غصباً عني ، وغصباً عنك .. بقلم: طيفور البيلي

“شويه سيكولوجي (13)
The Obsessive-Compulsive Disorder (OCD)
الحد الفاصل بين ما هو سلوك عادي Normal وسلوك غير عادي أو مضطرب Abnormal حد خفيف شديد ويكاد يكون غير مرئي ورهيف .. وطبعاً ” الرهيف قابل لأن ينقد ” .. وجميعنا نشارك أحيانا بدرجة أو أخرى فيما يمكن تصنيفه كسلوكيات غير عادية Abnormal ، أو هكذا قد يبدو سلوكنا للآخرين .. وكما يعلم دارسو علم النفس أن الفرق بين العادي واللا عادي هو فرق في الدرجة وليس فرقاً في النوع ، ولكن إن كان حديثنا عن السلوك Behavior فإننا في السلوك لا نثبت على درجة معينة طالما كان السلوك هو مفرد ومجمل استجاباتنا للمثيرات الداخلية والخارجية .. يعني بنطط ، وبعض سلوكياتنا التي ربما تقع في نطاق اللا عادي قد تصبح لصيقة وملازمة لنا. يعنى مثلاً .. من منا ليس له بعض السلوكيات أو الطقوس في الأداء أو التنظيم ، والتي تجعل الآخرين يرفعون حواجبهم تعجباً أو إشفاقاً .. أو حتى سخرية .. ولو مشينا بالكلام ده لموضوع الـ Obsessions والـ Compulsions بمعنى الوساوس والسلوك القهري سنجد أن لكل منا وساوسه التي تنتج عنها سلوكيات قهرية .. والمسألة ترجع لموضوع الدرجة ، ومدى تأثيرها على حياتنا العادية ..
وعشان يكون النضمي ده أوضح شوية ، خليني أسعلك .. سوري ، أقصد أسألك : هل حدث إنو القميص (أو البلوزة) المشيت بيهو أول امتحان وجاك الامتحان تمام التمام فما قلعت القميص طوال فترة الامتحانات الاستمرت أسبوعين أو أكثر حتى لا يتغير حظك ؟! لما تكون ماشي في ممر طويل جداً مرصوف بالبلاط .. هل بتعد البلاطات وانت ماشي ( ما حأسألك أذا اتلخبط عليك العدد هل بترجع لأول الممر عشان ما في داعي للإحراج) ؟! لما تكون في البص المريح ماشي واحد من الأقاليم أو رحلة طويلة .. هل بتعد الشجر البمر بيك أو أعمدة النور ( هو في أعمدة نور !!) ؟! هل على الرغم من معرفتك بنظم التصنيف المكتبي ما بترتاح إلا ترص كتبك حسب الأطوال والأحجام أو الألوان .. وكذلك دولاب ملابسك ومكتبك إلخ إلخ إلخ ؟! هل لما تزور ناس وتلاحظ ان اللوحة المعلقة على الحائط معووجة بتتضايق شديد وعايز تقوم تصلحها ؟! .. دي كلها أنماط سلوكية قهرية .. لكنها لا تعترض كثيراً مسيرة الحياة العادية ، وما حتكلفك أكتر من شوية توتر وشوية سخرية من هناي أو هناية القاعدين ليك للنقة والانتقاد ..
طيب .. نمشي على المتصل الأفقي الافتراضي للسلوك في مساحة الـ Abnormal لدرجة أعلى ، وتشمل (ليس حصراً) : اياديك ووجهك وأرجلك قربو يتقشرو من كترة غسلهم لخوفك من الجراثيم ؛ يغلبك النوم من كثرة ترددك خلال الليل على المطبخ للتأكد من أن البوتاجاز وأنبوبة الغاز مقفولين ؛ ترجع من شارع الستين لبيتكم في الكلاكلة لأنو يخيل ليك أنو تركت الأبواب مفتوحة ، وتلقاها مقفلة ؛ لما تمشي تغسل أياديك بتغسل الصابونة والحوض والأرضية و و و و وغسيل اليدين يكلفك ساعة ساعتين ؛ وما شابه ذلك من سلوكيات .. ولكن هذه الدرجة كما هو واضح تعترض مسيرة الحياة اليومية العادية ، وتكلفتها عالية من حيث الوقت والـ Stress المصاحب لها ، ووعي الفرد بتكلفتها عليه ولا عاديتها بالنسبة له وللآخرين ..
أوكي .. خلينا نوضح انو في هذا الاضطراب لدينا متغيرين أحدهما يؤدي بالضرورة للآخر .. الأول هو الوساوس Obsessions وهي أفكار أو خيالات أو رغبات غير مرغوب فيها ، ويقال عنها Intrusive and Persistent بمعني أنها تفرض نفسها بإصرار ودرجة من الاستمرارية على الفرد “غصباً” ، ويتولد عنها مشاعر الـ Stress والضغط النفسي ..
هذه الوساوس ينتج عنها المتغير الثاني وهو الـ Compulsionsوهي أفعال (سلوكيات) قهرية ومتكررة “غصباً” يقوم بها الفرد للتخلص من الوساوس أو خفض التوتر والضغط النفسي الذي أحدثته .. وحكمة الله أن محتوى الوساوس والأفعال القهرية المصاحبة لها ؛ على الرغم من اختلاف الأفراد والثقافات ، إلا أنها تتشابه كثيرا على مستوى العالم ، وخاصة تلك المتعلقة بالنظافة وعد الأشياء وترتيب الأشياء وتأمين المنزل أو الممتلكات ..
وفيما يتعلق بتشخيص هذا الاضطراب OCD فإن الدليل التشخيصي والاحصائي الخامس (DSM5, 2013) يحدد ؛ إلى جانب مؤشرات أخرى ، أربعة محكات Criteria للتشخيص. يشمل المحك الأول الشعور بالأفكار أو الخيالات أو الأفكار غير المرغوب فيها والمسببة للقلق والضغط النفسي ؛ محاولة الفرد التخلص من هذه الوساوس أو تحييدها بأفعال تأخذ منحى تكراري Compulsions. يشمل المحك الثاني تحديد أن هذه الوساوس والأفعال القهرية تأخذ حيزاً من الوقت يزيد عن ساعة في اليوم الواحد بما يحدث ضغطاً نفسياً وخللاً في اجتماعيات الفرد وأداءه لعمله. ويحدد المحك الثالث أن هذه الوساوس والأفعال القهرية ليست ناتجة عن الاثار الفسيولوجية لتعاطي أدوية أو مخدرات أو كحوليات. أما المحك الرابع فيحدد أن الوساوس والأفعال القهرية وما تحدثه من اضطراب لا يمكن تفسيره بأعراض اضطراب آخر كالقلق الزائد أو العام. وفيما يرتبط بنسبة انتشار هذا الاضطراب عالمياً ، فإنها تقدر بحوالي 1.1 – 1.8 % ، وتتأثر به النساء بنسبة أعلى قليلاً من الذكور .. أما نسبة الانتشار في السودان الحبيب ، فالله أعلم .. أصلو نحنا عندنا شوية عداء مع الـ Statistics.
وإذا ما تحدثنا عن أساليب التدخل والعلاج للوسوسة والأفعال القهرية Intervention & Treatment نجد أمامنا بعض الأدوية والعقاقير من ناحية ، والعلاج النفسي Psychotherapy من ناحية أخرى ، وعلى رأس قائمة العلاج النفسي العلاج السلوكي المعرفي Cognitive Behavior Therapy (CBT) ، وأحد مكوناته أسلوب التعرض والاستجابة الوقائيExposure/Response Prevention (ERP) .. ويمكن لنا القول بأن أسلوب خفض الحساسية المنظم Systematic Desensitization يبدو واعداً في هذا الأمر ( أكيد متذكرين عمكم جوزيف وولبه ) ..
طولت عليكم شديد .. مش ؟ طيب أخر حاجة نقول إنو اضطرابات الوسوسة القهرية على رأسها الـ OCD لكنها تشمل حاجات تانية (حامياني) ذي اضطراب تشوه صورة الجسم BDD وتكديس الأشياء وعدم التخلص منها Hoarding وجذب ونزع الشعر Trichotillomania ونزع الجلد Excoriation .. عافانا الله وإياكم ..


Dr. Tayfour S. Albeely
talbeely@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً