواء بنت العريبي، يقف بين يديك خالي الجراب، مقطع الأسباب وما عنده شئ؛ يضعه في ميزان عدلك؛ سوى المحبة، ص: ⁶⁴“
“مريود” ك “ضو البيت” تستند على خلفية (تخييلية) متصلة بالنسق الشعبي الأسطوري، الذي مثلما أفرز تيمة شعبية شائعة عن بنات الحور أو الحوريات، أفرز أُسطورة بندر شاه، التي أخذهم جميعا نداءها عند غسق الفجر، لرؤيته في قصره في الجزيرة، بما يمكن تسميته ب(الوّهم) كمصطلح مُرّحل من حقل “علم النفس” إلى حقل الإبداع السردي الأدبي.
فالوّهم في بندرشاه بجزئيها، من المكونات الأساسية التي تتضافر مع البعد الصوفي والعرّفاني، وبذلك يلعب دوراً كبيراً في نمو الوقائع والأحداث وتطورّها. فالرّواس ظن أنه توّهم ما رآه، إلى أن أكد له محيميد، صحة ما رأى ”انت شفتني يومداك؟ حكاية عجيبة والله! تقول صحيح الواحد وقت يكبر يصيبه الوسواس. عليك أمان الله خمسين سنة ما شفت شئ ولا سمعت شي. خمسين سنة وأنا أصيد في النّيل، ما شفت شئ ولا سمعت شي! داك الصباح بنت الحرام قطعت الجبادة، وغطست شويتين، شبّت فوق وش الموية.. عليك امان الله زول بني آدم… بت فتاة عريانة جل…
إني آمنت بالله. وسمع اضاني دي؛ قالت بي حسا واضح زي كلامي وكلامك، يا ود الرواس أخير ليك تبعد مني، وقبل ما ألقى الكلام الـ أرد به عليها. غطست تاني جب في الموية.. أنا أخوك يا محجوب، أنا أخو الرجال قعدت متمحن أعاين للموية، ص: ³³“
لتتكشف مع الطاهر ود الرّواس؛ حكايات هذه السمكة وعائلتها، كعالم موازٍ لعالم البشر، يمور بالحيّاة بخيرّها وشرّها، بل وحكاية الطاهر ود الرّواس نفسه ”الطاهر.. ود بلال.. ود حوا.. العبد، ص:³⁸“ فقد كان عبداً هملاً بلا سيد، يقال أنه ربما من ذرية عبيد ملك نوبي نصرّاني غابر، حكم ذلك الإقليم اسمه بندر شاه. وكانت عاصمة ملكه حيث تقوم ود حامد اليوم. هزمته جيوش العرب المسلمين، وقوضت ملكه وديانته.
وتتعدد الرّوايات حول أصل بندرشاه، تنسبه صعيداً قبل مملكة سنار أو أثناءها، أو تجنح به شرقاً إلى أكسوم. وتصعد به إلى مجاهيل صعيد النّهر، وتعطنه في تارّيخ المهدية بمرارّاتها.. فبندر شاه ومن بعد بلال، وصولاً إلى الطاهر الرّواس، من تجليات أسئلة الهُوّية الوطنية، التي امتزجت فيها الحقائق بالأكاذيب والأوهام؛ التي تشابكت في العصور المختلفة لتاريخ السودان القديم والمعاصر، وانتسجت في الخيال الشعبي، بحكاياته التي تمزج حقائق التارّيخ بالأساطير، لتحوّله إلى نصف تارّيخ حدث بالفعل، ونصف تارّيخ لم يحدث سوى في خيال رّواته، فانتج نوعاً من الهُوّية الوطنية المبددة، في الهُوّية الشعبية الهارّبة من مواجهة ذاتها.
فهي هُوّية نهضت في الديانات الأفريقية الأحيائية، وامتزجت في العرفان والتصوف السني البياني، والعرب الهاربين دون نسائهم، من ثارات وقمع الإمبراطورية الأموية والعباسية مترامية الأطراف، فوطنوا هُوّيتهم هنا، لتشكل الهُوّية نفسها في مزيج من الواقعي والمتخيل.
فمثلما في بندر شاه كشخصية من شخصيات رّواية مريود، تشتغل الأنساب والأحساب، كبُعد اجتماعي ونفسي أساسي في تكوين الشخصية..
تشتغل في شخصية بلال الكرامات، وتلوح ظلال وأشباح بن عربي والحلاج والعدوية، فيكتب صالح في هذا الجزء من بندرشاه، تخييلاً تاريخياً موازياً ومتقاطعاً، مع التارّيخ الوطني للسودان، بغُزاته الهاربين من القمع والباحثين عن الذهب والعبيد، ومجموعاته المحلية ”أقسموا أنه ما أن فرغ الشيخ نصر الله ود حبيب من ندائه، حتى سمعوا صوتاً يصيح عند باب المسجد لبيك لبيك. ودخل وعليه غبار سفر بعيد، حول رقبته مسبحة طويلة من اللألوب، وفي يدّه ركوّة جلد، فانكب على قدمي الشيخ يقبلهما، وهو يردد باكياً: لبيك لبيك.. أنهضه الشيخ وعانقه وقبله على خديه وبين عينيه، وقال له وعيناه تدمعان: لماذا يا أخي تبعد عني هذا البعاد؟ أما كفاك وكفاني؟ ترفق بنفسك يا حبيبي فإنك قد تبوأت رتبة، قل من وصل إليها من المحبين الخاشعين، وأنني أركض فلا أكاد ألحق بغبارّك، ص: ⁵⁸/⁵⁹“.
كان هذا العبد والد الطاهر اسمه حسن، وسماه النّاس بلال لجمال صوته في الأذان! كان جميلاً وفيه لكنة ”يا بلال أنت عبد الله؛ كما أنا عبد الله. نحن أخوّة؛ في شأن الله أنا وأنت مثل ذرّات الغبار.. في ملكوت الله عز وجل.. ويوم لا يجزي والد عن ولد.. يمكن إنت كفتك ترجح كفتي، في ميزان الحق جل جلاله..
كفتي أنا أرجح من كفتك في موازين أهل الدنيا، ولكن كفتك يا بلال ترجح كفتي في ميزان العدل، أنا أجري جري الابل العطاش يا بلال، لكي أحظى بقطرّة من كأس الحضرّة، وأنت شربت إلى أن ارتويت يا بلال.. أنت سمعت ورأيت.. أنت عبرت وعدّيت، فلما ناداك الصوت؛ قلت نعم. قلت نعم. قلت نعم، ص: ⁴⁴/⁴⁵“
شخصيات الطيب صالح، إنسانية.. حقيقية؛ قد تجدها في أي مكان في القبل الأربعة، عابرة للثقافات والجغرافيا والتارّيخ، فطبيعة الحمولات الفكرية والنفسية والجمالية؛ التي انطوت عليها؛ تقع كلها في دائرة المشتركات، التي تصل البشر ببعضهم البعض، وتجعل من الإنسان إنساناً بخيرّه وشرّه.
فهي شخصيات حيّة، تصارع لخلق قيم مشترّكة؛ وحيّاة لكل النّاس في ود حامد وسواها. فهم ليسوا نُخب أو مثقفين، وليست لديهم أحلام النُخب والمثقفين في تغيّير النّاس، لكنهم مدركين لقيمّة الحيّاة، ولا يتفرجون عليها كنُخب، فهم يعيشونها ويمارسونها؛ بافراحها واتراحها دون تعقيدات، أو حواجز تعزلهم عنها.
”أصله الزمن ده؛ بقى زّمن كلام، إذاعات وسنمات وجرانين ومدارس واتحادات وهوسه، يومتها أسمع الإذاعة تلعلع: العمال؛ الفلاحين؛ الاشتراكية؛ العدالة الاجتماعية؛ زيادة الإنتاج؛ حماية مكاسب الثورّة؛ الانتهازية الرّجعية..
أي يا أخوانا مصيبة شنو الوقعت علينا دي؟ إذاعة السجم، تنبح طول؛ اليوم أصلو حسها ده ما بينقرش؟ قلت لي حاج سعيد: إنت يا حاج العمال والفلاحين ديل بلدهم وين؟
قال لي: يا مغفل العمال والفلاحين ما ياهن نحن.
أنا أخوك. هسع أنحنا اسمنا العمال والفلاحين؟
قال لي: أيوه.
أها وزيادة الانتاج يعني شنو؟
قال لي: الإنتاج مو ياهو السجم البنسوي فيهو دا. وزيادة الانتاج يعني تخت السجم فوق الرّماد، ص: ⁴⁰/⁴¹“
لقد اخترقت شخصيات كالحنين، “ورواس مراكب القدرّة” حدود اللغة والحكاية، لتكون عابرة للزّمان والمكان، تجدها مكتوبة على خلفيات العربات، ولافتات المحلات.. وصولاً لزّمن الكوننة وربما ما بعد الدولة، مثلما تجدها أياقيناً لبوستات البعض في وسائل التواصل الاجتماعي، ما يكشف أنها شخصيات خالدة، تعيش في زّمن ممتد، رغم كونها ليست شخصيات خارقة، إنها شخصيات لا تبحث عن المعرّفة في الكتب أو الإنترنت، بل في تجاربها الذّاتية في الحيّاة.. في الوجدان، وهم يعلمون بقدر دنسهم أنهم أبرياء كالأطفال!
”يقول الطاهر ود الرّواس، أن الاسم الوحيد الذي ورّثه عن أبيه؛ كان لقباً لم يناديه به أحد؛ إلا الكاشف ود رحمة الله. يقول أن بلال رّواس، ويسألونه رواس ماذا؟.. فيجيب: بلال رّواس مراكب القُدرّة، ص: ⁴⁶“
في مريود يستعيدنا صوت محيميد، إلى مستوى مركزي، بين بنيات الحكي، فمريود كنّص سردي؛ في أبرز تجلياته ينهض على عنصر الحب.. حب مريم التي تنطوي على شخصية “حسنة بنت محمود” في (موسم الهجرّة)، والحب الإلهي، من خلال عرفان بلال صنو الحنين في (عرس الزين)، والشيخ نصر الله، والحب الغامض للطاهر الرّواس للسمكة الحورية؛ التي أنفق عمره يحلم باصطيادها؛ وحبه –كذلك– القدّسي لأمه، والحب البشري في العلاقة الحرجة الجريحة لمحيميد بمريوم.
فالحب هو الثيمّة المركزية؛ التي تُنسج حولها الوقائع والأحداث ”استقبلتني عند الباب، ورأيتها تختفي وتبين؛ إلى أن قال النّاس: ولا الضالين آمين.. كان العطر الذي لاحقني كل تلك الأعوام، يعبق من أرجاء الكون، يذكرني بمريم تعد على أصابع يديها؛ وتقول: أحمد محمد محمود حامد حمد حمدان..
الأبناء أكثر من الأسماء يا مريوم، ص: ⁶⁵“ تمر ذكريات طفولته وصباه مع مريم؛ على خاطره حيّة، كأن الوقائع جرّت للتو، لا يزال غبار حدوثها يعلق بها ”كأن الموت خصم؛ أرسلته الحكومة. كان يأمر وينهي بصوت أخرّش، وقد أسلم النّاس قيادهم إليه. كان زعيماً مطلق السلطان ذلك المساء، كما لن يكون بعد نشطاً متحفزاً كحيوانٍ مفترس…
كان الطريفي يبكي حتى كاد يهلك، وأنا أحس في قلبي بفجيعة مثل الفرح. مضوا يحفرون القبر وأنا أرى مريم طفلة دون الرابعة..
لم تكن بها علة ولم تلزم فراشها غير يوم واحد، كأنها قرّرت أن ترحل فجأة.. يمكن أنت مريود وما مريود. زول وما زول. إنت لا أي زول. ولا أي شئ، ثم بكت وقالت خسارّة مريود مات، وأنا يزوجوني بكري أبداً، أحسن أنا كمان أموت، ولا يزوجوني بكري، ص: ⁷²/⁷⁸/⁷⁹“ ترحل الآن في هذه اللحظة/ تلك اللحظة بعد أربعين عاماً، قبل أربعين عاماً أو يزيد؛ عندما زوجوها بكري رُغما عنها، الزّمن توقف في لحظة واحدة في حياتها، في حيّاة محيميد.. لم تنزل حبة الساعة الرّملية الأخيرّة، إلا في هذه اللحظة بالذّات؛ وهي تلفظ أنفاسها الأخيرّة؛ بعد أربعين عاماً، وهو ينزلها في مثواها الأخير.
لقد عاد محيميد بعد غياب طويل، ليدفن جسدها بعد أن سكنت وجدانه حياتها وحياته كلها! في هذا النّص يتماهى مريود حفيد بندر شاه؛ ليتحوّل إلى قرين لمحيميد، فتعيد الحكاية إنتاج نفسها في قصة حب أسطورية، تصبح هي الضحية لعلاقة الجد بالحفيد!
وهكذا تستبدل مريود كاعمال صالح الأخرى، المنطق الذي حكم متخيل الخوارق الصوفية، والأساطير الشعبية وقصص الحب المستحيل، بمتخيل سردي قوامه عالم ود حامد بكل أبعاده المادية والروحية.
أعمال صالح تؤكد؛ أهمية السّرد في تخليص الرّواة من إكراه الاختلالات، الناتجة عن تجارّبهم المرّيرة. وجراحات حياتهم؛ بالانخراط في فعل الحيّاة، بإمكانية البدء من جديد، وممارسة مزيد من الحيّاة، ولذلك يدين الرّاوي في مريود إمام الجامع؛ لأنه شخص (عاطل) غير منتج، فهؤلاء الأهالي البسطاء، الذين كل وظيفته تجاههم، هي تذكيرهم بالموت والحساب والعقاب، هم ذوات منتجة حيّة واعية بكينونتها وبمسارها الفردي والجماعي، ومصيرها!
بل لديهم القدرّة على رّسم استراتيجية سردية، تؤثر في المروي له من شعب ود حامد، سواء في جلسة على قيف النّهر، أو في الجامع أو أمام دكان سعيد عشا البايتات، أو حوش الجمعية التعاونية، بل والقدرّة على التأثير خلال ذلك،على القارئ الضمني لأعمال الطيب صالح.
خاتمة
سر عظمة الطيب صالح كرّوائي، ينبع من الشخصيات التي جسدتها رواياته، بما انطوت عليه من بساطة فاتنة.
فعوالم أعماله السّردية، متعددّة المداخل لدرجة التيه، بمقولاتها الفكرية وجماليات أُسلوبها وسردها، وجاذبيتها الوجدانية، فكل شخصية هي عوالم متشابكة، رُّغم طابع البساطة الذي يسمها.
فهي تستولى على القارئ، فيصبح ضمن شخصيات النّص بدرجة من درجات الشغف، وربما أن مهنة الطيب صالح كإعلامي في بدايات حياته، أسهمت كثيراً في تمليكه أدوات التواصل الجماهيري، وبالتالي إغناء كتابته السّردية، فشخصياته هي السواد الأعظم، الذي تجدّه في الرّيف والمدن السودانية، ورُبما أن شغفه بالشعر والتراث، أيضاً كان لهما دور كبير؛ في انتقاء المفردة التي تقتحم الوجدان، بعذوبتها وشاعريتها.. ورُبما مجونها وجنونها.
فشخصيات الطيب صالح، ليست مهمومة كنُخب الخرطوم، بحمل أفكار كبيرة! فهم مواطنون عاديون من غمار النّاس، لهم تصورّاتهم الخاصة عن الحيّاة، التي أنتجتها تجارّبهم؛ التي يعتدون بها.
فالتغيير الذي يحدث لسيف الدين في (عُرس الزّين)، بانتقاله من حياة الصعلكة والعربدة، إلى حيّاة السلفي الانتهازي، هي ناتجة عن تجربته الخاصة بكل بساطتها، دون أفكار وتصورّات كبيرة، كالآلاف من غمار النّاس، داخل وخارج ودحامد.. تجدهم في كل مكان.. القرى البلدات والأحياء الشعبية وأطراف المدن.
شغف الطيب صالح بالتراث الصوفي؛ وأبي نواس والثقافة الشعبية، انعكس كل ذلك على بناء الشخصية في نصه السردي، مبلوراً موقفاً فكرياً من التدين السطحي “السخرية من إمام المسجد” الذي لا يهمه أمطرت السماء، أم لم تمطر، فهو لا يزرع ولا يحش؛ كل ما يفعله هو العيش على صدقات هؤلاء الفلاحين والترابلة، وتذكيرهم بأمور يرغبون في نسيانها.
كذلك نرى التخندق؛ الذي تخلفه الانقلابات والثورّات والانقسامات، وتأثيراتها على مجتمع ود حامد، كما نلمح في عوالم جواري الواحة، ظلال روضة الحسن بن هاني، ونرى أثر ابن عربي في الحنين وبلال والشيخ نصر الله، ونلمح ظلال الأفكار الكبيرة، على السنة البسطاء؛ تكتسي لحماً ودماً!..
فالسرد عند صالح، أداة جبارّة، تشتغل كمجهر في غور الوجدان الثقافي، والنفس البشرية والمواقف المتعارضة، التي تضع الإنسان البسيط، على مفترق طرق.. إذ ليست هناك أسئلة، و ليست هناك إجابات، فقط الحياة بآلامها وصراعاتها وخذلاناتها وهزائمها وانتصاراتها!
ومن الواضح أيضأ أن الاستعمار الإنجليزي، والمناخ الذي خلفته الحربين العالميتين، ترك في نفس الطيب صالح، أثراً غائراً؛ كما جسد ذلك في شخصية (مصطفى سعيد)..
وهذه العلاقات؛ التي تجمع عصابة محجوب في صداقة عميقة، وشخصية الجد بحضورّه القوّي ليس (كرمز أيديولوجي) للماضي وحافظ للتاريخ، بل وكمصدر امتدادي في الشخصيات، التي تتحرك في النصوص.
والصداقة العامرة بالمحبة والوجد الصوفي، التي مثلما جمعت بين الحنين والزين، والشيخ نصرالله وبلال، فهي دوماً تجمع بينهم وكثر داخل وخارج ود حامد؛ من البسطاء المهمشين؛ الذين في ميزان العدل كفتهم أرجح من كفة العارفين!
وذلك الهوّس الذي ينطلق كنّار في رجال القرية، وهم يشتهون حسنة بنت محمود أو مريم، لا توقف أطماعهم سوى التراجيديات أو المواقف الحاسمة، التي تضع نهاية لكل شئ.
اختيار صالح لشخصيات كالحنين؛ مصطفى سعيد؛ محجوب؛ محيميد؛ الزين؛ الطاهر رواس مراكب القدرة، الطريفي، بلال،؛ الشيخ نصر الله، طه ود ابراهيم، الخ هو سر نجاح أسروداته وخلودها، فسرد الطيب صالح، تسيطر فيه الشخصية وتطغى على الأحداث والحبكة والحكاية إلخ، ولذلك هي شخصيات خالدة في الوجدان الثقافي السوداني والإنساني، لأن غمار النّاس والسواد الأعظم، يجدها قريبة منه.. مالوفة لديه؛ بهمومها وصرّاعاتها، وإحنها وعداواتها ورغباتها وأحلامها؛ وأوهامها وخذلاناتها؛ وهزائمها وانتصاراتها..
فهم ليسوا ملائكة؛ وكذلك ليسوا شياطين؛ ولا علميين أو غير علميين، ولا هم واثقين من أنفسهم وليسوا كذلك مترددين، فهم يحبون ويكرهون ويخونون ويكذبون، مثلما يأكلون ويشربون ويموتون ككل النّاس.. وهم صادقين جداً، ويحبون ودحامد.. وعندما يغضبون يلعنونها، ويحبون النساء؛ ولا يتورعون -على الأقل في مرحلة من مراحل حياتهم- عن فعل ما يعن لهم لممارسة الجنس.
وكذلك هم مخلصون ولكنهم يتآمرون، ويفعلون كل ما يفعله الإنسان، لذلك يشعر قارئ الطيب صالح، أنه قريب من محجوب والحنين والطريفي، والرواس ومحيميد ومصطفى سعيد، وبلال والشيخ نصرالله، وحسنة ومريم والزين؛ وابراهيم ودطه، الخ..
المشتركات الإنسانية؛ هي ما جمعته بهذه الشخصية أو تلك، وربما رأى البعض أنفسهم؛ في هذه الشخصية أو تلك.
فروايات الطيب صالح، هي أحدوثات عن كون كيف نعيش حياتنا، ونتغلب على الصعاب التي تعترضنا، ونفرح ونبكي عندما يقتضي الأمر.
وهي سرديات للحب المجرد المتماهي، في المطلق المتوحد مع الكون، ولكنها أيضاً سرديات للحب الذي يتوزع بين الأمكنة، حيث تخرج التماسيح والحوريات من النّهر، وحيث تموت الحيتان من البرد.. والأشخاص، كآن همند وحسنة بنت محمود وايزابيل سيمور ومريم وجين مورس وشيلا غرينود وبنت مجذوب!
فجميع هؤلاء وأولئك هم بشر مميزّون ككل البشر، ليسوا مهمشين، ولكنهم مهمشين ككل البشر.. هؤلاء النّاس بقدر ما يحبون الحيّاة، لا يخافون الموت، ومع ذلك لا يحبون من يذكرّهم بالآخرة والحساب والعقاب، كأنهم سيموتون الآن، ويتركون كل خططهم وأحلامهم ومشاريعهم خلفهم!
كذلك يفتح تسريد (الوّهم) في أعمال صالح، الأبواب أمام تجلي الاختلالات الذاتية، الناتجة عن تجارب هذه الذوات، التي تبدو أنها تعيش داخل نسق متصل، يُعيد فيه الجد إنتاج الحفيد، لتستمر التجرّبة الحياتية، في نسق دائري، لا يأبه لما يعتري العالم، حوّل هذا النسق من تغييرات، فالاختلال هنا، في ما يعتري الذّات؛ التي تمت إعادة إنتاجها من اضطراب، فتخرج عن مسار النسق المغلق، وتكسر دائرة الوّهم، لتعيش أو تحاول أن تعيش حياتها هي، تلك الحياة التي حُرمت منها، بسبب (سلطة الجد) كما في حالة محيميد ومريود، و(سلطة الماضي) كما في حالة مصطفى سعيد.. ماضيه كمنبت وكمستعمَر، بالتالي إذا كان الوّهم محور السرد الدلالي، في موسم الهجرة ومريود، فإنه كذلك يُعد تيمة مبنية وظيفياً في هاتين الرّوايتين، وفق إطار جمالي ودلالي، قوامه التضعيف والتفجير، لأنه يولد تيمات فرعية كاشفة للوّهم، و لهشاشة الرّاوي والشخصية المحورية، سواءً كانت هذه الشخصية هي مصطفى سعيد أو محيميد. فكلاهما يمثلان طاقة قلق وتوتر وخيبات!
الوّهم، كتجربة انفعالية مؤلمة، تتولد عن الغواية التي تمارسها سلطة الماضي الذاتي، وسلطة الثقافة الاجتماعية وسلطة التاريخ، وعملها في الشخوص؛ بما يؤثر على أنشطتهم الحياتية وخياراتهم وقراراتهم وعجزهم عن اتخاذ القرارات.
إذا كان الوّهم يتموقع في نواة السرد، باعتباره كشفاً عن “اللامرئي في الحياة الداخلية” للأنا الساردة، بلغة كونديرا [⁸] فهو أيضاً مولد لحركية سردية، تمفصلت عند صالح على مستوى الاختلالات النفسية للذات المحورية خلال نموذج (مصطفى سعيد).
وعلى مستوى تفكيك هذه الذات لنفسها، عبر عملية التحوّل من مجرم الى ضحية، ومغادرته لحياته القديمة، واللجوء إلى ود حامد مستثمراً “سلطة البدء من جديد” لتغيير حياته، حيث يلتقي على الطرّف الآخر، من هذه السلطة بمحيميد.
ففي (مريود) يعود محيميد الى ودحامد بعد غياب سنوات طويلة، وهو أيضاً يحلم بالبدء من جديد، كليهما خسر حبه، حيث لا تنفع هذه الوصفة، لاعادة بناء حياتهما، على أنقاض حياتيهما اللتين عاشاها ابتداءاً، فقد قُضى الأمر!
مُتخَيَل موسم الهجرّة كمُتخَيَل بندر شاه بجزئيها: ضو البيت ومريود، إذ يتخلل المُتخَيَل مستويات السرد في بُعدين، أي عبر جمالية إستعادة التارّيخ أو الوقائع والأحداث الماضية بامتداداتها، وتجلياتها المختلفة. و كذلك تتجسد عبر جمالية الإفصاح، عن ما يدور في خواطر هذه الذّوات بقوّة، فيتركها متلبسة بالدّهشة والتيه، ويضعها أمام تقاطعات أسئلة الحقيقي أو المتوهم. وما حدث بالفعل وما لم يحدث وما كان يجب أن لا يحدث أو يحدث.
تُشخص أعمال صالح، مُتَخيَل الوّهم، باعتباره صورّة الذات الرّاوية، وهي موشومة بحرمان متنوع، بدءاً بالحرمان من الاستقرار النفسي في نموذج (مصطفى سعيد)، باعتباره طاقة قلق مزمن، من جهة السبب والنتيجة، ومن جهة الظرف التاريخي للواقع التجرّيبي، الذي يؤطر الذات الرّاوية، فهو منبت حتى في علاقته بأمه “كانت كأنها شخص غريب جمعتني به الظروف صدفة في الطريق، لعلّني كنت مخلوقاً غريباً. لم نكن نتحدث كثيراً. وكنت، ولعلك تعجب أحس إحساساً دافئاً بأنني حر، بأن ليس ثمّة مخلوق.. أُم أو أب يربطني كالوّتد، إلى بقعةٍ معينة ومحيط معين.
كنت أقرأ وأنام وأخرج وأدخل، ألعب خارج البيت، أتسكع في الشوارّع. ليس ثمّة أحد يأمرني أو ينهاني، إلا أنني منذ صغرّي كنت أحس بأنني.. بأنني مختلف.. أقصد أنني لست كبقيةِ الأطفال في سني، لا أتأثر بشئٍ، لا أبكي إذا ضُربت. لا أفرح إذا أثنى علي المدرّس في الفصل. لا أتالم لما يتألم له الباقون. كنت مثل شئ مكوّر من المطاطِ. تلقيه في الماءِ فلا يبتل. ترميه على الأرض فيقفز؛ ص: ²⁹/³⁰“ مروراً بحالة نقيضة تماما يجسدها محيميد، الذي حُرم من رّغباته و اتخاذ القرارات، فالمسار التارّيخي، لسيرّة حياة كليهما تعادل مأساة فقد الحبيبة/الأسرة/الذات..
هوامش:
[¹] الطيب صالح، بندرشاه – مريود، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى ¹⁹⁹⁷
[²] فاضل ثامر، المبنى الميتاسردي في الرواية، دار المدى، العراق، للثقافة والنشر، ٢٠١٣، ص:⁷
[³] إعداد: د. إنعام فوال عكاوي، المعجم المفصل في علوم البلاغة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة ٢٠٠٦
[⁴] تصنف هذه القصيدة لأبي نواس ضمن قصائد التوبة.
[⁵] عبد الله ابن المقفع، كليلة ودمنة، تحقيق: عبد الوهاب عزام وطه حسين، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ٢٠١٤
[⁶] الوجود المزدوج؛ مصطلح لاهوتي لوثري، توطن في الفلسفة الهيجلية. يقوم على أساس أن أشياء الطبيعة توجد فورياً فقط وبطريقة واحدة، بينما الإنسان لكونه روحاً، له وجود مزدوج؛ إنه موجود، من ناحية، بنفس الطريقة التي توجد بها أشياء الطبيعة، ولكن من ناحية أخرى، هو موجود أيضا من أجل ذاته، إنه يتأمل ذاته، ويتمثل نفسه بنفسه، يفكر في ذاته وليس له روح إلا من خلال هذا النشاط الذي يشكل وجوداً لذاته.
[⁷] علون السلمان، في المبنى الميتاسردي، مقال بالملف الثقافي لصحيفة الزّمان، ٢٣ يوليو ٢٠١٤.
[⁸] في ظني أن اللغة الشعرية بقدر ما تنطوي على الحنين، فهي تنطوي في الآن نفسه على الوّهم. فالحنين والوّهم كلاهما وجه للآخر.
فعندما نحن إلى شخوص أو أمكنة أو ماضي معين، فإنما نحن نُقدم تفسيراً لأوهامنا نحو هؤلاء الشخوص والأمكنة والأزمنة. فهي قطعاً لم تعد مثلما كانت قبل لحظات أو أيام أو شهور أو سنوات!
الحنين إذن يوقظ الوّهم ويحييه. ولذلك في ظنّي أنهما ليسا مقترحان نقديين مختلفين.. بل متفاعلين وظيفياً؛ يعملان معاً، على الرّغم من أن الباحثين في السّرديات الأدبية؛ يتناولون كليهما بصورة منفصلة عن الآخر.
لانسينغ، ميتشيغان
٢٠-٢٠٢١
ahmeddhahia@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم