أجرة نقل البضائع في ميزان القانون (1) .. بقلم: د. عارف تكنة (مستشار قانوني)

برزت في الآونة الأخيرة مطالبات من بعض شركات نقل البضائع أو بالأحرى من بعض الناقلين بزيادة أجرة النقل. فالبعض يدافع عن فكرته بتبريرات كثيرة. وآخرون يدحضون ما ذهب إليه ذلك الفريق بمسوغات شتى. إزاء هذا وذاك رأينا أن نضع أجرة النقل في ميزان القانون السوداني. حيث سنتناول هذا الأمر في إضاءات متسلسلة.
في استهلال إضاءاتنا هذه نبتدر حديثنا عن مقدار أجرة النقل. حيث إن لتحديد مقدار أجرة النقل أهمية قانونية لدى جميع وسائل النقل. ففي مجال النقل البحري وعلى الرغم من أهمية ذلك نلاحظ أن كلاً من قانون نقل البضائع بالبحر لسنة 1951م (الملغي) والقانون البحري لسنة 1961م (الملغي) لم ينصا على وجوب تحديد مقدار أجرة النقل. إلا أن قانون النقل البحري لسنة 2010م قد جاء ساداً لهذا القصور. حيث أوجب أن يذكر في سند الشحن مقدار أجرة النقل. ولم يكتف القانون المذكور بذلك بل أوجب أن يذكر في سند الشحن كيفية حساب أجرة النقل فضلاً عن شروط دفعها. وذلك وفقاً للبند (ط) من المادة (107).
وفي مجال النقل الجوي فقد أوجبت معاهدة وارسو 1929م أن تشتمل حافظة الشحن الجوي على أجرة نقل البضاعة. ولم تكتف المعاهدة المشار إليها بذلك، إذ أوجبت أن تشتمل حافظة الشحن الجوي على تاريخ ومكان دفع الأجرة، بالإضافة إلى الشخص الذي عليه أن يدفعها. وذلك وفقاً للبند (ك) من مادتها رقم (8)، والذي أوجب أن يذكر في حافظة الشحن الجوي ما يلي: (أجرة نقل البضاعة، إذا تم الاتفاق عليها وتاريخ ومكان دفعها والشخص الذي عليه أن يدفعها). نلاحظ من النص أنه ليس هنالك إلزاما بتحديد الأجرة إلا إذا تم الاتفاق عليها. ذلك لأن المعاهدة الدولية المذكورة تنطبق على كل من عمليات النقل المجانية والنقل مقابل الأجر معاً حسب نص البند (1) من المادة الأولى من المعاهدة المذكورة.
وعلى الرغم من أهمية تحديد أجرة النقل نجد أن بروتوكول لاهاي لسنة 1955م وفقاً لمادته السادسة قد عدل من معاهدة وارسو في هذا الخصوص. حيث لم ينص على وجوب ذلك بل لم يتطرق لموضوع أجرة النقل. مما يعد في نظرنا قصوراً من البروتوكول المذكور في معالجته لهذا الأمر.
وفيما يتعلق بالنقل بواسطة السكة حديد أو الأنهار الداخلية، فعلى الرغم من عدم نص شروط النقل والتخزين لسنة 1939 على وجوب اشتمال سند الشحن على بيان أجرة النقل. فالمادة (22) شروط النقل والتخزين المذكورة قد نصت على وجوب اشتمال سند الشحن على بيانات عديدة. إلا أنها قد أغفلت النص على “بيان أجرة النقل”. برغم ذلك، فإنها (أي شروط النقل والتخزين المذكورة) قد عالجت موضوع أجرة النقل بشيء من التفصيل الأمر الذي لم تتناوله تشريعات ونصوص كل من النقل البحري والنقل الجوي. حيث أوردت المادة (17) من شروط النقل والتخزين أن يتم توضيح أجرة النقل كتابة في المحطة عند الطلب. بالإضافة إلى ذلك فقد أوجبت أن يعلن عنها في المحطات الأكثر أهمية. حيث يتم الإعلان إما عن طريق جدول زمني يوضح ذلك، أو بأي وسيلة أخرى يرى الناقل أنها أسرع من الناحية الإعلانية. كما أعطت الشروط المذكورة أهمية أخرى لشرط كتابة أجرة النقل، حيث لا يكون الناقل ملزماً بأي أجرة إلا إذا كان ذلك مكتوباً.
تلك الشروط قد وضعت قواعد تفصيلية تبين كيفية دفع أجرة نقل الشحنات حيث إن الناقل في كل من السكة حديد والأنهار قد يطلب دفع الأجرة مقدماً. وقد تكون هنالك أجرة إضافية مستحقة (accrue) نتيجة للخدمات التي يقدمها الناقل. ففي هذه الحالات قد يطلب الناقل دفع الأجرة عند انتهاء عملية النقل. وفي هذا الخصوص يحق للناقل أن يرفض قبول أو تسليم الشحنة إلا بعد أن يتم دفع الأجرة المشار إليها. فضلاً عن ذلك فقد تطرقت شروط النقل والتخزين لحالات الدفع الآجل والتي يجوز فيها للناقل أن يفتح دفتراً حسابياً يسمى دفتر الأستاذ (ledger) أو أي شكل آخر من أشكال الحسابات الآجلة حيث يقيد الناقل أي دفعات تمت على الأجرة بما في ذلك المبالغ المستحقة (accruing) أو الناتجة (incidental) من النقل. كما يحق للناقل أن يطلب عمولة مقابل تلك الخدمة. أيضاً تحدثت شروط النقل والتخزين المذكورة عن الشيكات والعملات التي ليس لها وجود قانوني بالسودان. وهذه لا يكون الناقل ملزماً بقبولها. [البنود (1)، (2)، (3) من المادة (36) من شروط النقل والتخزين لسنة 1939].
لم تقف الشروط المذكورة عند ذلك الحد بل أوردت الطريقة التي يتم بها إثبات الدفع وذلك عن طريق الفواتير حيث أشارت في مادتها رقم (38) إلى أنه عند قبول الشحنة يتحتم على الناقل أن يعد فاتورة يوضح فيها ما إذا تم دفع الأجرة أم لا. وعليه أن يسلم الراسل صورة من هذه الفاتورة على أن يتم استخراج فاتورة كل شحنة بشكل منفصل. [البندان (1)، (2) من المادة (38) من شروط النقل والتخزين لسنة 1939].
كما ربطت الشروط المذكورة بين قبول الشحنة والفاتورة المشار إليها. إذ لا تعد الشحنة قد قبلت للشحن إلا إذا تم إصدار إيصال من الناقل وذلك بإعطاء الشاحن الفاتورة التي أشرنا إليها. [البند (2) من المادة (21) من الشروط المذكورة]. ولا يكون الناقل مسؤولاً عن مدى صحة بنود تلك الفاتورة إذ يحق له أن يصحح أي فاتورة تكون مخالفة للوزن أو الفحص الذي تم للشحنة [المادتان 39، 35 من الشروط]. ويجب ألا يفهم من ذلك أنه يحق للناقل أن يعدل من قيمة الأجرة. إذ لا يعدو أن يكون الإجراء الذي يقوم به الناقل مجرد تصحيح للفاتورة وليس تعديلاً لها. ذلك لأن هنالك التزامات متقابلة تحتم على الطرفين الالتزام بما ورد في العقد. هذا وسنقوم بمناقشة هذا الأمر في حلقة أخرى عند دراسة مدى ارتباط التزام الأجرة بالتزامات الناقل.
تجدر الإشارة إلى أن شروط النقل والتخزين المذكورة قد وضعت تعرفه (tariff) محددة حسب نوع الشحنة حيث تختلف أجرة النقل سواء كانت حيوانات، طروداً أم بضائع. [البنود (b)، (c)، (d)، (e) من المادة (20) من شروط النقل والتخزين لسنة 1939. كذلك المادة (106) من نفس الشروط]. هذا ويتم نقل البضائع غير الواردة في التعرفه بأعلى قيمة أوردتها الشروط المذكورة. ويشترط أن يقوم الناقل بتصنيف (classify) تلك البضائع خلال مدة معقولة إذا طلب منه ذلك. كما أنه إذا تم نقل بضائع ذات تعرفه مختلفة في حاوية واحدة، أو رزمة واحدة، فلأغراض حساب قيمة الأجرة، فإنه يؤخذ بأعلى تعرفه تضمنتها تلك البضائع. [البندان (1)، (2) من المادة (110) من تلك الشروط].
كما عالجت شروط النقل والتخزين المشار إليها مسألة استرجاع أجرة النقل وذلك في حالات الزيادة. حيث أشارت في مادتها رقم (37) إلى أن الناقل لا يكون ملزماً بإرجاع أجرة أي شحنة أو أجرة أي خدمات، إلا إذا قدمت مطالبة مكتوبة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ انتهاء النقل أو انتهاء الخدمة المقدمة من قبل الناقل. تجدر الإشارة إلى أنه في في حالة نقل الركاب فقد أوجب القانون أن يقدم الطلب الكتابي خلال ثلاثين يوماً من انتهاء مدة صلاحية التذكرة. إلا أن النص باللغة الإنجليزية قد استخدم عبارة “انتهاء مدة وجود التذكرة” فلم يكن النص دقيقاً في نظرنا فبدلاً عن كلمة “available” كان من الأوفق أن يورد كلمة “valid”. حيث يقرأ النص المعيب على النحو التالي:
(…in the case of passenger fares within thirty days of the termination of the period during which the ticket is available . (
تلك إضاءة حول مقدار أجرة النقل في ميزان القانون.
ونواصل..
(نشر في صحيفة الجريدة # الإثنين 27 سبتمبر 2021م)
د. عارف تكنة

A.takana@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً