1/2
الفضاء في أي عمل روائي هو تلك المساحة التي يتحرك فيها النص أفقياً ورأسياً، عرضاَ وطولاً من سيرورة الحكي أو السرد إلى انتاج المعنى، وكما يقترن الزمان بالمكان في الفضاء الكوني الفسيح كذلك يقترنان في الواقع الافتراضي الذي يصنعه الراوي. رواية “سماهاني” التي تدور أحداثها في جزيرة (أنغوجا) زنجبار وشواطئ تنزانيا، تتمدد الأحداث فيها من النصف الثاني للقرن السادس عشر إلى منتصف القرن العشرين.
هناك الكثير من الأعمال الأدبية التي تستلهم التاريخ ولكن ولأن التاريخ رهن لأحداث الماضي ولا يجوز اخلاقياً تزويرها أو تزيفها والرواية عمل فني أدبي يستند على الخيال فقد نحت الفيلسوف وعالم التاريخ البريطاني روبن جورج كولنغوود -Robin George Collingwood المولود عام 1889 والمتوفى عام 1943. وليس الناقد العراقي عبد الله إبراهيم كما روج البعض، مصطلح (المخيلة التاريخية) كبديل لمصطلح الرواية التاريخية وذلك حتى ينأى بالعمل الروائي الذي ينهل من التاريخ أن يؤخذ به كوثيقة تاريخية.
عبد العزيز بركة ساكن لم يكتفي باستلهام التاريخ بل ليضعنا في قلب الحدث أقتبس فقرات من مذكرات لشخصيتين حقيقيتين كان لهما ارتباط بتاريخ زنجبار أولهما البرنسيسة “أميلي روث” أو الأميرة سالمة بنت سعيد بن سلطان التي كتبت مذكراتها بعد هروبها مع تاجر ألماني وعاشت حياتها بين لندن وبرلين وهناك كتبت مذكراتها على جزئين، مذكرات أميرة عربية – كما أقبس كذلك من كتاب “مذكرات مغامر عماني في أدغال أفريقيا” عن حياة “محمد بن جمعة المرجبي” المولود في 180 والمتوفى بالملاريا في 1905 ، تاجر الرقيق الذي عرفه الأفارقة بتيبو تيب أو “الضبع الأرقط”. على الرغم من تلك الخلفية التاريخية يخطئ من يظن أن “سماهاني” رواية تاريخية، وحتى لا يختلط الأمر على القارئ نبهنا بركة ساكن بأن روايته لا تعني بالتاريخ إنما بالإنسان.
لا شك أن أول سؤال سيطرأ على ذهن القارئ لماذا “زنجبار” .. ولماذا “سماهاني” هل كان الاختيار محض صدفة لبركة ساكن وهو المهموم بالشأن السوداني المنحاز للبسطاء والمهمشين وصوت من لا صوت لهم؟ أم أنه صار أممياً في دفاعه عن المسحوقين والمستضعفين في كل مكان؟ وهل من الصدفة ايضاً أن يكون العنوان “سماهاني” بلغة غير العربية التي أعتاد بركة ساكن أن يكتب ويعبر بها عن مكنون عقله؟ كل تلك الأسئلة وأكثر لا شك ستحاصر القارئ الحصيف وهو يطالع أطول رواية خطها بركة ساكن “تتجاوز صفحاتها الثلاثمائة وثلاثين صفحة”.
ذهب كثير من النقاد في تناولهم للرواية بأنها تعني بالشأن الأفريقي وترصد معاناة الأفارقة نتاج ممارسة تجارة الرق، ولقد غاب السودان عن مخيلتهم بعد عزلهم الرواية في فضاءها الأفريقي الخاص والسودان في فضاءه العروبي العام، لكن وحتى لا نذهب بعيداً تأكد بأن بركة ساكن كان يستصحب معه الحالة السودانية في كل سطر وكل كلمة خطاها في روايته التي تدور احداثها في زنجبار (أنغوجا). وهو في هذه الرواية يشحذ ذاكرتنا .. ويطرق عليها بشدة لأننا فعلا نسينا أو بالأحرى تناسينا أس المشكلة السودانية التي تتمثل في الهوية .. الجانب العروبي فينا تغلب على الجانب الأفريقاني تنكرنا لزنوجيتنا للوننا الأسود الذي لرفضنا له صار لدينا “أخدر”، قبولنا كمثقفين مستنيرين للآخر لا يتم إلا من خلال الذات العربية .أي المركز “الأنا” و (الأنا) بدءاً ومنتهى مبدأ للسيطرة .. و(الآخر) الأفريقاني مجرد موضوع لها، موضوع للسيطرة ومن ثمة لأثبات الذات. فرضنا واقع موضوعي وتعايشنا معه وبحثنا عن كل الحلول من خلال تلك الذات العروبية واعتبرنا كل ما دونها (آخر) وكل الحلول تكمن في الانصهار في بوتقة (الأنا)، ربما لهذه الأسباب فنحن في محلك سر وفشلنا في حل مشكلة الهوية. ويا خوفي من نهاية شبيهة بثورة الزنج في جزيرة “انغوجا” 12يناير 1964 والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من العرب والآسيويين . . وفي ذلك يتضح لنا أن بركة ساكن وهو ينقب في ماضي زنجبار لم يكن سوى باحث عن الحاضر والمستقبل السوداني. اختيار زنجبار لم يكن وليد الصدفة بل هو اختيار زكي وحصيف من المؤلف، فالتشابه في الظرف الموضوعي بين زنجبار والسودان يكاد يكون مطابق وقع الحافر بالحافر بدءً من الهجرات العربية قبل الإسلام والهجرات العربية بعد الإسلام بغرض الاستيطان وبناء السلطنات والمشايخ على النمط العربي واسترقاق السكان الأصليين (الزنج) وتجارة الرقيق وهو مربط الفرس في رواية “سماهاني” .
الفضاء الزماني للرواية اختزله بركة ساكن في مسيرة حياة السلطان سليمان بن سليم الذي باركه الرب بعد أن اكتشف مؤخراً أن نسبه يعود للنبي سليمان الحكيم وكما كان النبي سليمان صاحب ملك عظيم ويعلم منطق الطير والحيوانات والحشرات وله جن وعفاريت مسخرين لخدمته وطاعته كذلك كان السلطان سليمان بن سليم يملك كل شيء في البر والبحر الأرض والناس والأشجار والحيوانات وحتى رقعة السماء المطلة على الجزيرة ملكة كما يدعي ” أنا السّيد الأبدي والنهائي والدائم والمسيطر والمالك” وله سحرة مسخرين، وقد أمتد عمره بفضل أحدهم “الساحر ماروت” إلى خمس أضعاف بحيث لا يعرف أحد عمره بعد توقف العد في 54 عاما وشهرين وأسبوع واحد وثلاثة أيام وخمس ساعات فقط وهو عمر يمتد من 1652 إلى تاريخ وفاته أو تلاشيه المبهم في 12/01/1964 وهي رمزية تحمل معانى شتى والاقرب هو تشابه الطغاة في كل الأزمان – كانت حصيلة تلك السنوات من عمر السلطان الطاغية كما بين لنا بركة ساكن قتل 883 إفريقياً وأباد كل الحيوانات الضخمة، باع وسبى 2.779.670 من النساء والأطفال والرجال نكح 300 سبية وحطم 805 قرية أفريقية وسبى 90 بالمائة من مجمل سكان أنغوجا. أن أنجب طفلة واحدة هي وبنته الأميرة لطيفة التي باركها الرب “مؤخرا”.
الرواية كتبت بلغة سينمائية حيث تتعدد المشاهد وتتالى من حدث لينقلك لحدث في تناول سريالي لا يخلو من السخرية من خلال ستة شخوص رئيسية السلطان سليم الذي باركه الرب “مؤخرا” وابنته الأميرة لطيفة والأسيرين مطيع وابنه سندس، والمغنية أوهورو وأخيراً “ابن الكلبة” الذي ماتت أمه تحت وطأ السلطان لها، السلطان سليمان بن سعيد المتسلط يري أنه ليس من العدل أن يتبرز الملوك والسلاطين كما يتبرز الأسرى والغوغاء من البشر، وابنته الأميرة لطيفة تعلقت بخادمها المخصي “سندس” وقالت إذا خيرت بين أن تحتفظ بسندس أو زوجها فإنها تختار “سندس” دون تردد، والأسيرين “دينيبا” وابنه “نانو” اللذان تم خصيهما ببتر أعضائهم الجنسية في حفلة وحشية تحولا إلى “مطيع” و”سندس” بعد أن صارا ناقصي روح وجسد الأول “مطيع” في خدمة السلطان يحمل له عدة الخراء وينظف له أسته بما الورد والصندل ويساعده في قضاء وطره مع نساءه. والثاني تابع للأميرة التي باركها الرب مؤخراً وهو كذلك يحممها ويدلك جسدها وينظف لها مهبلها. وقال أذا خيرت بين أن أكون حراً وبين أن أكون مملوكاً للأميرة لاخترت الأخيرة.
“سماهاني” كلمة باللغة السواحلية تقابلها في العربية كلمة سامحني تقولها الأميرة لطيفة باسم ابيها لغلامها المخصي “سندس”، تعتذر له عما فعله والدها به وبشعبه ويقولها “سندس” للأميرة عندما وجدها مقتولة لأنه فرط فيها ولم يحمها باعتبارها كانت تمثل حريته. وكان قد قالها قبله “ابن الكلبة” بعد أن قتله للأميرة لأنه انتقم الشخص غير المناسب.
من خلال ذلك الصراع الدرامي بين المالك والمملوك وأغنيات “أوهورو” المغنية السوداء التي تمثل ذاكرة الأمة من خلال أداءها للأغنيات التي تذكر بهجوم النخاسة على القرى واغتصاب وسبي الفتيات، وهي على العكس من الأسيرين “مطيع” و”سندس” على الرغم من اشتراكهم في الأفريقيانية إلا أن لك منهم عالمه حيث تمثل “أوهورو” روح التمرد عكس “مطيع” و”سندس” اللذان تم تدجينهما، خاصة “مطيع” الذي استسلم للعبودية بعد ربطت عبوديته بأقوال وأحاديث مقدسة وتمت محاصرته أخلاقياً وقيمياً ودينياً في الدنيا وبعد الموت إما يكون عبداً طائع خانع فيدخل الجنة أو متمرد عاصي مصيره جهنم وبئس المصير.
2/2
في رواية “سماهاني” يأخذنا بركة ساكن في رحلة سينمائية بكل ما فيها حب وكره وهزيمة، انتصار وتهكم ونقد لاذع وكوميديا مظلمة، والخوض في تابوهات محرم الخوض فيها، لكن قبل الدخول في عالم الرواية بكل ما فيه من جمال وإبهار ولفهم أحداثه وعلاقته بالتاريخ وحتى نصل للإجابة على السؤال لماذا “زنجبار”؟ لابد من تسليط الضوء على ثلاث مراحل تاريخية هامة مرت بها جزر “زنجبار” والتي تعرف في اللغة السواحلية بـ “أنغوجا” وذلك لما لتلك المحطات من ارتباط مباشر بأحداث الرواية.
المحطة الأولى في 1652 دخول العمانيين وسيطرتهم على أنغوجا أكبر جزر (زنجبار) على يد السلطان سلطان بين سيف اليعربي وتحويل أنغوجا كعاصمة لسلطنة عمان على يد ابنه السلطان سعيد ين سلطان، وتصبح الدولة العُمانية في عهد سعيد بن سلطان دولة ملاحية كبيرة يمتد نفوذها من سواحل عُمان إلى جزيرة زنجبار على الساحل الشرقي لأفريقيا، أحب السلطان المكان ومناخه مُقارَنةً بهجير عُمان، صارت الجزيرة مقرّه الرسمي وعاصمة لمملكته يحكم منها عُمان وساحل أفريقيا، وأصبحت زنجبار عاصمة سلطنة عُمان، وهاجر العمانيون إليها ملتحقين بسلطانهم هكذا يقول التاريخ أما ما قاله الراوي بركة ساكن يصف ذلك التاريخ :
((كانت السفن العمانية العملاقة تحمل جنوداً فقراء وتجاراً مغامرين وبعض البحارة ليس من المحتمل أن يركبوا البحر مرة أخرى، الجميع كانوا يعلمون أنهم في في رحلة ذات اتجاه واحد دون عودة، وهذا ما قاله لهم قائدهم العسكري: قد يعود أبناؤكم الخلاسيون في ذات يوم إلى عمان، إذا استطعتم أن تحاربوا العدو بشدة، وتسيطروا على الجنة التي أعدكم بنعيمها وحورياتها السوداوات، أو الجحيم الذي تحرقون فيه إذا تقاعستم)).
وكان يقصد بالعدو السكان الزنوج والبرتغاليين الذين لم يصمدوا أمام النيران العمانية فهربوا في العمق الافريقي.
المحطة الثانية في 27 أغسطس 1896 الساعة التاسعة صباحاً جرت حرب بين إنجلترا وزنجبار وهي تعد أقصر حرب في التاريخ، انتهت بعد 45 دقيقة فقط بعد قصف البوارج البريطانية قصر بيت الحكمة مقر السلطان وذلك بعد وفاة السلطان “حمد بن ثويني” واستيلاء ابن عمه ونسيبه “خالد بن برغش” على الحكم وأعلن نفسه الحاكم الجديد. وكان ذلك مخالفاً لرغبات البريطانيين الذين فضلوا “حمود بن محمد” ولي العهد الذي كان قد تلقى تعليمه في بريطانيا. هكذا تقول كتب التاريخ أما في المخيلة التاريخية لبركة ساكن فهو اليوم الذي تم فيه اخصاء السلطان بعد أن ساقه الحراس إلى قبو القصر هروباً من قصف البوارج البريطانية، ذلك القبو الذي كان قد حوله السلطان، الذي باركه الرب مؤخراً، لسجن لتعذيب الإرقاء المارقين وقتلهم ببطء . كان السلطان يعاقب عبيده العاقين بطريقة أبشع من الموت، لأنه يرى أن الموت السريع رحمة بالمقتولين، ففكر في التعذيب المؤقت وحرمانهم من الأكل والشراب وضوء الشمس مع الضرب بالسياط والتبول على جراحهم حتى يتعفنوا ويصيروا جثثاً حية ثم يموتون ثم يرمون للكلال الضالة والنسور وقرر أن يحدث ذلك خلال أسبوعين إذا لم يمت السجين خلالها فعلى الحراس قتله، وهو يضمن أيضاً دخولهم الجحيم بعد موتهم فهي مآل العبيد الآبقين الخارجين عن طاعة سادتهم.
لم يفاجئه هجوم الانجليز بقدر ما فاجأه اكتظاظ القبو بعشرات الأفارقة المحكوم عليهم بالسجن والموت البطيء، ووجودهم جميعاً أحياء وفي صحة جيدة.
ولقد انتقم منه أولئك السجناء من السلطان بأن دقو أعضاءه التناسلية حتى تساوت بالأرض وأنقذه الانجليز بأن استأصلوا مذاكيره المهشمة جميعها بعملية جراحية ووضعوا له ماسورة صغيرة من الذهب في فتحة التبول حتى لا يسدها التهاب الجرح.
لقد تغير فكر السلطان الذي يبدو أنه فقد مباركة الرب له بعد خصيه وفقد أعضاءه التناسلية فأخذ يردد للمقربين منه ((لقد كنا خصماً للدين الإسلامي، وعلينا تحمل المسئولية أمام الله يوم القيامة، نشرنا الإسلام ما أمكن، لكننا ظللنا أكثر الكافرين بتعاليمه في سلوكنا اليومي، لم نسامح ولم نغفر ولم نعدل ولم نرحم، لقد غرتنا الحياة الدنيا، إلى أن أصبحنا في ما نحن فيه الآن، وكما استيقظ أهل الأندلس على طرقات سيوف الفرنجة، استيقظنا نحن على دوي المكسيم، لقد سقطنا في اختبار الرّب لنا.))
المحطة الثالثة ثورة زنجبار “1964” التي أطاحت بالسلطان جشكيد بن عبد الله وحكومته المكونة بشكل أساسي من العرب والتي تم فيها تصفية آلاف الزنجباريين من ذوي الأصول العربية وربطتها الرواية بموت أو تلاشي السلطان سليمان بن سليم .
على الرغم من ذلك الفضاء التاريخي المرسوم بدقة والذي يحوي الأحداث الجسام التي مرت بها الجزيرة إلا أن الرواية ليس تاريخية بل إنسانية من المقام الأول وقد نبهنا بركة ساكن في مقدمة الرواية بأن سماهاني لا تعني بالتاريخ إنما بالإنسان.
لاشك أن مرحلة العبودية تعد الأسوأ والأشدَّ قتامة في تاريخ البشرية، قننت لها القوانين وشرعت لها الشرائع الدينية. في الماضي كان الاستعباد يتم نتيجة الأسر في الحروب أما مؤخراً وما عانت منه أفريقيا تحديداً أن أصبح الاستعباد يتأتى نتيجة صيد البشر، بعد أن تحولت تجارة رائجة، حاربها الغرب بعد ان شيد حضارته على اكتافها، للأسف العبودية تحول الإنسان إلى كائن مستضعف بحيث ينسى انه كان يوما ما إنسان، يقول الخادم “مطيع” وهو يوصي ابنه “سندس” بعد أسرهما وخصيهما واسلمتهما القهرية “يا بني إنك لم تعد حراً أنت الآن أسير، يعني أنك مملوك . ولم تعد تنتمي إلي بل إلى السيد الكبير، وهو الذي يمتلك كل شيء إنه مثل الرب عليك أن تطيعه وتخدمه”
وللدين دور كبير في إعادة صياغة المفاهيم في الرواية حيث ينتقد بركة ساكن السكون والخضوع للاستبداد الذي يتدثر بالدين والسلطة لذا فهو يحرض شخوصه على التمرد ((إن الذين يفضلون البقاء حيث الرب وتحت رعايته هؤلاء هم اليائسون الذين لا يرجون خيرا من الحياة الخائفون من الشر)). إلا أنه ينفتح على أبواب ملكوت الله لكونها تسع كل شيء ويلخص لنا فلسفته على لسان الهندية العجوز التي كانت ترعى الأميرة لطيفة ((الرب الذي تعرفينه هو الرب الذي نعرفه هندوساً ومسلمين وطاويين وسيخاً ومسيحين ويهوداً ووثنيين .. لكننا نصلي له بطرق مختلفة. وهو يقبلنا جميعاً ويباركنا أيضاً ويحبنا كما نحن او كما نحس بذلك أو أو نرغب فيه، وإذا شئت الحق فنحن خارج ما هو يومي عنده، لأن الصانع عندما يصنع المحراث يجعله يعمل وفقاً لشروط وإمكانيات محددة سلفاً من قبله/ فالرب هو الصانع ونحن المحاريث.))
نجح بركة ساكن في توصيل الرسالة بمنتهى الوضوح، فطقوس القهر والقمع متشابهة في كل العصور، لم يكن وهو ينقب في ماضي زنجبار إلا باحثاً عن الحاضر والمستقبل السوداني فالاسترقاق والإخصاء الذي جريا في الماضي السوداني سيظلان حملاً ثقيلاً على كواهلنا حاضراً ومستقبلاً لو لم نقر بأخطاء الماضي ونفعِل سياسات وقوانين جبر الضرر، لم نوفق في معالجة تداعياته لأننا ما زلنا متأثرين بآثاره الثقافية والنستالوجية، حتى الآن مازالت مشكلة الهوية قائمة والمركز يواصل استعلاءه وتمسكه بفرض ثقافته العروبية وتشريعاته الدينية الإسلاموية لذلك ستظل الحروب مستعرة والتشظي والتشتت والانقسام مصيرنا ولا جدوى من التنظير عن التلاقح الثقافي أو الانصهار الثقافي أو التعايش السلمى في ظل سياسة الاقصاء والتطرف والتمسك بأهداب الدولة الثّيوقراطيّة وفرض سياسة الامر الواقع من خلال الاستبداد والتفسيد والفساد.
على الرغم من أن الرواية كما ذكرنا تعني بالشأن السوداني في المقام الأول إلا أن الخواتيم اختلفت بين زنجبار والسودان حيث هناك انتصر التيار الأفريقاني للمواطنين الأصليين “الزنج” على التيار الغازي العروبي (ثورة الزنج 1964) . والسودان ظل الفشل حليفه في حل مشكلة الهوية كما فشل في عملية التعايش السلمي بين التيار العروبي الذي يمثله المركز والتيار الأفريقي الذي يمثله الهامش وهو السبب الرئيس في حرب الهويات التي تدور رحاها في الغرب والإنقسنا وجبال النوبة والتي بسببها أنفصل الجنوب.
عاطف عبدالله
atifgassim@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم