مراجعات (أ) (4). الطيب صالح ووجه آخر: بين المرتبكين فكريا ورواد نوادي “الصلات الطيبة” لبريطانيا في السودان (ومع السودان)
وقفنا في الحلقة السابقة رقم (3) وسبقها جزء احتوى الحلقتين (1) و (2) إلى تسمية الواقعية السحرية ومأخذي على اكتفاء الطيب صالح بتسجيل “اعتراض خفيف” على التسمية وأنها مجرد ألاعيب غربية في الأدب لا تتعداه إلى السياسة والتاريخ (كما ارتأيت)؛ تحدثت أيضا عن موقف الطيب صالح من أثر التراث في الرواية بما يشمل علاقة ذلك بتلك, كما إسهامات دراسية سودانية من العمق في الموضوع. أخيرا تطرقت إلى بعض المدارس النقدية الأجنبية مثل الرصينية والظواهرية, والإصطلاحات مثل “أفق التوقعات” عند القارئ, “نظرية التلقي” و”النص متعدد الأصوات”. سجلت ضمنما ذكرت جملة نقدية اعتراضية على نزعة الموجة النقدية منذ مطلع “أفق التوقعات” بوضع القارئ كركيزة للعملية الإبداعية النقدية, وليس تفكيك النص. وأخيرا وليس آخرا أثرت المدخلين الرئيسيين للأدب: أدب جمالي غير مسيس, أو تمثل السياسة بالنسبة له شهرا عابرا لا لنفقة للفن فيه؛ وبين الفن كخميرة وعي socially-conscious Literature
قبل أن نبدأ حلقة اليوم لي ملاحظتان حول حلقة الأمس:
أولا, أسقطتُ سهوا فقرة وجب أن تكون ختام ذلك الجزء. وهذا نصها بهامشه:
هذا في شأن الدالة الكبرى من علاقة المزج بينن الواقع والخيال أي في المكونات. هناك دالة صغرى هي “بصمة الواقع في الصياغة الفنية” أو “الفن المتعمد” (8) وسنعرض لذلك أيضا
ثانيا, نسيت كذلك نسبة الإقتباس بين الأقواس إلى صاحبته حي قلت في معرض ردي على الزميل محمد بابكر بمنتدى الراكوبة:
فهناك من الأكاديميين السوادانين (وأشاطره الرأي) من سيشير بقلب إقتراحك رأسا على عقب, فيقول ببيان وإيجاز البلاغة بإن التراث, إقتباس .. “ليس إمتدادا لبقايا ثقافة الماضي ,بل هو تكملة لثقافة الحاضر والواقع”
الإقتباس كان لـ د. آسيا وداعة الله, كم سبق تفصيله بالهامش رقم 3 من الحلقة السابقة رقم (3).
الطيب صالح ووجه آخر (4) “إرتبااك في التفكير”: معارك مؤجلة
لعلي لا أبالغ إن قلت بإن التسليم بأدبيات الإستعمار والترويج لدسائسه الإصطلاحية يمثل في نظري جزءً من مركب تهتك وفشل أجيال من الإنتلجنتسيا
تلك الجزئية من أصل ما كتبته تستدعي اليوم تعديلا, إنصافا للطيب صالح وإحقاقا للحق. فأقول:
والمثقف إن لم يقع في كبيرة التسليم بأدبيات الإستعمار والترويج لدسائسه الإصطلاحية, فهو على الأقل يقع في أخرى وإن بدت أهون, فليست أقل ضررا. فهو وإن لم يسلم بهن (أحابيل الإستعمار) لكنه يكتفي, كما نقلت لكم في تعليق الطيب صالح على الحدث بذكر تلكم الدسائس كسقط متاع من قضية الوعي .. ففعلُه مجرد رد فعل .. ملاحظة جانبية يسجلها المثقف كـ”نقطة فنية” دليلا على علمه ببواطن الأمور. لكن ربما تكون تلك هي المشكلة. إساءة تقدير الأشد وطئا والأكثر وبالا على أنه “معلوم جنابك” وتحت السيطرة, وليس التصدي له كقضية أساسية (مهمة شاقة وعسيرة).
ما أعنيه هنا هو مشكلة حقيقية في تعيين أولويات الأمور في عقل المثقف, بما فيهم مططفى سعيد.. تشويش ذهني, أو “إرتباك في التفكير”. هذه ليست مرتبطة بالذكاء ولا الإستعداد الفطري, بل هو التطبع النفسي أو ترويض العقل باستيعاب أعمق للمشكلة:
a novice (not just completely new, but rather improvised) form of mental conditioning.
وذلك التقصير في أن يؤتى الحذر (بكسر الذال) من مأمنه, هو لعــَمْـري الإخفاق الوطني الذي لا مغفرة له. ويمثل, كما ذكرنا في أصل الحديث “جزءً أساسيا من مركب تهتك وفشل أجيال من الإنتلجنتسيا”. كل ذلك بكلمات أقل, عكس الاولويات بين الأساسي والتكميلي في المقرر الوطني. المرتبك فكريا, ظاهرة سوسيونفسية جديرة بالإعتبار: إنه يمكن أن يعمل ضد الإستعمار ومعه في وقت واحد دون حتى أن يعي التناقض! ويمكن أيضا أن يكون متمكنا مثلا من اللغة الإنجليزية قراءة وكتابة وتحدثا, لكنه مع ذلك “يوقع” باسم بلده على إتفاقيات سلام تحمل ثغرات هائلة, وعلى عقود تجارية غير متكافئة أو بها مداخل للتهرب من الإلتزامات على الطرف النظير لدولته الموقعة على ما يُتفق عليه. لماذا؟ لأنه يحسن الظن بنظيره البريطاني أو الأمريكي مثلا. وإن قرأ عقدا فيه صيغة مطاطة أو بها “لو” قد تفتح عمل الشيطان, فهو يمكن أن يتغاضى عن ذلك لأنه نفسيا مجبول على أن يكون ولدا مهذبا تجاه الإنجليز لا “يقرأ بتمعن”. وإن قرأ بتمعن فلن يستطيع أن يرتّب أفكاره ليخلص بتسلسل ومرحلية من الملاحظات الأولية إلى “منطقة الخطر” في الإستنتاجات النهائية. إن المرتبك فكريا تتحيّدُ لديه غريزة تقدير الموقف الدقيق فيفشل في أن يكون ندا للخواجة بما يضمن مصلحة بلده أو قضيته العادلة. ليست المشكلة من نقص في الشهادات أو التأهيل العلمي. بل المشكلة أنه غير مهيأ “ذهنيا” ليفصل بين دوره على مائدة المفاوضات ودوره كرجل “قاعد مع خواجات”. كما يمكن لأنثى بيضاء أو سوداء أن تدخل على الخط في ذات موقف المفاوضات وهي جالسة أمامه في مقام الند (افتراضا) فتنقله من مرحلة التشويش إلى مرحلة “التوهان” في قدس الأقداس بين فخذيها. إن المشوشين والمرتبكين فكريا ليسوا من قلة, وليسوا بالعاديين: فقد شملت القائمة محمد أحمد محجوب الذي كما طالعت في إحدى جلستين للبحث بمكتبة جامعة دِرَم وصفه ولـْيَم لوس مستشار السكرتير الإداري بأنه مشوش فكريا
Woolly-minded
وبأنه كان أهوج “ينفخ” كثيرا (من إطلاعي على أوراق وليام لوس, مكتبة جامعة دِرَم في صقيع إنجلترا) .. وشملت القائمة أيضا “أبو الزهور” الذي وصف الحاكم العام نسق تفكيره حين أراد الإيحاء إلى أزهري برغبة بريطانيا في أن يفعل ما يطلب منه بصدد الإستقلال, ” إن حديث أزهري كشف له عن درجة من الارتباك في التفكير، لذلك رأى أنه من الضروري أن يرسخ في ذهن الأزهري بشكل مؤثر حقائق الوضع ” (9)
الخلاصة أن المثقف “المرتبك فكريا” لا يجسد سوى حالة استعمار ثقافي. الإستعمار الثقافي لا يأتي منفردا, فله بالتأكيد توائمه الآخرون. الإستعمار يأتي سياسيا وجغرافيا وفي نواميس العلاقات الدولية وإيكولوجيا (10) ليلوث ويدمر البيئة والمناخ
الإستعمار النفسي كدالة في الإستعمار الثقافي كان نسيا منسيا, أو جنينا في ذاكرة الغيب قبل د. فرانتز فانوه Frantz Fanon في خمسينات القرن العشرين. ذلك الإستعمار الذي, كما فككه فانوه يُظهر وجود الرجل الأبيض كعامل عكسي يتسبب في إخراج الشحنة العدائية من الرجل الأسود تجاه الرجل الأسود – ما تفرق جلابي x جلابي آخر, أو غير ذلك. فالغربة الداخلية التي يتسبب فيها وجود الرجل الأبيض ( وأكثر تعميما من ذلك أي وجود لـ”ذي حمرة” أباها المهدي) – هو أحد العوامل الأساسية الذي تجعل أبناء الوطن الواحد ينكرون آدمية بعضهم البعض. والجزء الآخر من المفارقة أنهم لايبدون في أحسن مظهر ككائنات جديرة بوصف متحضرة إلا حين يوجد الأوربي “كحكم” بينهم يفوضونه بطوعهم واختيارهم! لهذا مبادرات السلام الأصل فيها أن تكون برعاية أوربية. تلك هي الأوضاع المقلوبة التي لن يفلح أي نوع من الحوار المتمدن في اصلاحها.
دون فانوه (11) أيها السادة, دون خوض علمي في ابستمولوجيا الزنوجية ليس هناك مخرج. ينظم لهم جمعية لدراسة تاريخ السودان وعمل أرشيف له في مدينة إنجليزية بعيييييييدة فيتقاطرون إليها .. بعضهم يلقي محاضرة عن الإقتتال الـ قبلي في دارفور .. وبعضهم يحكي طرائف البقارة مع المفتش الإنجليزي .. اليساري كما المحسوب على اليسار يأتي إلى لندن بابتسامة كبيرة وضمير صاف. إنه لايحمل في قلبه غلا على قوم يترصدون لليسار آناء الليل وأطراف النهار كما يترصد الأسد بالطريدة (12). بروف يوسف فضل حسن يدفع إشتراكه الشهري ويلقي ردا على كلمة الإفتتاح (13) بحفاوة ودفئ, يعقبها بلسان يلهج بالثناء والحمد وكأنه يقول على لسان مصطفى سعيد, مع تبديل الجغرافيا, كان عالما أحببته دون تحفظ وأحسست فيه بسعادة كاملة
أبل ألير, فرانسيس دينق ولام أكول مؤلفاتهم للعرض والبيع والنقاش الأكاديمي الحميم. د. خالد المبارك, المثقف الذي ضل طريقه إلى السلطة فأصبح الإبن المدلل لسفارة السودان في لندن من الأعضاء النشطين. الجميع يرقصون على أنغام لن ننسى أياما مضت بأداء الكابلي وهو يتمايل طربا ولايدري أنه يروّج للماسونية كمغفل نافع. اللغة الأوربية كوعاء لغسيل المخ يجعل جهاز المناعة يستقبل الجراثيم الغازية بالأحضان ويأخذ منها الضوء الأخضر لتدمير خلاياه الداخلية بنفسه
Anytime the self-destruct button is pushed at one’s convenience.
يأتي حين لا يجد السودانيون المختلفون أيديولوجيا أي أرضية دنيا مشتركة للتفاوض فيحتاجون, كما أسلفنا إلى شريك غربي ليحكــّم بينهم هذه حالة جمود تحتاج إلى فض اشتباك. ولابد مما ليس منه بد – بأن تكون كل الخيارات مفتوحة. فلا يشفع للخصم كونه مشوشا ذهنيا:
That is his problem; or her problem.
نادي السينيورز: الصلات الطيبة
لا عجب أن في بريطانيا نادي لـ”السينيورز”, وحتى أنفذ إلى الحقيقة دون دبلوماسية أو تزويق, فهذا جزء من مُركـّب “بريطانيا في السودان”: رأيي من خلال تجربة سنوات طويلة في إنجلترا أن الإسم مدخل إلى المسمى. بصرف النظر عن النشاطات الخيرية والموجبة للجمعية ألف وباء وجيم. سواء إسمهم “نادي السينيورز” أم “جمعية مليك”, فهم (وأعني بذلك الذين يلعبون دور النخبة فيهم) في النهاية حلقة من حلقات ترسانة المصالح الإستعمارية لـ”الحاضنة الإمبريالية”. الخلاصة: هناك أنواع من البشر بسحنات سودانية وأفئدة بريطانية, ويعتبرون أنفسهم أولادا وبنات خلقهم الله لإدامة “الصلات الطيبة”. وبعضهم قد يغضب غضبة مضرية إن ورد ذكر بريطانيا بسوء في مجلسه يحضره.
ولربما يقرأ بعضهم هذا المقال في “الطوابق العليا للنادي” فيعلق بابتسامة هازئة
***
مشباك حلقة الأمس رقم (3) هنا:
https://sudanile8247.live-website.com/%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%ac%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a3-3-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%8a%d8%a8-%d8%b5%d8%a7%d9%84%d8%ad-%d9%88%d9%88%d8%ac%d9%87-%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d8%b3/
مشباك الحلقة الأسبق (1 و2) التي نشرت أمس الأول, 7 نوفمبر 2021 هنا:
https://sudanile8247.live-website.com/%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%ac%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a3-1-%d9%882-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%8a%d8%a8-%d8%b5%d8%a7%d9%84%d8%ad-%d9%88%d9%88%d8%ac%d9%87-%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89/
الهوامش
————
(8) الصياغة أوردها زميل منتدى سودانيز أونلاين, الناقد عبد المنعم عبدالله عجب الفيا.
(9) فيصل عبدالرحمن علي طه, إعلان إستقلال السودان من داخل البرلمان فكرة بريطانية خالصة, الجزء 2 (من كتاب لـ د. فيصل نشره بموقع سودانايل)
(10) الإستعمار البيئي أو ecological colonialism وأيضا الإمبريالية البيئية ecological imperialism هو أقل أنواع الإستعمار معرفة به. فإضاف لأنه خارج المقرر العام تماما, فهو شبه منعدم حتى في المقرر النخبوي. تجارب الإنجليز الخبيثة على البيئة: الإنسان, الحيوان, الغطاء النباتي والمائي وحتى الهواء لم يتم الخوض فيها إلا في أوراق تعد على أصابع اليدين. أي في إستثناء فوق القاعدة. وحتى في تلك الحالة لا يذكر الأمر إلا كـ “مشكلة بيئية! أي لا يتعرض التحليل لأن المشكلة البيئية ليست خبط عشواء بل نوعا من أنواع الإستعمار”.
الأمثلة تتعدد. أشجار النيم (جلبها الإنجليز من الهند). صفق النيم خطر على النساء الحوامل ويهرد أمعاء الغنم. بالتوازي مع ذلك, النيم في كردفان مثلا عمل مشكلة لأشجار الهجليج, فهو يسحب الماء منها فـ”يعطش الهجليج”. المسكيت في شرق السودان ككارثة بيئية حقيقية. يمكن أن نتحدث عن معمل تجارب الإنجليز في السودان, على الأسماك والمناخ وإنتاج الأمراض المعدية – بالاحرى خلق بيئة للأمراض المعدية. السؤال موجه لناس الإيكولوجي, منو الشايل الكورس ده؟
(11) من حسن حظي أن أول مرة أقرأ كتاب فانوه المشار إليه, “جلد أسود, أقنعة بيضاء” أوصيت من أحد زملاء الماركسية بأن أقرأ “الخلاصة في الأول”. وذكــّرني أن هذا ليس سوى خريطة للمسافر ذي العقل الهادئ. ممنوع التوهان. ممنوع الرفس.
(12) هناك اشتراكيون فابيون أو متعاطفون مع ما يسمى بالإشتراكية الفابية, بعضهم بحسن نية (مثل شوقي بدري والمرحوم محمد خير البدوي), وبعضهم “فيه ما فيه” مثل الطيب صالح “المدلس الكبير”, وعبدالله الشقليني, المدلس الصغير (مساجلات بيني وبين ذلك الأخ الشقليني على صفحات موقع الراكوبة, نقلها هو إلى موقع سودانيز أون لاين – ناقصا ردي الأخير والذي لم يعقب عليه. ثم قام بمسح الموضوع برمته من الراكوبة. بعد أن تسببت في أن أكون هادم لذات ورسول شؤم لطلائع الفابية في الأسافير 🙂 من مفارقات الفابية أنها أنشأت حزب العمل البريطاني لحمل لواء الإشتراكية (ده الحنك). وما إن تقاطر الشيوعيون لتمثيل القضية, ظهر الوجه الآخر: الحملات المسعورة, إغتيال الشخصية, كما سطوة القانون. الشيوعيون تم حظرهم من أخذ عضوية في حزب العمل البريطاني “فخر الإشتراكية”, ناهيك عن تمثيل نيابي انتخابي فيه منذ قرابة القرن من الزمان.
(13) ما نتحدث عنه هنا هو جمعية دراسة السودان بالمملكة المتحدة SSSUK Society for the Study of Sudan
==
مازن سخاروف
jsmtaz2014@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم