يعتبر الأمن من المتطلبات الأساسية في الحياة فالجميع يرغب أن يعيش مطمئنا أمنا، ويقع على عاتق مؤسسة الشرطة مسؤولية توفير الأمن والحفاظ على أفراد المجتمع من التعدي ومنع نشر الفزع والخوف بين المواطنين.
تعتبر مؤسسة الشرطة بالاضافة الى انها مؤسسة امنية منظومة إجتماعية هدفها الأول مراعاة نشر الأمن والأمان في المجتمع وذلك من خلال قوانين تسن في دستور الدولة تحدد عمل الأفراد وحقوقهم وواجباتهم. ومن يتعدي هذه القوانين التي تساعد على نشر الأمان يتعرض للمساءلة القانونية ، حيث تقوم الشركة باجراءات التوقيف وتقوم النيابة العامة بتطبيق القانون على أفراد المجتمع.
لا يتوقف عمل الشرطة و النيابة العامة على تطبيق القوانين على الأفراد فحسب، بل تحافظا على ممتلكاتهم من السرقة والتعدي عليها من قبل اللصوص وغيرهم حيث ينتشر أفراد الشرطة في كل مكان هدفهم الحفاظ على أمن الأفراد. توفير الأمن وراحة البال للمواطنين حيث يعلم المواطنين يقينا أنه يوجد من يحافظ عليهم ويحميهم ويحمي ممتلكاتهم.
بالإضافة إلى ذلك لها هى و مؤسسة القوات المسلحة دور إنساني في الوقوف مع الشعب في أوقات (الأزمات ككوارث الطبيعية والنكبات) ، حيث يجب عليهم تقديم يد العون والمساعدة للأخرين. ايضا يجب ان تلعب مؤسسة الشرطة دورا بارزا في تدعيم الدور الإجتماعي من خلال الاستماع وتلبية احتياجات المواطنين وسماع شكواهم حتي يتم حلها بالتعاون مع بقية اجهزة الدولة.
كما يجب على السلطات الحكومية تقديم المرتبات المجزية للعاملين بمؤسسة الشرطة حتى لا يكونون عرضة لاغراء الفاسدين ، الذين ينشدون خرق القوانين و ارتكاب الجرائم. لان العوذ و الحاجة قد تدفعان جندى الشرطة للاشتراك فى الجريمة من اجل ان يلبى طلبات اسرته.
من الواضح أن التفلتات الأمنية منتشرة في كافة أرجاء البلاد، ابتداء من الجنينة في دارفور مرورا بالفاشر وغيرها وصولا إلى بورتسودان، وحتى العاصمة الخرطوم و التى صار لا يمر يوم فيها دون حوادث واخبار العصابات الخارجة على القانون والتي تحمل الأسلحة البيضاء وغيرها. كبر التفلت الامنى فى دارفور وتحول الى مجاز ومحارق بظهور مليشيا الجنجويد.
فى اعتقادى ان اولى مظاهر الانفلات الامنى و تقنين الفوضى بعد الثورة فى الخرطوم تجسدت فى عملية فض اعتصام القيادة العامة و التى شاركت فيها بالقدر المعلى مليشيا الجنجويد.
مجزرة فض الاعتصام قلّصت فرص المصالحة في البلاد وقوّضت الثقة بين المجلس العسكري والشعب السودانى ممثلا فى لجان المقاومة و الحركات الشبابية و القوى الثورية.
ولكى نتتبع مسارات الانفلات الامنى من اجل معرفة مصادره واسبابه علينا النظر فى ما نشرته صحيفة “الراكوبة” في 30 ديسمبر 2019 ، حيث جاء في جزء من سياق الخبر: ان الشرطة قبضت على 75 شخص يحملون سواطير واسلحة بيضاء في أحياء كثيرة في العاصمة ، حيث كانوا بنهبون المواطنين على قارعة الطريق وقرب اشارات المرور ويقف على مقربة من المجرمين ” رجال شرطة”. لذلك لا ينطبق على هاؤلا وصف “متفلتين” ، بل الاصح هم “مكلفون” ومنظمون وينفذون ما كلفوا به بكل دقة . هذا السيناريو له ما يشبهه تماما داخل الوطن وخارجه . ألم يحدث نفس ( التفلت ) والتكليف من قبل في بداية سقوط النظام وقبل وبعد مجزرة فض الأعتصام حينما اعلنت مكبرات الصوت في مساجد الاحياء تدعوا الناس للتسلح لحماية انفسهم من جماعات مسلحة تهاجم الأحياء قبل تشكيل الحكومة الانتقالية ، وكانت دعوة التسلح محاولة للتغطية على مخططات أخرى.!!
علينا هنا البحث فى الامر وتقليبه على كل الوجوه وطرح الاسئلة الاساسية ، أليس ماتقدم سيناريو مشابه تماما لسيناريو ما قبل استلام العسكر للسلطة في مصر بعد ثورة مصر ؟؟.. من هي الجهة التي لها مصلحة في اشاعة الفوضى والقتل والنهب لفتح الطريق للردة بدعوى عدم الأمن والطمانينة ؟؟، وهل يمكن ان تقوم هذه الجهة بهذا العمل وفي هذه الطرقات والأحياء أن لم يكن لها تنسيق مع عناصر من القوات الامنية والشرطية داخل الحكومة ل، عناصر تتعارض مصلحها مع اهداف الثورة و التغيير ، وهم أكثر المتضررين منه!
نسير خطوات اخرى فى اتجاه سبر غور دوافع التلفتات الامنية و اسبابها ، فنراجع التحقيق الصحفى الذى قامت به ونشرته جريدة الجريدة بتاريخ 11 يونيو 2020، حيث التقت فيه ب (م) (وهو شخص يسكن ضواحى الحاج يوسف) وهو الذراع الأيمن لزعيم أخطر العصابات، التي أذاقت مواطني المحلية قاطبة العلقم إذ أنّ نشاطها ازداد قوة وتنظيما وشراسة. عَقِب فض اعتصام القيادة العامة فِي الثالث مِن يونيو 2019 وما تلاه من أحداث عُنف وفوضى وعمليات نهب اجتاحت العاصمة المُثلثة، وكان لمحلية شرق النيل النصيب الأوفر، بدا واضحاً أن ما يحدث عمل منظم ومخدوم. قال (م) فِي حديثه لـ(الجريدة): التقينا برجل طاعن فِي السن، يرتدي زيَّ شعبي فِي مزرعة ضخمة بمنطقة ” عِد بابكر “، كُنا قُرابة الـ(20) شخصاً، أعرف بعضاً منهم بينما لم أتعرف على الغالبية، ثم اكتشفت لاحقاً أنهم مناديب لزعماء (عصابات النيقرز) ، من مناطق( أمبدة، جنوب الحزام، جبل أولياء، والجخيس) مُلخص ماذكره الرجل الذِي كان لِقَاءَنَا معه الأول والأخير إذ لم نلتقِ به مرَّة أُخرى مُطلقاً، أنهم سيقومون بدعمنا بكافة مستلزمات الشغل من سواطير وسكاكين ” طلباتكم أوامر ” هكذا قالها بالحرف الواحد، وأردف بسؤال : (بتكسبوا كم فِي اليوم )؟.
يقول (م)، شعرتُ بالخوف جداً، ولم أنطق بكلمة، قلتُ لنفسي هذا الرجل أحد اثنتين، أمّا أنه لا يعلم أننا عِصابة “نيقرز “، أو يتبع للشرطة ونحن في قبضته الآن، و لكنه لم يكن أيَّاً منهما، قال بوضوح عندما شعر أننا نتوجس مِنْهُ خِيفَةً:( أنتم منذ الآن موظفين لدينا، ولكنكم ستكونوا أفضل بكثير من موظفي الدولة، هُم بصرفوا شهرياً، أما أنتم فسوف تتقاضون رواتبكم اسبوعياً ومعاها “كيكة” حوافز ومُعدات شغل جديدة، والمطلوب منكم بسيط للغاية شغلكم البتعرفوه فقط. ثم نهض مُسرعاً، وكانت هذه آخر مرَّة أراه فيها.
في البدء لم يُصدق (م) وجُل من معه كلمة واحدة مِمَّا قيل، بيد أنّ (ص) الشهير بـ(البلوة) أكد لهم تعاملهم مُسبقاً مع الرجل وقد وفي بكافة وعوده.. وهذا ماحدث بالضبط، مُؤكداً أنّه ومُنذ مايزيد عن الـ(5) أشهر تسلم إنابة عن مجموعته مبلغ (800) ألف سُددت لهم على فترات مُتفاوتة، هذا بالطبع إضافةً للمسروقات ومايتم نهبه مِن المواطنين ليلاً ونهاراً.
ولفت إلى أنّه استلم رواتب اتباعه لمرتين على التوالي مِن شخص قَدِم إليه بـ(موتر) على مقربة من سوق (كوسوفو) الذِي لا يبعد كثيراً عن سوق ستة بالحاج يوسف، وقال جلس معي لمدة (10) دقائق ثم أخرج من حقيبة ظهر انها مليئة بالمال حزمة قال إنّها تضم (60) ألف جنيه، (50) ألف اتعاب العمليات التي نُفذت أبان الإسبوع المنصرم و(10) ألف حافز عملية اختطاف حقيبة محامية بمنطقة (التكامل) ثم أنصرف. وأكد أنّه في كل مرَّة كانوا يستلمون رواتبهم من شخص مختلف، ومكان مختلف كذلك، وتتفاوت المبالغ وفقاً للعمليات المنفذة، حيث لديهم معلومات دقيقة عن كل عملية نُفذت بل والعوائد منها ايضاً.
ولقد أكد مصدر أمني لـ(الجريدة) صحة ما ورد على لسان (م) وزاد: كنا نعلم بنشاط افراد عصابات النيقرز سيما في المناطق الطرفية، وقد كان واضحاً انهم مسنودين من اشخاص نافذين، ولاحظنا ذلك من خلال بعض الأسلحة البيضاء والمبالغ المالية حديثة الطباعة التي ضُبطت بحوزة بعضهم، كما أعترف بعضهم بتعاملهم مع اتباع للنظام البائد بهدف ارهاب المواطنين.
هذا دليل ثانى الى ان جزء اساسى من المشكلة يكمن فى تركيبة جهاز الشرطة نفسه ، و الجميع يعلم ان احد اهم مطالب الثورة هو ( هيكلة الاجهزة النظامية) ، وجهاز الشرطة هو احد تلك الاجهزة التى إن لم يعاد هيكلتها لن يعم الامان فى السودان لان الكثير من قياداتها العليا و الوسطى ترتبط مصالحها بالنظام السابق وستعمل بكل قواها من اجل احباط الثورة.
ثم نرجو من القارئ الكريم ان يتذكر ان قوات الشرطة كانت قد اختفت بصورة غامضة فى الاسبوع الثانى من يونيو 2021 من شوارع الخرطوم؛ لقد كان أمراً غريباً يدعو للرِّيبة. فلقد عمّت مظاهر الفوضى من قِبل عصابات متفلتة؛ نهبت وأرهبت مواطنين في الشوارع؛ وحطّمت زجاج السيارات في الكباري؛ وأصابت أبرياء بجروح متفاوتة.
مَن الذي يسحب قوات الشرطة؟! ومَن الذي يخرج العصابات من أوكارها؟! فكلا الأمرين مرتبطان مع بعضهما البعض، ويسيران وقع الحافر على الحافر. و يفتحان افق التساؤلات عن متى يدرك السيد رئيس الوزراء اهمية هيكلة الشرطة واعادة تنظيمها ، وهناك عدد كبير من الضباط الوطنيين الذين فصلهم النظام الساقط تعسفيا ، ينتظرون الفرصة التى يستطيعون فيها خدمة الوطن وتخليصه من العناصر التى تحلم بارجاع البلاد الى ما قبل الثورة.
ولكى نؤكد ما توصلنا له على القارئى الكريم معرفة ان اللجنة الفنية لمجلس الأمن والدفاع بالسودان كانت قد اجتمعت بتاريخ الثلاثاء 30 مارس 2021 ، وإستعرضت مظاهر وأشكال الانفلات الأمني السائد في الخرطوم والولايات. وذكرت اللجنة الفنية برئاسة الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين رئيس هيئة الأركان و رئيس اللجنة، في بيان لها الثلاثاء 30 مارس 2021 أن اللجنة بحثت وتقصت عن أسباب الخلل الأمني، واستعرضت الموقف الجنائي للجرائم التي حدثت. وأضاف البيان أن اللجنة قررت الإسراع في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية المتعلقة باتفاق جوبا للسلام، وشددت على لجان الأمن بالولايات حسم الانفلاتات الخارجة عن القانون، وذلك بالتنسيق بين جميع الأجهزة للتصدي لها بحسم وفقا للقانون. كما قررت اللجنة إفراغ العاصمة والمدن الرئيسة من مظاهر الوجود المسلح، وإيقاف التجنيد والاستيعاب السياسي “الذي تقوم به حركات الكفاح المسلح” بمدن السودان المختلفة، إلى حين اكتمال تنفيذ بند الترتيبات الأمنية. وأكدت أن العمل على استتباب الأمن واجب جميع الأجهزة الأمنية المختصة، وأهابت بجميع الأطراف التعاون في سبيل الحفاظ على الأمن والاستقرار ومنع وقوع الجرائم.
لكن السؤال هل فعلا استطاعت (اللجنة الفنية لمجلس الأمن والدفاع ) ، وهى التى بين يديها ادوات القمع والسلطات المخولة و المعلومات ان تنفذ وعودها للمواطن السودانى بحسم التفلتات وارثاء الامكن والاطمئنان؟ هل تم تنفيذ بند الترتيبات الأمنية المتعلقة باتفاق جوبا للسلام
، وهو من اهم عوامل ارساء دعائم الامن و الإطمئنان؟ هل تم حسم الانفلاتات الخارجة عن القانون؟ هل تم إفراغ العاصمة والمدن الرئيسة من مظاهر الوجود المسلح كما وعدت اللجنة الفنية لمجلس الأمن والدفاع ، وهى اعلى هيئة يمكن ان تبت فى امر الامن و الدفاع؟!
لا ، بل استطيع القول انه اليوم قد تردى الوضع الامنى اكثر بكثير من تاريخ اجتماع اللجنة فى 30 مارس الماضى لابد اذا من وجود جهات او اشخاص يملكون نفود كبير جدا يستطيعون به تعطيل قرارات اللجنة و مجلس الوزراء و مدنيي مجلس السيداى من فعل ما يمكن ان ينهى الانفلا ت الامنى و الفوضى!!
gefary@hotmail.com
//////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم