إن ما تصاعد من احداث خلال أزمة الصراع التي أعقبت المحاولة الانقلابية الفاشلة بين مكوني سلطة الفترة الانتقالية بما صاحبها من احتداد ومواجهة صاخبة قد كشفت عن تجاوزت تخطت كل حدود الخلاف السياسي وإن تكن في حكم التوقع خاصة وأن محاولة المكون العسكري كما برهنت المواجهات الأخيرة بقطع الطريق أمام الوصول الى نهاية الفترة الانتقالية واتهام المكون المدني بفشل سياسات الحكومة الانتقالية والتنصل من كل التزامات ما عرف بالوثيقة الدستورية التي تشكلت بموجبها سلطة الحكومة الحالية بكل مكوناتها المدنية (مجلس الوزراء) والمجلس العسكري المدني (مجلس السيادة) وخلفياتها السياسية الحزبية من قوى الحرية والتغيير .
كنا قد ذكرنا في مقالنا السابق أن جوهر المشكلة يمكن في طبيعة الشراكة وكيف أن المكون العسكري يهون من شأن المكون المدني بكافة اطيافه الحزبية والسياسية والمهنية ولا ينظر إليهم الا كمدنيين (ملكية) لا حيلة لهم. ومفهوماً أن المكون العسكري (العسكر) في السلطة الانتقالية يظل -برأي الكثيرين- يمثل واجهة اللجنة الأمنية للمخلوع ويحمل معه آخر ما انتهت اليه سلطة النظام المباد من استبداد واستمساك بمفاصل السلطة وحالة لا تخلو من المغالطة والانكار مدفوعاً بغريزة اقصائية وتشبث بالحكم تسلطاً لا سلطة الحكم، أي بمعنى هو أن يكون هو الدولة والدولة هو. فالمحسوس والظاهر من مسلك لا من تصريحات طرف الشراكة الممسك بالقوة هو تجاوز المكون المدني الى سلطة منفردة بكل ما تعنيه من اوصاف أطلت برأسها من حكومة عريضة وممثلة لكل السودان وما إليها من تعبيرات فضفاضة تقول شيئاً وتخطط لآخر.
فإذا كانت احداث أمس الأول وما شاهده العالم عبر شاشات القنوات من تصدي غير مسبوق لمحاولات المكون العسكري للانفراد بالسلطة فجر من جديد تصميم قوى الثورة العنيد في مواجهة أي ردة تدفع بها محاولات الجر الى دائرة الانقلابات والعودة إلى ديكتاتورية عسكرية مستبدة وإن في وسعها (القوة المدنية) كما ابدى قادة الحرية والتغيير التصدي لثورتهم تجاه القوة الغاشمة لمن يسعون الآن العودة الى الوراء. وواقعياً وبمنطق القوة وحده يستطيع العسكر ليس سحب الحراسات وتحوين قيادات المكون المدني بل بإمكانهم استخدام قوتهم في تقويض النظام القائم وفض الشراكة على طريقة سيناريو فض الاعتصام وغيرها من مواجهات دموية تجاه الثورة. ولكن هذا الاستعداد في المواجهة من المكون المدني سيقضي عليها بشرعية الثورة المستمرة.
والصحيح أيضا أن المواجهة تأتي هذه المرة من قوتين ضاربتين والمؤسف أن تكون قوة قوات شرعية موجه إلى الداخل، ولكن بهذه القوة المجردة التي لا تستطيع استخدامها في وجود موانع ليس أقلها قوة وإرادة الثوار في المضي بثورتهم الى تحقيق كل ما سقط من اجله شهداؤها. وهو ما شكل صدمة وعلامة فارق في تاريخ المواجهات المدنية لكل الحكومات الشمولية طوال تاريخها المديد وإذا كانت لهجة المكون العسكري على لسان الفريق البرهان ونائبه حميدتي حملت من التهديد والوعيد أكثر من الحل فهي تعبير صارخ عن نوايا مضمرة وإن تناقضت فيها الأقوال فمن الصعوبة بمكان أحياناً فهم لغة تستمد قوة بيانها من الترهيب لا العقل ومنطق الحوار.
والمعلوم بالضرورة أن الجيش السوداني بتاريخه الوطني وانحيازه الى الشعب كما درج القول مؤسسة قومية ويفترض أن تكون كذلك وبعد سنوات طغيان الإسلام السياسي لثلاثين سنة أصبحت الحاجة الى هيكلته – كما يقول البرهان- واجبة ليست فقط لتنظيفه من فلول الكيزان ولكن أيضا ليقوم بدوره كما الشأن في كل الدول الطبيعية. والقول بأن الجيش بعيد عن السياسية فيه مغالطة وتعامي عن حقائق ما يجري من احداث يحاول المكون العسكري فرض وصايته على شراكة الحكم وهو ما يشكو منه المكون المدني، فقد ضاق ذرعاً بهذه الشراكة كما جاء في التصريحات المشوبة بالتشنج تصاعدت معها حدة التصعيد ووتيرته. ولكن السؤال المشروع: إذا لم تكن شراكة المكون العسكري سياسية فماذا تعني؟
ويمكن أن يحلل هذا التصعيد المتعمد الى عوامل بادية للعيان، ففي طوال هذا الشهر وقبله والخلاف آخذا في التطور وكيف أن التراخي عن معالجة ملفات ذات طبيعة امنية مثلت تهديداً للأمن القومي، وفوضى على مستوى تحدي السلطة المركزية كما يحدث في الشرق من احداث لم يشهدها تاريخ السودان السياسي في تجاوزها لسقف المطالب قامت بها أقاليم أخرى أقل من ذلك كثيرا، فكان مصيرها الإبادة لسكانيها. وثم يأتي الهجوم على لجنة تفكيك نظام ال30 من يونيو واسترداد الأموال العامة وهو هجوم معلومة دوافعه ومن يقف ورائه ومن تضرر منه، وما اكتسبته هذه اللجنة من شعبية في أواسط المواطنين ورمزيتها الثورية حرك ضدها كل الحالمين بالعودة الى سلطة الاستبداد.
ليست هنالك حالة ثورية الى ما لا نهاية، وما قامت ثورة ديسمبر المجيدة الا نشدانا لاستقرار سياسي ديمقراطي تعززه الممارسة السياسية تحت مظلة الدستور وبسط سلطة القانون والأجهزة التشريعية وتحميه قوة جيش وطني وفق مهامه الدفاعية لا السعي الدائم للقيام بانقلابات تقوض السلطة المدنية المنتخبة عادة ويتحول بالتالي الى طغمة Junta عسكرية تجمع بين السلطة والوصاية على خيارات المواطنين. وتبقى الشراكة الحالية على ما تعانيه من خلل خيار امر واقع وضرورة تمليها ضرورات واقع من بينها الحفاظ ما تبقى من وطن أصبح على وصف الراحل منصور خالد تتكاثر عليه الزعازع وتناقض الأوتاد. فإذا كانت الحرب على ما ينسب الى السياسي رجل الدولة الفرنسي جورج كليمنصو أكبر من أن تترك للجنرالات فإن الثورة أدعى بألا تترك للمغامرين من كل الأطراف.
نشر بصحيفة_ الديمقراطي# عدد اليوم 28/09/2021م
anassira@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم