مبدأ الفصل بين السلطات في النظامين البرلماني والرئاسي .. بقلم: د. ماهر إبراهيم عبيد إمام

في هذا المقال نتناول مبدأ الفصل بين السلطات في النظامين البرلماني والرئاسي ولكي نستوفي الموضوع حقه لابد من تسليط الضوء على ماهية هذا المبدأ وأراء الفقهاء فيه، ثم التعرض له في النظام البرلماني والرئاسي ومن ثم الانتقادات التي وجهت للمبدأ وذلك من خلال الاتي:
أولاً: ماهية مبدأ الفصل بين السلطات وأراء الفلاسفة والفقهاء فيه.
لا شك أن تركيز السلطة في يد واحدة أو هيئة واحدة يؤدي إلى الاستبداد والتعسف، وبالتالي إلى إهدار حقوق الأفراد وحرياتهم، وهذا ما يسطره لنا التاريخ حيث يذكر أن الملوك في الماضي كانوا يحرصون كل الحرص على أن تكون إرادتهم هي المرجع النهائي في كل ما يتعلق بإمور وشؤون الدولة، وعلى هذا الأساس قامت أنظمة الحكم الإقطاعية والملكيات المطلقة أو المستبدة، وأن تركيز السلطة على هذا النحو كان يتفق في الواقع والظروف وقتذاك، فمن ناحية كانت شخصية الملك أو الأمير تختلط بشخصية الدولة ومن ثم كانت السلطة بمثابة حق شخصي له، يباشر مختلف مظاهرها من تشريع وتنفيذ وقضاء، وبما يتفق وما تمليه إرادته ومشيئته، ومن ناحية أخرى كانت وظائف الدولة محدودة للغاية حيث كانت تتمثل أساساً في الدفاع عن الدولة ضد الغزو الخارجي وتحقيق الأمن الداخلي وإقامة العدل بين الناس، الأمر الذي كان يساعد الحكام والأمراء مباشرتها دون عناء سواء بذاتهم أو بالاستعانة بأشخاص تابعين وخاضعين لهم وهكذا تضافرت الظروف لا لتساعد فقط على ظهور مبدأ تركيز السلطات وإنما أيضاً على قبوله واعتباره مناسباً ، ولكن مع تطور المجتمعات وتشعب وظائف الدولة وتعقدها أصبح الحاكم ملكاً كان أم أميراً عاجزاً عن القيام بها أو عن مباشرتها بالصورة التي يجب أن تباشر بها بالإضافة إلى ذلك فقد ظهرت المبادئ الديمقراطية الداعية إلى ضرورة انفصال شخصية الحاكم عن شخصية الدولة واعتباره فقط مجرد ممثل لها أو بالأحرى ممثلاً لإرادة الشعب صاحب السلطة الحقيقية في المجتمع، ومن هنا لم يعد مبدأ تركيز السلطات على النحو السابق مقبولاً أو مناسباً، لذلك فقد أهُدر هذا المبدأ وتم بالتالي توزيع مظاهر السلطة على هيئات متعددة تشارك الحاكم في ممارسته للسلطة باسم الشعب ونيابة عنه ،ولكن هناك من يتساءل عن أنه بمجرد توزيع مظاهر السلطة وتعدد الهيئات المباشرة لها كافياً لحماية الحقوق والحريات وضمان حقوق المواطنين المشروعة؟ والتساؤل بمعنى آخر هل هذا يعد كافياً للقضاء على الاستبداد والتسلط المترتب على ظاهرة تركيز السلطة؟
في الواقع لا يكفي للقول بوجود نظام حر أو نظام ديمقراطي يضمن للمواطنين حقوقهم ويصون حرياتهم بمجرد توزيع مظاهر السلطة على هيئات متعددة وذلك لأن هذه الهيئات قد تجنح إذا ما تركت وشأنها في مباشرة تلك السلطات دون رقابة أو مساءلة من أحد إلى التسلط والاستبداد، فوجود هيئة للتشريع وأخرى للقضاء وثالثة للتنفيذ لا يمنع من انحراف كل منها وذلك بعمل تشريعات ظالمة تنحرف بها عن الصالح العام أو إصدار أحكام منافية للعدالة بواسطة السلطة القضائية أو إهدار السلطة التنفيذية لحقوق الأفراد وذلك بإفتاتها على حرياتهم وهو في الواقع ما يؤدي إلى قيام سلطة تشريعية مستبدة وسلطة قضائية مستبدة وسلطة تنفيذية مستبدة كل منها في المجال المعين لها ما دامت كل منها تمارس اختصاصها استقلالاً وبغير رقابة عليها ، من هنا ظهر مبدأ الفصل بين السلطات ليس فقط بهدف توزيع وتقسيم الوظائف على هيئات متعددة في الدولة ولكن أيضاً لبيان وتنظيم العلاقة بين هذه السلطات وذلك حتى تتمكن كل منها من وقف أو من الحد من استبداد وتسلط الأخرى إذا ما جنحت نحو ذلك وفقاً للمبدأ القائل “إن السلطة توقف أو تحد السلطة ” وكذلك من الأسباب التي أدت إلى ظهور مبدأ الفصل بين السلطات، ضمان مبدأ الشرعية وذلك لأن مبدأ الشرعية يقتضي بأن تتسم القواعد التشريعية بالعمومية والتجريد فتصدر التشريعات دون النظر إلى الحالات الفردية، بل تطبق القاعدة القانونية على كل فرد تتوافر فيه شروط تطبيقها ولا يتحقق ذلك إلا إذا فصلنا بين القاضي و المشرع والمنفذ، وقد جاء تعريف مبدأ الفصل بين السلطات بأنه (المبدأ الذي يقضي بإسناد خصائص السيادة التي يختلف بعضها عن بعض إلى أفراد أو هيئات مختلفة ومستقلة بعضها عن بعض.
وإذا كان هذا المبدأ قد ارتبط باسم الفيلسوف [منتسكيو] بحيث أصبح ينسب إليه إلا أنه لا يعتبر مع ذلك أول القائلين به، حيث سبقه إلى ذلك علماء وفلاسفة آخرون فنجد أن هذا المبدأ ظهر منذ أيام الإغريق فقد دعا إليه كل من أفلاطون وأرسطو، إلا أن التطور الحديث لهذا المبدأ يرجع إلى المدرسة الإنجليزية والتجربة الديمقراطية الإنجليزية، فنجد أن كرو مويل مؤسس الجمهورية في إنجلترا أول من أصدر دستوراً متضمناً الفصل بين كل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية كرد فعل ضد استبداد الأمراء والملوك، إلا أن كرو مويل لم يكن عند ذلك يفكر في تطبيق مبدأ نظري وإنما أراد في الواقع القضاء على الاستبداد الذي نشأ عن البرلمان الطويل فعمد إلى فصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية، كما كان حريصاً على استقلال القضاء وحافظ كرو مويل في أنظمته المختلفة المتوالية على مراعاة ذلك إلا أنه بانقضاء عهده وعودة الملكية في انجلترا تلاشت أعماله ولم يبق لها أثر لا في إنجلترا ولا في غيرها من البلدان الأجنبية، وكذلك يعتبر[ جون لوك] أول من كتب عن هذا المبدأ في ظل النظام النيابي الذي تأسس في إنجلترا عقب ثورة 1688م ففي كتابه عن الحكومة المدنية الصادر 1690م ،أوضح لوك أنه توجد بالدولة ثلاث سلطات هي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة الفيدرالية أو الاتحادية التي تتولى مباشرة العلاقات الدولية، ومع أن لوك كان يعتبر كل من السلطتين التنفيذية والفيدرالية متميزتين حيث تباشر كل منهما عملاً محدداً يختلف عن عمل السلطة الأخرى إلا أنه كان يجيز مع ذلك جمعهما في يد هيئة واحدة وذلك حرصاً على عدم تفتيت قوة الدولة المادية .
أما السلطة التشريعية فإنه كان يعتبرها في مركز أسمى وأعلى بالنسبة للسلطات الأخرى وذلك لقيامها بعمل القواعد المعبرة عن الصالح العام، وينتج عن ذلك ظهور مصلحة مستقلة عن مصلحة الجماعة ، ومخالفة لها وللغرض من وجود الحكومة وعلى ذلك يجب في كل دولة منظمة يكون الصالح العام هدفها كما هو المفروض ،إلا أن ذلك لا يعني من ناحية أخرى أن تكون السلطة التنفيذية مجرد تابع أو خاضع للسلطة التشريعية، إذ كان يرى أن مصلحة الجماعة توجب إعطاء السلطة التنفيذية قدراً من الاختصاص التقديري تباشره في الحالات التي لم يكن قد توقعها المشرع وبالتالي لم يصدر القواعد المنظمة لها كما تباشره أيضاً في الظروف الاستثنائية بل وكان يرى ضرورة الفصل بين هاتين السلطتين أي بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وذلك لعدد من الأسباب:
إن السلطة التشريعية لا تنعقد بصفة دائمة وذلك لأن الأمة ليست في حاجة مستمرة إلى القوانين.
إن السلطة التنفيذية هي السلطة التي يقع على عاتقها تنفيذ القوانين ومن ثم يجب أن توجد بصفة دائمة.
كفالة احترام مبدأ الشرعية وذلك لأنه إذا جمعت وظيفتي التشريع والتنفيذ في يد واحدة زالت عن القانون صفته الأساسية وهي العمومية والتجريد، على أساس أن المنفذ المشرع يستطيع لحظة تنفيذ القانون أن يعدل فيه كيفما يشاء ليتلاءم مع الحالات الفردية التي يرغب في تطبيق القانون عليها، ويمكن القول بصفة عامة أن تركيز هاتين السلطتين في يد واحدة يؤدي عملياً إلى انعدام الرقابة على هذه الهيئة وبالتالي إلى جنوحها نحو عدم احترام القانون ومخالفته دون الخضوع لأي جزاء ، ويجب وضع هذه السلطة في أيدي أشخاص مختلفة يغدو لهم عندما يجتمعون بشكل قانوني حق عمل القوانين بمفردهم أو بالاشتراك مع غيرهم وعندما ينتهون من وضع هذه القوانين ينفضون ويخضعون هم أنفسهم لها وهذه العلاقة الجديدة الضيقة تجعلهم يضعون القوانين بعناية ودقة بقصد خدمة الصالح العام .
ويعتبر لوك أن السلطة القضائية سلطة مستقلة قائمة بذاتها ، ولعل السبب في ذلك قد يرجع إلى تأثره في نظريته عن مبدأ فصل السلطات ، بالنظام الإنجليزي ، القائم في عصره حيث كان القضاة خاضعين حتى عام 1688م لسلطات التاج البريطاني خضوعاً تاماً سواء من حيث التعيين أو العزل أو تلقي الأوامر ثم أصبحوا اعتباراً من هذا التاريخ خاضعين للبرلمان إذ كان المجلس الكبير في البرلمان الإنجليزي يعتبر المحكمة التي تفصل في القضايا الهامة، بل لقد ظل لمجلس اللوردات الذي حل محل المجلس المذكور هذه الصفة حتى الآن وهو لا شك اتجاه يؤثر على استقلال القضاء، أما [أفلاطون] فقد ذهب في كتابه “القوانين” إلى أن وظائف الدولة يجب أن توزع على هيئات متعددة، بحيث تمارس كل هيئة وظيفة معينة، ويرى أفلاطون ضرورة الفصل بين الهيئات، على أن يوجد نوع من التعاون بينها بقصد تحقيق الصالح العام وذلك منعاً من استبداد هيئة معينة بالحكم في الدولة وأهم الهيئات التي أوضح أفلاطون ضرورة وجودها للقيام بوظائف الدولة هي:
مجلس السيادة: ويتكون من عشرة أعضاء ومهمته الإشراف على كل شؤون الحكم في الدولة فهو بمثابة سلطة تنفيذية.
مجلس الشيوخ: ويتم انتخابه من بين أفراد الشعب ويتولى وظيفة التشريع وعدد أعضائه 360 عضواً بحيث يتولى كل 30 عضواً العمل لمدة شهر.
جمعية كبار المشرعين والحكماء: وتختص بالإشراف على تطبيق أحكام الدستور وحمايته وتعمل على حفظ التوازن بين مطالب المواطنين في الإسراف في الحرية ومحاولات الحكام الإسراف في الاستبداد بالحكم.
هيئة قضائية: مهمتها الفصل في المنازعات المختلفة.
هيئة المحافظة على الأمن: وتقوم بحماية الأمن داخل الدولة والدفاع عن الدولة ضد أي اعتداء خارجي، وكل هيئة من هذه الهيئات لها مهمة محددة يجب أن تقوم بها وتسأل عنها، وتتوازن وتتعادل هذه الهيئات بحيث لا تطغى إحداها على الأخرى فكل هيئة منفصلة عن الأخرى ولكنها جميعاً تتعاون من أجل المصلحة العليا للدولة، وبذلك نضمن تفادي الاستبداد الذي قد يتواجد في حالة تركيز السلطات في يد واحدة، كما يتحقق بذلك الاستقرار في الحكم أما[ أرسطو] فإنه ذهب إلى ضرورة تقسيم وظائف الدولة إلى ثلاث ووجوب عدم تركيزها في يد واحدة وإنما تختص بها هيئات مختلفة تتعاون فيما بينها وهذه الوظائف هي: المداولة أو المناقشة: ويقوم بهذه الوظيفة المجلس العام ومهمته وضع المبادئ والقواعد العامة التي تنظم الجماعة ، أي أن هذه الوظيفة كانت بمثابة الوظيفة التشريعية للدولة .
وظيفة الآمر: ويقوم بها كبار الموظفين في الدولة ومهمتها تنفيذ المبادئ والقواعد العامة التي وضعها المجلس العام.
القضاء: وتتولاه المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتقوم الهيئات القضائية بنشر العدالة في المجتمع، وذلك بفض المنازعات والفصل في الخصومات التي قد تنشأ بين الأفراد وأوضح أرسطو أنه لكي يكون الحاكم صالحاً يجب أن توكل هذه الوظائف إلى سلطات مختلفة أي أنه لا يجوز أن تجمع في يد واحدة وإلا كان الحكم غير صالح.
أما [جان جاك روسو] فقد كتب مقالاً عن منشأ المساواة، أوضح فيه الهدف من وراء المساهمة في النظم السياسية مؤكداً ما سبق أن كتبه في مؤلفه العقد الاجتماعي، من أن الخير العميم للشعب بأكمله يجب أن يكون الهدف من كل نظام سياسي، وأي نظام سياسي يجب أن يقوم على الحرية والمساواة، وذلك لأن الحرية أمر رئيسي لأن أي تبعية فردية ما هي إلا انتقاص مماثل من قوة الدولة، والمساواة أمر ضروري لأنه لا مجال للحرية بدونها أما فيما يتعلق بالسلطات وإمكانية الفصل بينها فنجد أن روسو في هذا الصدد يرى ضرورة وجود هيئات في الدولة هي التشريعية والتنفيذية والقضائية ولكن العلاقة بين هذه الهيئات لا تقوم على أساس الفصل وإنما تقوم على أساس تقسيم العمل أو فصل الوظائف (فروسو يرى أن السيادة يجب أن تكون للجماعة وليس لهيئة أو فرد أية سيادة إلا عن طريقها، كما أن السيادة لا تتجزأ لأنها تعبير عن الإرادة العامة للمجموع وهذه الإرادة العامة لا يمكن تجزئتها، كما لا يمكن التنازل عنها ولا تسقط بالتقادم، وطالما أن الأمر كذلك وأن السيادة للشعب فإن كل فرد من أفراد الشعب يجب بوصفه عضواً في الجماعة أن يشترك في السيادة عن طريق الاقتراع العام، وقد حصر روسو سيادة الشعب في الهيئة التشريعية التي تمثل المجتمع بأسره وتمارس السيادة بموافقة الشعب وعن طريقه، أما الهيئة التنفيذية فتقتصر مهمتها فقط في تنفيذ القوانين، وقد أوضح روسو أن الحكومة هي الهيئة التنفيذية، وهي ليست إلا وسيط بين الأفراد والسلطات، وتطبيقاً لذلك فإن رسو لا يأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات على النحو الذي أخذ به الفلاسفة السابقون وذلك لأنه لا يعتبر الهيئة التنفيذية هيئة مستقلة، بل هي هيئة تابعة للشعب والذي من حقه مراقبتها وعزلها، ومهمتها تقتصر فقط على تنفيذ القوانين أما الهيئة التشريعية فهي الهيئة الحقيقية والتي لها مركز الصدارة وتقوم بسن القوانين التي تتضمن قواعد عامة، فوجود الهيئة التنفيذية لا يعني الفصل بين السلطات بل هو في الحقيقة ليس إلا مجرد تقسيم عمل أو فصل بين الوظائف، أما بالنسبة للهيئة القضائية فقد رأي روسو ضرورة وضعها في يد هيئة خاصة كما هو الشأن بالنسبة للهيئة التنفيذية وتخضع الهيئة القضائية أيضاً للهيئة التشريعية وللقوانين التي تضعها، وقد رأى روسو أنه يمكن التظلم من الأحكام القضائية إلى الشعب صاحب السلطة والسيادة، ويكون للشعب حق ممارسة العفو عن المحكوم عليهم وهكذا يتضح أن روسو يرى أن الهيئة التشريعية تمثل مكان الصدارة في التنظيم السياسي للدولة وأنها في مركز أسمى من الهيئة التنفيذية ، فهما لا يتساويان في مظاهر السيادة.
ولكن على الرغم من أن هناك عدد من الفلاسفة سبقوا [مونتسكيو] في الحديث عن مبدأ الفصل بين السلطات، إلا أنه يرجع سبب نسبة هذا المبدأ إليه في الطريقة التي عالج بها هذا المبدأ، والأسلوب الذي عرضه به، وذلك في كتابه الشهير “روح القوانين”lE sprit des Lois الصادر عام 1748م ويعتبر مونتسكيو أول من أقام نظرية الفصل بين السلطات على نحو منهجي ، بمعنى أنه لم يتأثر عند وضعه لها بالواقع العملي للحكومات السائدة في عصره، ومن ثم القول في أنها تعد أساساً لكل حكومة منظمة وعنواناً لكل دولة مثالية وذلك بغض النظر عن المكان أو الزمان الذي توجد فيه هذه الحكومة أو تلك الدولة وقد عرض مونتسكيو نظريته بادئاً القول بأن هنالك ثلاثة وظائف في كل دولة هي وظيفة التشريع ووظيفة التنفيذ ووظيفة القضاء وتتمثل الوظيفة الأولى في عمل القوانين التي تصدر دائماً في أوقات محددة، أما عن الوظيفة الثانية فتتمثل في إعلان حالة السلم أو الحرب أو اعتماد الدبلوماسيين وإقامة الأمن الداخلي والخارجي وأخيراً تتعلق وظيفة القضاء بحل المنازعات وإقامة العدل بين الناس، ثم رأي منتسكيو بعد ذلك ضرورة فصل هذه الوظائف وتقسيمها إلى هيئات مستقلة، وذلك حماية للحرية ومنعاً من إساءة استعمال السلطة، حيث يذكر أن الحرية السياسية لا يمكن وجودها إلا في ظل الحكومات المعتدلة مع أنها لا توجد دائماً في مثل هذه الحكومات، فهي لا تتحقق إلا عند عدم إساءة استعمال السلطة فقد أثبتت التجارب أن كل إنسان يتمتع بسلطة يسيء فعلاً استعمالها إذ يتمادى في هذا الاستعمال حتى يجد حدوداً توقفه ، إذ أن الفضيلة نفسها في حاجة إلى حدود ومن ثم إذا أردنا الوصول إلى عدم إساءة استعمال السلطة يجب أن يكون النظام قائماً على أساس أن السلطة توقف السلطة ،وأن فصل السلطات عن بعضها يترتب عليه كفالة احترام القوانين وتطبيقها تطبيقاً صحيحاً، فالسلطتان التشريعية والتنفيذية إذا اجتمعت في يد شخص أو هيئة واحدة انعدمت الحرية لأنه يخشى أن يضع الشخص أو الهيئة قوانين ظالمة ثم ينفذها بطريق ظالم أيضاً كما أن الحرية تنعدم إذا لم تكن السلطة القضائية منفصلة عن سلطتي التشريع والتنفيذ فإذا اجتمعت السلطة القضائية مع السلطة التشريعية فإن الحرية ستتعرض للفوضى طالما أن القاضي هو المشرع، وإذا كانت مجتمعة مع السلطة التنفيذية فإن القاضي سيكون طاغية لأنه سيتصرف بعنف وظلم.
ولكن لا يكفي لكي توقف السلطة السلطة أن يكون هناك فصل بينهما أو أن يعهد ببعض من الاختصاصات إلى كل منها تباشره استقلالاً عن الأخرى، ولكن يجب بالإضافة إلى ذلك أن تكون علاقتها متكافئة، أي أن يكون لكل سلطة من السلطات الثلاث ثقلاً ووزناً تستطيع بواسطته أو من خلاله أن تقاوم السلطات الأخرى، وهذا ما كان يقصده كل من لوك ومنتسكيو عند صياغتهما لمبدأ الفصل بين السلطات ويكفي أن نشير في هذا المقام إلى أن مونتسكيو قد درس هذا المبدأ تحت عنوان دستور إنجلترا ومن الثابت أن إنجلترا لم تعرف في أي لحظة من لحظات تاريخها السياسي فكرة الفصل المطلق بين السلطات، كما تجدر الإشارة إلى أن الثورة الفرنسية قد تأثرت بهذا المبدأ وسجلته في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 26 أغسطس 1789م حيث تنص المادة 16 منه على أن (أي جماعة سياسية لا تضمن حقوق الأفراد ولا تفصل بين السلطات لا دستور لها)
ثانياً تطبيقات مبدأ الفصل بين السلطات في النظام البرلماني:
يقوم النظام البرلماني على مبدأ الفصل بين السلطات، وأن أي سلطة مستقلة في عملها عن الأخرى ومساوية لغيرها، وتتعاون جميع السلطات مع بعضها البعض مع تبادل الرقابة فيما بينها، ولذلك فإن بعض الفقهاء يعتبر النظام البرلماني هو الصورة الصحيحة والنموذج المعبر عن مبدأ الفصل بين السلطات بمفهومه السليم وهو الفصل مع التعاون المتبادل في نفس الوقت والرقابة القائمة بين مختلف السلطات وبالذات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويظهر ذلك من خلال الأسس التي يقوم عليها النظام البرلماني والتي تتمثل في الاتي
1/ برلمان منتخب من الشعب، قد يكون هذا البرلمان مكوناً من مجلس واحد أو من مجلسين فإذا كان مكوناً من مجلسين وجب أن يكون أحدهما على الأقل منتخباً من الشعب ويقوم البرلمان بوظيفتين هما:
أ/ ممارسة السلطة التشريعية وذلك بوضع القوانين التي تطبق في الدولة.
ب/ مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها على أعمالها وإسقاطها إذا لزم الأمر.
2/ المسؤولية السياسية للوزارة: يجب أن تكون الوزارة حائزة على ثقة الأغلبية في المجلس النيابي فإذا فقدت هذه الثقة فإنها يجب أن تترك الحكم كجزاء مترتب على مسؤوليتها السياسية ويجب أن يتوافر في الوزارة في النظام البرلماني الشروط الآتية:
أ/ أن يكون لها قدر من الاستقلال عن السلطة التشريعية.
ب/ أن تقوم برسم السياسة العامة للحكومة تمشياً مع مسؤوليتها السياسية.
ج/ أن يكون أعضاؤها مجلساً هو مجلس الوزراء له رئيس وأن يكون الوزراء متضامنين في المسؤولية وأن يكون لمجلس الوزراء اختصاصات مستقلة عن اختصاصات كل وزير.
3/عدم مسؤولية رئيس الدولة: يقوم النظام البرلماني على ثنائية السلطة التنفيذية رئيس دول له سلطات تشريفية وهو غير مسؤول سياسياً لأن السلطة الفعلية في هذا النظام تنتقل إلى الوزراء ورئيس مجلس الوزراء ويترتب على عدم مسؤولية رئيس الدولة في النظام البرلماني عدد من النتائج أهمها
أ/ عدم جواز نقده بسبب السياسة العامة للحكومة ويوجه النقد لمجلس الوزراء.
ب/ أعمال الدولة دائماً تعتبر من صنع الوزارة حتى لو صادق عليها رئيس الدولة.
ج/ لا يستطيع رئيس الدولة العمل منفرداً فتوقيعات الرئيس يجب أن تكون مقترنة أو مسبوقة بتوقيعات رئيس الوزراء أو الوزير المختص.
4/ التعاون والتداخل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية:
من خصائص النظام البرلماني التي تميزه عن الأنظمة السياسة الأخرى أنه يقوم على التعاون والتداخل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ولكن اختلفت آراء فقهاء القانون الدستوري والنظم السياسية في شأن التعاون بين السلطات في النظام البرلماني إلى عدد من الآراء أهمها:
الرأي الأول: أن النظام البرلماني قائم على ازدواج السلطة، الرأي الثاني: النظام البرلماني يقوم على سلطة منفردة، الرأي الثالث: أن النظام البرلماني يقوم في الأصل على الازدواج لكنه يقضي عليه بعد ذلك، وهناك من يرى أن النظام البرلماني قائم على سلطتين منفصلتين متوازيتين وهذا الرأي لعلاقته بمبدأ الفصل بين السلطات سوف نتحدث عنه تفصيلاً ، وهذا هو رأي غالبية الفقهاء ويعتبرون أن الحكومة البرلمانية التي يطلق عليها الإنجليز حكومة الوزارة تفترض أولاً قيام حكومة نيابية تقوم على أساس الفصل القانوني بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ، فكل من هاتين السلطتين ممنوحة لهيئة منفصلة ومستقلة ، ويرى [بارتلمي] أن النظام البرلماني يقوم على أساس استقلال كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى حد معين ولكن لا يمكن لأيتهما القيام بوظيفتها إلا بتعاونهما المبنى على التوازن، وواضح من تعريف هؤلاء الشراح للنظام البرلماني أن السلطة التشريعية فيه منفصلة عن السلطة التنفيذية وإن كان تعاونهما وتوازنهما ضرورياً في هذا النظام وهذا هو الرأي السائد لدى رجال الفقه الفرنسي ، على أن فصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية ليس فصلاً تاماً كما يرى مونتسكيو لأن كل من هاتين السلطتين تتدخل إلى حد معين في اختصاصات الأخرى ومع ذلك فلا يصل هذا التدخل إلى حد أن يغدو هذا النظام نظام اندماج للسلطات، كما يدعى البعض وفي حقيقة الأمر أن الوزراء هم ممثلو البرلمان في ممارسة السلطة التنفيذية، إلا أنهم مندوبو رئيس الوزراء ورجاله قبل كل اعتبار فهو الذي يعينهم وهم الذين يمثلونه أمام المجالس، وعلى هذا الأساس لا يمكن ولا يجب اعتبارهم وكلاء السلطة التشريعية في ممارسة السلطة التنفيذية، بل بالعكس هم قادة الأحزاب الذين يوجهون البرلمان وينظمون اتجاه الأغلبية وهذا الوضع ضروري لتغدو السلطة التنفيذية متمتعة بحرية العمل، ويرى أصحاب هذا الرأي أن الوزراء يجب أن لا يفرضون على رئيس الدولة لممارسة الوظيفة التنفيذية إلا إذا كانوا قادة حقيقيين قادرين على توجيه الأغلبية ولذا يجب أن تكون أغلبية مشروعات القوانين الهامة من عمل الوزارة المنظمة لاتجاه الأغلبية.
ولكن هنالك مظاهر لانفصال واستقلال السلطة التنفيذية تبدو في عدة نواحي، وأول هذه المظاهر أن الدساتير تمنح السلطة التنفيذية لرئيس منفصل عن السلطة التشريعية، رئيس غير قابل للعزل له حق تعيين الوزراء وعزلهم ولهذا الرئيس حق حل المجلس النيابي واستفتاء الناخبين ، كلما شعر بخروج الهيئة التشريعية عن دور اختصاصها ، أو كلما قام بين السلطتين نزاع جدي ،وحل المجالس النيابية هو سلاح قوي في يد الرئيس التنفيذي ضد البرلمان على أن الرئيس لا يقوم بنفسه باستخدام هذا الحق بل تقوم به الوزارة تحت مسؤوليتها لذلك يتحتم وجود وزارة تضطلع بهذا العمل وتصدر أعمال السلطة التنفيذية بمراسيم ممضاة من الرئيس بعد أن تتداول فيها وتوافق عليها الوزارة.
فمن جميع هذه المظاهر يبدو أن السلطة التنفيذية تتمتع بكيان مستقل وباختصاص خاص بها كما يذهب آخرون في ذات الرأي إلى أن النظام البرلماني هو نظام توازن بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وأنه مميز برباط مزدوج بينهما ، فالوزارة من الناحية الأولى هي التي تحرك سياسة البلاد وتضع مشروعات القوانين الحكومية، ولكن قدرتها على العمل في ذلك مقيدة إذ لا يجب أن تكون على خلاف مع الأغلبية البرلمانية، على أن هذه القاعدة تبدو بسيطة في مظهرها دقيقة في تطبيقها ، فالأوجب أن نسلم بحقيقة أن المجلس لا يملك إخضاع الحكومة لإرادته، إذا امتد سلطانه لهذا لقضي على النظام البرلماني. وعلى ذلك يثور التساؤل كيف يكون للأغلبية أن تحكم على الوزارة إذا لم تضع المبادئ الأساسية لسياسة الحكم العامة وبرنامجه؟ وفي هذه الحالة يجب أن نتبين الحد بين دائرة عمل الوزارة ودائرة عمل البرلمان ويمكن أن نقول في تحديد ذلك أن البرلمان يضع إطار السياسة العامة بينما تتصرف الوزارة بحرية داخل هذا الإطار ولكن إلى أي حد تمتد هذه السياسة العامة وإلى أي مدى يبدو استقلال السلطة التنفيذية؟
الواقع أن الفن السياسي وحده هو الذي يستطيع حل هذا الأمر الذي يختلف حوله باختلاف الزمان والمكان، ويقوم الحل دائماً على أساس إيجاد التوازن وتوزيع الوظائف بحيث تتمتع الحكومة بالحرية الضرورية في عملها دون أن تحيد عن الاتجاه العام الذي أعلنه البرلمان الذي يعتبر حلقة الاتصال بين الوزارة وهيئة الناخبين أو الشعب ومع ذلك فطالما أن لهاتين السلطتين اختصاصات غير محدودة يمارسها كل منهما مع وجوب بقائهما في حالة انسجام فإنه لابد من وقوع تصادم بينهما فالسلطة التشريعية ستحاول الاعتداء على السلطة التنفيذية في دائرة عملها حتى لقد تفقدها حرية العمل والسلطة التنفيذية ستحاول بدورها تحطيم ما يغلها من قيود لتسيطر بمفردها على سياسة البلاد، وزيادة على ذلك فلا تلبث أن تتهم كل من هاتين السلطتين الأخرى بخروج أعمالها عن الصالح العام، ومن ثم يستمر بينهما عداء يبدو حيناً ويخبو حيناً آخر فكيف يمكن حل هذه الأزمات بين السلطتين ؟ هنا يبدو العامل الثنائي فأولاً يجب أن يتمكن كل من الفريقين من إقناع الآخر وهذا يستوجب منح الوزراء حق الكلام في البرلمان كلما شاءوا، فإذا لم تتمكن إحدى السلطتين من إقناع الأخرى فلابد من تدخل سلطة لتفصل بينهما وهذه السلطة العليا هي الشعب وعلى ذلك تكون الطريقة الفنية للوصول إلى حكمه هو حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة سواء جاءت أغلبية البرلمان الجديدة للوزارة أو جاءت على وضعها السابق فإن أحد الفريقين قد خرج منتصراً من المعركة ويطلق على اعتماد كل من الفريقين على الشعب وضرورة خضوعه لحكمه الأعلى المسؤولية السياسية وهذه المسؤولية تمتد إلى كل من الوزارة والبرلمان إذ معناه حق الناخبين في عزل أي سلطة من هاتين السلطتين إذا لم تعمل على الوضع الذي تبتغيه هيئة الناخبين، وهذه الوسيلة تضمن التوازن وعلى هذا الأساس يجب أن يكون حق الحل في متناول كل من السلطتين أما الوزارة فهي تملك هذا السلاح ولها أن تطلب من رئيس الدولة ملكاً كان أو رئيس جمهورية منحها استخدامه ولكن يجوز لرئيس الدولة أن يرفض هذا الطلب.
ويتبين مما سبق أن النظام البرلماني هو نظام توازن لأن كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية تستطيع الوقوف في وجه الأخرى ولا تملك إحداهما سلطة أعلى من الثانية تمكنها من إخضاعها، وهذا التوازن يضمنه ما سبق ذكره من أن كل نزاع جدي بين هاتين السلطتين يكون حله عن طريق حل البرلمان، وعلى ذلك لا يجوز أن تقال وزارة فقدت ثقة البرلمان ولا إبقاء وزارة في حالة خلاف معه دون الالتجاء إلى هيئة الناخبين لتدلي برأيها في الأمر، ويمكن وصف السلطتين التشريعية والتنفيذية بفرسي رهان تقودهما نحو هدف واحد يد قوية. وخلاصة القول نجد أن النظام البرلماني في تطبيقه لمبدأ الفصل بين السلطات يعمل على إيجاد تعاون بين كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية ويعمل على استقلال السلطة القضائية.

ثالثاً: تطبيقات مبدأ الفصل بين السلطات في النظام الرئاسي
النظام الرئاسي عكس النظام البرلماني في تطبيقه لمبدأ الفصل بين السلطات فنجد أن هذا النظام يأخذ بشدة الفصل بين السلطات في حين أن النظام البرلماني يأخذ بتعاون السلطات والموازنة بينها وحتى نعالج مبدأ الفصل بين السلطات في هذا النظام لابد من أخذ نموذج لنظام حكم يأخذ بالنظام الرئاسي والنموذج المعبر عن ذلك هو نظام الحكم المطبق في الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك سوف نتناول نشأة المبدأ في هذا النظام ومظاهر فصل السلطات فيه وذلك على النحو الآتي:
1-نشأة مبدأ الفصل بين السلطات في النظام الأمريكي
لم يتضمن الدستور الأمريكي في نصوصه أي إشارة لمبدأ الفصل بين السلطات ومع ذلك فلا خلاف بين فقهاء القانون الدستوري والنظم السياسية بأن هذا المبدأ يعد في مقدمة الأصول الرئيسية التي أقيم عليها الدستور الأمريكي ، ولذلك اعتنى المؤرخون والفقهاء بتحديد المصادر النظرية والتاريخية التي جعلت مبدأ الفصل بين السلطات جزءاً أساسياً في النظام الدستوري الأمريكي، واعترف المؤرخون بأنه كان لكتابات الفلاسفة السياسيين في أوربا أثر واضح على الثورة الأمريكية مما أدى إلى ذيوع هذا المبدأ بين الأمريكيين ودخوله بعد ذلك إلى النظام الدستوري وأهم هؤلاء الفلاسفة الكاتبان الشهيران جون لوك ومنتسكيو وقد وجدت كتابات لوك ومنتسكيو رواجاً كبيراً في الفكر السياسي الأمريكي في الفترة السابقة مباشرة على الثورة الأمريكية، وكانت مؤلفاتهما تدرس تفصيلاً في كثير من المعاهد والجامعات الأمريكية ، ومما يلفت النظر أن مونتسكيو نفسه لم يبين رأيه في أهمية فصل السلطات ولكنه اتخذ من النظام الإنجليزي شاهداً على نظريته ذاكراً أن الحقوق والحريات الفردية لم تتخذ مكانها في الحياة السياسية الإنجليزية إلا في ظل ما يقوم عليه هذا النظام من فصل بين السلطات الحكومية الثلاث، ولا شك أن النظام الإنجليزي كان له تأثير مباشر على الحياة السياسية الأمريكية منذ العصر الاستعماري ولا شك أن مبدأ فصل السلطات كان أحد المبادئ السياسية الهامة التي انتقلت إلى الأرض الأمريكية خلال هذه الفترة ،على أنه مهما بلغ تأثير النظام الإنجليزي في هذا الصدد، ومهما كان من قيمة كتابات الفلاسفة الفرنسيين أو الإنجليز بشأنه فلا شك أن مبدأ فصل السلطات قد نشأ نشأة ذاتية في القارة الأمريكية كثمرة طبيعية للأحوال السياسية والدستورية في هذا البلد، وذلك لأن التنظيم السياسي للولايات في العهد الاستعماري كان يقوم على أساس الانفصال التام بين الهيئتين التنفيذية والتشريعية، ودعم هذا الانفصال أن حكام المستعمرات وهم القائمون بالوظيفة التنفيذية كانوا يعينون من قبل التاج بينما يمارس السلطة التشريعية ممثلون من قبل الشعب ،وليس أدل على تأصل فكرة الفصل بين السلطات في التفكير السياسي الأمريكي مما حدث في ولاية ماساشوست عام 1742م، إذ رفض المجلس التشريعي في تلك الولاية أن يقرر للحاكم مرتباً دائماً على أساس أن الحاكم بهذا الوضع الجديد يصبح ذا نفوذ خطير يهدد التوازن بين السلطات، ونجد أن هذا المبدأ تبلور تدريجياً حتى استقر في الضمير السياسي لسكان المستعمرات واتخذ سبيله إلى النصوص الصريحة في معظم دساتير الولايات غداة استقلالها عن التاج البريطاني ويكفي في ذلك أن نشير إلى نص ورد في دستور ولاية فرجينيا الصادر في 29 يونيو 1776م والذي يقرر أن (تكون السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية منفصلة ومستقلة بحيث لا تمارس احدهما السلطات الخاصة بغيرها كما لا يمارس شخص واحد في نفس الوقت اختصاصات أكثر من واحدة من هذه السلطات على أن أوضح صياغة لهذا المبدأ هي بغير شك ما نص عليه دستور ولاية ماساشوست الصادر عام 1780م والذي يقرر أنه في حكومة هذه الولاية [لن تمارس الهيئة التشريعية الوظيفتين التنفيذية والقضائية أو احدهما ولن تمارس الهيئة التنفيذية التشريعية والقضائية أو أيهما ، كما لن تقوم الهيئة القضائية بالوظيفتين التنفيذية والتشريعية أو أيهما، وذلك حتى تكون الحكومة حكومة قانون لا حكومة رجال] ولكن بالرغم من هذه النصوص الصريحة لمبدأ الفصل بين السلطات في دساتير الولايات نجد أن أول حكومة مركزية ظهرت في الولايات المتحدة هي حكومة الكونجرس التي قامت في ظل نصوص الاتحاد التعاهدي لم تقم على أساس مبدأ الفصل بين السلطات وإنما كان الكونجرس يقوم بالوظيفتين التنفيذية والتشريعية في آن واحد، ونجد أن هذا المسلك لم يكن في الواقع ثمرة اتجاه مقصود لتجاهل مبدأ الفصل بين السلطات ولكنه كان نتيجة طبيعية لسياق الحوادث السياسية التي نشأ في ظلها ذلك الكونجرس إذ أنه ظهر كهيئة ثورية تحمل لواء المقاومة الوطنية في وجه التاج البريطاني ولم يقم على الإطلاق نتيجة جهد دستوري منظم أو اختيار سياسي واضح، فلم يكن غريباً والحال كذلك حين تصدى ذلك الكونجرس لوضع نصوص الاتحاد أن ينشئها على الصورة التي نشأ بها هو وهي صورة على أساس اندماج السلطات، وتأسيساً على هذا الفهم جاء المؤتمر الدستوري الذي انعقد في فلادليفيا فتجاهل هذه السابقة الثورية مؤثراً أن يتابع دساتير الولايات في اعتناقها لمبدأ الفصل بين السلطات.
2-: مظاهر فصل السلطات في الدستور الأمريكي
على الرغم من أن الدستور الأمريكي لم يتضمن نصاً صريحاً يقرر مبدأ الفصل بين السلطات، إلا أن الشراح يرون أن نصوصه المختلفة تفترض قيام هذا المبدأ وتلتزم مقتضاه في توزيع الوظائف الحكومية على الهيئات الثلاث.
فالمادة الأولى التي تنظم السلطة التشريعية تقرر أن (جميع السلطات التشريعية المقررة بمقتضى هذا الدستور يمارسها الكونجرس، والمادة الثانية التي تنظم السلطة التنفيذية تقرر كذلك أن السلطة التنفيذية يعهد بها إلى رئيس الولايات المتحدة وأخيراً تقرر المادة الثالثة أن السلطة القضائية تمارسها محكمة عليا وعدد من المحاكم الدنيا، ويرى الشراح الأمريكيون أن صياغة هذه المواد تفيد اختصاص كل هيئة من الهيئات الثلاث بوظيفتها اختصاصاً حصرياً يحقق الفصل بينها ويمنع تدخل كل منها في عمل سواها، إلا أن الصياغة وحدها لا يمكن أن تكون دليلاً كافياً على اعتناق الدستور لمبدأ الفصل بين السلطات وللوصول إلى هذه النتيجة لا بد من تحليل نصوص الدستور تحليلاً موضوعياً للكشف عنها وعن الكيفية التي ينظم بها اختصاصات الهيئات الحكومية المختلفة، وقد وضع الكاتبان الإنجليزيان واد وفيلبس معياراً دقيقاً ذا ثلاث شعب للكشف عن هذا المبدأ في نصوص الدساتير ، وخلاصة هذا المعيار أنه لمعرفة ما إذا كان نظام دستوري معين يقوم على الفصل بين السلطات فإنه يتعين الإجابة عن ثلاث أسئلة. هي هل يشترك نفس الأشخاص في تكوين السلطتين التشريعية والتنفيذية؟ وهل للسلطة التشريعية إشراف مباشر وفعال على السلطة التنفيذية أو هل لهذه الأخيرة إشراف مماثل على السلطة التشريعية؟ وهل تمارس السلطة التنفيذية عمل السلطة التشريعية أو تمارس المجالس التشريعية عمل السلطة التنفيذية؟ .
وما قيل عن هاتين السلطتين التشريعية والتنفيذية يقال بعد ذلك عن علاقتهما بالسلطة القضائية. فأما عن السؤال الأول فواضح أن النظام الأمريكي لا يثير أي شبهة لاندماج السلطات إذ تقوم هذه الشبهة في ظل النظام البرلماني حيث يكون الوزراء أعضاء في المجالس التشريعية وممثلين للحكومة فيها، كما تكون الوزارة في مجموعها مسؤولة عن سياستها أمام هذه المجالس، أما النظام الأمريكي فلا يعرف الوزارة بمفهومها الفني المعروف في النظام البرلماني. والوزراء فيه لا يكونون هيئة متجانسة متضامنة في المسؤولية أمام الكونجرس وإنما هم مجرد سكرتيرين أو مستشارين للرئيس الذي قد يأخذ بآرائهم أو يهملها، وخلاصة هذا الوضع أنه في النظام الأمريكي لا يستطيع نفس الأشخاص أن يجمعوا بين صفة الرؤساء التنفيذيين وعضوية المجالس التشريعية، فإذا انتقلنا إلى السؤال الثاني وهو مدى ما للهيئتين التشريعية والتنفيذية من إشراف متبادل لاحظنا ما يتميز به النظام الأمريكي من استقلال وانفصال لكل من هاتين الهيئتين ، على نحو مخالف تماماً للوضع في النظام البرلماني ففي النظام البرلماني يقوم التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على ما تملكه الحكومة من حق الحل، وما يملكه البرلمان من نزع الثقة عنها وإجبارها على الاستقالة، أما في النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأمريكية فلا يملك الرئيس أن يحل الكونجرس ولا يملك الكونجرس من ناحية أخرى إجبار الرئيس على ترك منصبه حتى لو تبين عدم كفاءة الرئيس وظهر أن سياسته لا تنال رضا الشعب وتأييده فلا سبيل إلى حمله على الاستقالة قبل انتهاء مدته وعودة الأمر إلى الشعب ليقول كلمته عن طريق الانتخابات الجديدة وكما خلا النظام الأمريكي من كل هيمنة للبرلمان على الحكومة، فقد خلا كذلك من إشراف السلطة التنفيذية على البرلمان وتوجيهها له ومرد ذلك إلى حرمان الرئيس الأمريكي مما تملكه الوزارة في النظام البرلماني من حق حل البرلمان وكل ما يملكه الرئيس الأمريكي في هذا الصدد هو حق الاعتراض أو (الفيتو) على مشروعات القوانين التي تخالف سياسته أو التي يرى تعارضها مع الدستور وهذا الحق على أهميته ليس إلا وسيلة سلبية من وسائل الرقابة إذ أنه لا ينطوي على أي مشاركة فعلية أو توجيه إيجابي للسياسة التشريعية فضلاً عن أن الكونجرس يمكنه في النهاية أن يتغلب عليه إذا عاد إلى إقرار نفس القانون بأغلبية ثلثي أعضائه ، فإذا انتقلنا إلى السؤال الثالث وهو هل تمارس السلطة التنفيذية عمل السلطة التشريعية أو تتدخل هذه الأخيرة في أعمال الهيئة التنفيذية، برزت أمامنا مشكلة دستورية شغلت الفقه في النظام الأمريكي الرئاسي والنظم البرلمانية ونعنى بذلك مشكلة اختصاص الإدارة بإصدار اللوائح أو ما يسميه الفقه الأمريكي والإنجليزي بالتشريعات التفويضية . وذلك لأن قيام الإدارة بإصدار هذه اللوائح وهي قواعد قانونية عامة يتضمن بدون شك ممارسة لنشاط تشريعي يقصره الدستور أصلاً على المجالس التشريعية المنتخبة ويعد بالتالي خروجاً صريحاً على مبدأ الفصل بين السلطات، هذا بالنسبة للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية أما علاقة السلطة القضائية بهما في النظام الرئاسي الأمريكي فنكشف عنها بالملاحظات الآتية: –
1\ أن النظام الأمريكي لا يعرف أي تداخل بين الهيئات القضائية والهيئات القائمة بالعملين التشريعي والتنفيذي على النحو المعروف في النظام البرلماني ففي النظام الإنجليزي مثلاً حيث تعتبر إحدى لجان المجلس المخصوص تاريخياً وهو هيئة تنفيذية جهة الاستئناف النهائية بالنسبة لأحكام الجهات القضائية في المستعمرات، هذا فضلاً عن أن مجلس اللوردات لا يزال يعتبر جهة الاستئناف العليا في المملكة المتحدة وأنه وإن كان هذا التداخل كما يلاحظ معظم الكتاب ليس إلا تداخلاً صورياً تبرره تفسيرات تاريخية خاصة، فإن النظام الأمريكي يخلو تماماً من مظاهر هذا التداخل فليس بين القضاة الأمريكيين من تربطه صلة بالسلطة التشريعية أو التنفيذية وليس بين المحكمة العليا والكونجرس صلة مماثلة لهذا الذي يعرفه النظام الإنجليزي بالنسبة لمجلس اللوردات وليس للسلطة القضائية أي تدخل أو هيمنة على نشاط السلطتين التشريعية والتنفيذية والواقع أن لطبيعة العمل القضائي تأثيراً مباشراً على هذا الوضع ، إذ أنه حتى في المناسبات التي تتعرض فيها المحاكم للحكم على عمل تنفيذي أو تشريعي فإنها لا تمارس مهمتها هذه الا بمناسبة نزاع أو خصومة بين الأفراد تتصل بها هذه الأعمال التشريعية أو التنفيذية كما أن قاعدة نسبية الأحكام القضائية تجعل أثر أحكامها في المجال السياسي محدوداً إلى مدى بعيد
أما عن سلطات الهيئتين التنفيذية والتشريعية على عمل القضاء فقد استقر في الفقه الدستوري الأمريكي أنه بغير قيام سلطة قضائية مستقلة ومتحررة من كل تأثير فإن الحقوق والضمانات الفردية تتعرض لخطر كبير وتصبح من الناحية العملية تحت رحمة أهواء الحكام ورغباتهم، ولهذا عدت ضمانات القضاة في كافة الدول الديمقراطية ضمانات للأفراد جميعاً وليست امتيازاً خاصاً لرجال السلطة القضائية، وينص الدستور الأمريكي في المادة الثالثة “الفقرة الأولى” على أن قضاة المحكمة العليا والمحاكم الدنيا يمارسون عملهم طالما قاموا به على نحو مرض وأنهم يتقاضون على ذلك مرتبات دورية لا يجوز إنقاصها خلال قيامهم بأعمالهم، ونتيجة لهذا النص الدستوري أن السلطتين التشريعية والتنفيذية لا تملك أيهما إنقاص مرتبات القضاة وأن هذا الإنقاص لو فرضنا حدوثه جدلاً فإن المحاكم تملك الحكم بعدم دستوريته والوسيلة الوحيدة التي يمكن بها عزل القضاة في النظام الأمريكي هي طريقة الاتهام وأنه وإن كان التاريخ الأمريكي قد سجل عدة حالات انتهت فيها إجراءات ذلك الاتهام بإدانة أحد القضاة وفصله فإنه منذ وقت طويل وبعد أن تعذر عزل أحد القضاة بهذه الطريقة، أوشك العرف أن يستقر على هجر هذه الوسيلة كسبيل للتخلص من القضاة بسبب الخلاف السياسي بينهم وبين الكونجرس أو الحكومة على أن هذا الاستقلال الذي يتمتع به القضاء الأمريكي ليس استقلالاُ مطلقاً كما قد يبدو من النص الدستوري إذ لا يخفى أن لرئيس الولايات المتحدة بمقتضى الدستور أن يعين قضاة المحاكم الاتحادية، على أن يوافق مجلس الشيوخ على هذا التعيين، و لا يباشر القضاء في الولايات المتحدة أي عمل تشريعي أو تنفيذي وأساس ذلك ما استقر في الأذهان من أن مجرد تدخل القضاء على هذا النحو لا يتعارض فحسب مع مبدأ الفصل بين السلطات ولكنه فوق ذلك يفتح باباً خطيراً للعدوان على استقلال السلطة القضائية نفسها وعلى هذا الأساس رفضت المحكمة العليا إصدار آراء استشارية استجابة لطلب الرئيس واشنطن واستندت في ذلك إلى أن إصدار هذه الآراء يعد خروجاً على الوظيفة القضائية ويقحم المحاكم في نشاط تنفيذي أو تشريعي لا يسمح لها الدستور باقتحامه، أما عن قيام السلطة التشريعية أو التنفيذية بالوظيفة القضائية فيلاحظ أن المجالس التشريعية في بعض الولايات الأمريكية لا تزال مختصة بنظر دعاوي الأفراد بالتعويض عن خطأ الإدارة على أساس مسؤوليتها التقصيرية إلا أن الاتجاه مع ذلك يسير نحو إلغاء هذا الاختصاص، وأما السلطة التنفيذية فإن الازدياد المضطرد في نشاطها وتدخلها في مجالات النشاط الفردي المختلفة وما ينشأ عن هذا النشاط من مشاكل قانونية مع الأفراد والمؤسسات المختلفة وضرورة الإحاطة بكثير من المسائل الفنية المعقدة للفصل في هذه المشاكل كل ذلك قد أدى إلى منح كثير من الجهات الإدارية وخصوصاً اللجان الإدارية المستقلة كثيراً من الاختصاصات القضائية على نحو يتعارض مع المفهوم المطلق لمبدأ الفصل بين السلطات.
وخلاصة القول عن هذا المبدأ في النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأمريكية نجد أن الشراح الأمريكيين لم يقولوا بمبدأ فصل السلطات كنتيجة للتمييز الموضوعي بين الصورة المختلفة لنشاط الدولة ولكنهم نادوا به كما فعل مونتسكيو من قبل كوسيلة لتفتيت السلطة ومنع تركيزها في يد واحدة على نحو يهدد حريات الأفراد وحقوقهم وقد عبر[ ماديسون] عن هذا الفهم بوضوح في كتاب الفدرالست حيث يقول في المبحث رقم 47 منه (تجمع السلطات كلها التشريعية والتنفيذية والقضائية في يد واحدة سواء كانت تلك اليد حاكم فرد أو مجموعة من الحكام، وسواء وصل هؤلاء الحكام إلى مناصبهم بالوراثة أو الانتخابات أو بفرض أنفسهم على المجموع ، هذا التجمع الخطير هو أخص خصائص الاستبداد بل هو الاستبداد بعينه).
ويقرر ماديسون بعد ذلك أن منتسكيو لم يقصد بمبدأ الفصل استبعاد كل تعاون أو اشتراك متبادل بين السلطات وإنما قال إنه حيث تمارس إحدى السلطات جميع اختصاصات سلطة أخرى فإن الحرية الفردية تتعرض لخطر محقق.
ونجد أن ماديسون وسائر المفكرين والساسة الأمريكيين قد أدركوا منذ اللحظة الأولى استحالة تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات تطبيقاً مطلقاً وظهر هذا الفهم كذلك في بعض دساتير الولايات من ذلك ما جاء في دستور ولاية نيوهامشر من أن الفصل بين السلطات إنما يكون (على النحو الذي تقبله طبيعة الحكومات الحرة وإلى المدى الذي يسمح به التعاون الضروري بينهما وقد رأى الفقهاء الأمريكيين أن هذا التعاون بين السلطات يجب مع ذلك ألا يؤدي إلى هيمنة بعضها على البعض الآخر بحيث يهدد استقلالها وتميزها وأن الوسيلة الفنية للحيلولة دون ذلك هي تنظيم مظاهر هذا التعاون على نحو متوازن يمنع تضخم بعضها وتركيز السلطة في يده على حساب البعض الآخر ومن هنا ينشأ المبدأ المكمل للفصل بين السلطات وهو ما يعرف في الفقه الأمريكي بمبدأ التوازن وتبادل الرقابة Checks and balances ويقولون إن مبدأ الفصل بين السلطات وحده مبدأ سلبي وقائي لا تنتظم به حياة دستورية منتجة ما لم يكمله مبدأ التوازن و تبادل الرقابة الذي يزود كل من السلطات الثلاث بالوسائل التي تصلها بالسلطات الأخرى وتمكنها في الوقت نفسه من رد عدوان تلك السلطات عليها .
رابعاً: تقييم مبدأ الفصل بين السلطات:
وجهت لمبدأ الفصل بين السلطات العديد من الانتقادات ويمكن إيجاز أهم هذه الانتقادات في النقاط الآتية:
1/ عدم إمكان مباشرة هيئات مستقل بعضها عن بعض خصائص السيادة ولهذا يصبح تطبيق هذا المبدأ غير ممكن فالدولة كالآلة وجسم الإنسان، فالآلة يلزم لتسييرها محركاً واحداً يوصل بين أجزائها المختلفة، كما أن جسم الإنسان تعمل أعضاؤه جميعاً وتقوم بوظائفها متكاملة نتيجة الاتصال الطبيعي بينها بحيث يتعذر الفصل بين الأعضاء دون أن تحدث مشكلة معينة وكذلك يقتضي سير الدولة سيراً منظماً قيادة واحدة مركزة وإلا تعذر عليها القيام بوظائفها المختلفة.
2/ توزيع السلطات بين هيئات متعددة يقضي على وحدة الدولة ويترتب عليه تعطيل أعمالها، وربما تعريضها للخطر وخاصة حال الأزمات، لأن الدولة في مثل هذه الظروف تحتاج إلى تجميع وتركيز كل السلطات لكي تواجه الأزمة وتتغلب عليها.
3/ يترتب على توزيع السلطات القضاء على فكرة المسؤولية أو على الأقل التهرب منها، رغم أن فكرة المسؤولية تعتبر ضرورة لوجود الدولة واستمرارها في أداء وظيفتها لأن تقسيم السلطة وتجزئتها إلى أجزاء مستقلة يجعل مسؤولية كل جزء صغيرة ومحددة وربما ساعد ذلك على إمكانية التخلص من المسؤولية نتيجة وجود منافذ متعددة يمكن النفاذ منها فالمبدأ يشجع كل هيئة على التهرب من المسؤولية وتحميلها للهيئات الأخرى ولهذا يصعب تحديد المسؤولية في الدولة.
4/ أن مبدأ الفصل بين السلطات ليس مبدأ حقيقياً لأنه يصعب إن لم يستحيل تطبيقه، إذ بعد أن يطبق المبدأ في دولة ما تجد أن سلطة ما في الدولة تعمل على السيطرة على السلطات الأخرى وتسييرها كما ترغب رغم الفصل الذي أوجده المبدأ ورغم الحواجز التي قد يضعها الدستور في هذا الشأن.
5/ الدولة كالآلة الميكانيكية المعقدة، إذا ما وزعت السلطات فيها فإنها سرعان ما تتحطم نتيجة الصراع بينها، وذلك لأنه يوجد في الدولة دائماً دستوران الدستور الأول هو دستور الدولة العام المعروف للكل وبجانبه دستور سري ناتج من اتفاقات غير ظاهرة بين السلطات ويقوم على الرشوة وبث الدسائس وغيرها من المؤثرات.
6/ يؤدي مبدأ الفصل بين السلطات إلى هدم وحدة الدولة ولهذا فإن الفقهاء الألمان رفضوا الأخذ به.
7/ وانتقد البعض مبدأ الفصل بين السلطات على أساس أن تنظيم السلطات يجب أن تكون غايته النهائية تعاون السلطات وتكاتفها مع بعض، لا الفصل بينها لأن فصل السلطات يتعارض مع الحقيقة الاجتماعية، وكل من يعتقد أنه يؤدي إلى حماية الأفراد من استبداد الحكومة يعتبر خاطئاً، ويضيف صاحب هذا الرأي أنه لا يوجد في كتاب روح القوانين ولا كتاب الحكومة المدنية ذكر لمبدأ الفصل بين السلطات بل يعتبر هذا المبدأ نظرية أسندها الكتاب إلى منتسكيو استنتاجاً من مؤلفاته ويرى [العميد] دوجي أنه إذا كانت نظرية السيادة تذهب إلى أن هذه السيادة يجب أن تتركز في الشعب وأنها واحدة وغير قابلة للانقسام ولا يمكن زوالها بالتقادم ولا التنازل عنها فكيف تقسم هذه السيادة إلى سلطات ثلاث كل منها مستقل عن الأخرى وذات سيادة في دائرتها ،إن ذلك يعني أن السيادة أصبحت قابلة للتجزئة والانقسام، وينتهي في رأيه إلى القول بأن هذه النظرية السياسية تشبه إلى حد كبير نظرية الثالوث المقدس، بل هي مستمدة منها وتدخل في إطار المنظور الغيب، إذاً فالمعنى الحقيقي والمقصود من مبدأ الفصل بين السلطات أن توجد سلطات متعددة داخل الدولة مع قيام نوع من أنواع التعاون بينها ونوع من الرقابة المتبادلة كما يحدث عملياً في كل الأنظمة السياسية والدساتير التي تطبق مبدأ الفصل بين السلطات والمبدأ بهذا الفهم الأخير يعتبر أساس النظم الديمقراطية لأنه يحول دون الاستبداد ويحمي الحرية ويضمن تحقيق المشروعية ، ويحقق المزايا التي تترتب على مبدأ تقسيم العمل ونتيجة لكل ما تقدم فإننا نعتبر مبدأ الفصل بين السلطات هو الوسيلة الفعالة لتأمين حرية الأفراد ، لأنه يضمن احترام القوانين ويعمل على تطبيقها تطبيقاً سليماً، كما أن التجارب العملية أوضحت أن كل شخص يتمتع بسلطات متعددة يسيء استعمالها وكما قال علماء الاجتماع السلطة المطلقة مفسدة مطلقة لأن الإنسان بطبعه يميل إلى بسط النفوذ، ولمنع ذلك يجب أن يكون النظام السياسي قائماً على أساس الفصل بين السلطات لأن السلطة تحد من السلطة غير أن هذا لا يعني الفصل المطلق لأن هذا فهم خاطئ للمبدأ ولكن المقصود توزيع السلطات بين هيئات مختلفة دون إقامة سد منيع بينها مع وجود نوع من التضامن والتعاون بينها. وفي نهاية هذا المقال أو أن أشير على أنه مستل من ورقة علمية تقدمت بها للنشر ونشرت بالفعل في مجلة كلية الشريعة والقانون جامعة افريقيا العالمية العدد الثاني والثلاثون أغسطس 2018م بعنوان التطبيقات الدستورية لمبدأ فصل السلطات في أنظمة الحكم الحديثة لمن يريد الاطلاع على المصادر التي رجعت لها في كتابة الورقة.
emam.maher@gmail.com

////////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً