السودان الذي يتّسع للجميع: من الجذور إلى الأفق

ما يزال السودان أسير تلك الجدلية التي رافقته منذ تكوينه الحديث: القبيلة والوطن. وكأنّ التاريخ كتب عليه أن يتنازعه انتماءان، أحدهما دافئ، حميم، محسوس، متجذّر في الذاكرة والتاريخ، والآخر بارد، مجرّد، هشّ، كأنّه وافد متأخر على مسرح العلاقات الاجتماعية. القبيلة ليست مجرّد كيان اجتماعي في السودان؛ إنها منظومة شعورية، نفسية، وجدانية، توفر للفرد ما لم تستطع الدولة يوماً أن تمنحه: الإحساس بالحماية، بالكرامة، بالهوية. ولهذا فإن من يظنّ أن معركة الانعتاق من القبيلة هي مجرد معركة قانون أو خطاب إداري، يخطئ التقدير. إننا أمام معركة وجودية تتعلّق بتبديل مصدر المعنى في حياة الإنسان السوداني: من القبيلة إلى الوطن.

إنّ القبيلة في السودان ليست بحدّ ذاتها مأزقاً، بل تحوّلها إلى غطاء سياسي، واستثمارها في التنافس السلطوي، هو ما جعلها أداة تعويق لا تطور. وقد ظلت القبيلة تعوّض غياب العدالة، وفساد الدولة، وانهيار مؤسسات الحماية العامة. حين يغيب القانون، تصبح القبيلة محكمة، وحين تضعف الدولة، تصبح القبيلة وزارة داخلية، وحين تنهار الدولة، تصبح القبيلة دولة قائمة بذاتها. ولهذا لم يخطئ السوداني حين لجأ إلى قبيلته، بل أخطأت الدولة حين لم تجعله يشعر يوماً أنه محمي ومكرّم فيها كمواطن، لا كأحد أبناء فلان.

لكن السؤال الكبير ليس عن فشل الدولة فحسب، بل عن كيفية بناء انتماء بديل، عاطفي وعقلي، يحلّ محلّ القبيلة دون أن يهدم الأساس النفسي الذي قامت عليه. فالشعوب لا تتخلى عن أدوات شعورها بالانتماء ما لم يُقدّم لها بديل يشعرها بالأمان نفسه، والكرامة ذاتها، والدفء الروحي والاجتماعي الذي كانت تجده. ومن هنا فإن مشروع الوطن لا يجب أن يُطرح كبديل بارد للقبيلة، بل كولادة جديدة لهوية سودانية أرحب، أعمق، وأشمل، تتجاوز التعريفات الضيقة التي قيّدتنا قرناً بعد قرن.

ما نحتاجه في السودان ليس قرارًا جمهورياً ولا حملة دعائية، بل نهضة وجدانية تسائل الذات السودانية عن موقعها من المستقبل، وتفتح أمامها أفق الانتماء إلى وطن لا يلغيك بل يحتويك، لا يشترط عليك النسيان بل يُعطيك حق أن تتذكر دون أن تَتَقوْقَع. لا يجب أن يُطلب من أي سوداني أن يتخلى عن قبيلته، بل أن يعيد موقعها من سلم الولاء: أن تظل جذراً في الأرض، لا سقفًا فوق الرأس. أن تكون خيطاً من نسيج التاريخ، لا عصا يتحصّن بها في معركة الحاضر.

إنّ السودان القابل للحياة هو السودان الذي نُعيد فيه تعريف الفخر: لا باعتباره فخراً بأصلٍ أو نسب، بل فخراً بالانتماء إلى كيان بشري أخلاقي عادل. فخرٌ بأنك تنتمي إلى وطن لا يُهان فيه الضعيف، ولا يُقصى فيه المختلف، ولا تُقاس فيه الكرامة بدرجة القرابة، بل بقيمة الإنسان نفسه. السودان الجديد ليس مشروعاً سياسياً ولا انقلاباً على الماضي، بل هو ثورة شعورية هادئة، تُعيد توزيع الولاء والاعتزاز من القبيلة إلى الإنسان، ومن السلالة إلى الرسالة.

لكي ننجح، لا بد أن نُحمّل الانتماء الوطني معنى أعمق من مجرد بطاقة تعريف. أن نمنحه أبعاداً رمزية وجمالية وعاطفية، أن نصنع فناً يعبّر عنه، أدباً يُمجّده، ومؤسسات تُجسده. على الأطفال أن يتربّوا على حب السودان كما يُربّى أبناء الغرب على حب أوطانهم، لا حباً خائفاً مشروطاً، بل حباً واعياً مطمئناً. وعلى الإعلام أن يُعيد تشكيل الخطاب من خطاب من أين أنت؟ إلى ما الذي تقدّمه للسودان؟. وعلى الدولة أن تُثبت أنها لا تُميز بين قبيلة وقبيلة، ولا جهة وجهة، بل تعامل الناس على أساس واحد: الكفاءة والحقوق.

لا شيء يُخيف الإنسان من الانتماء إلى فكرة مجردة كالانتماء إلى وطن، أكثر من غياب العدالة. فإن كان السودان الجديد سيولد، فلا بد أن يُولد من رحم العدالة. وطنٌ لا يُهمّش فيه أحد، لا يُقابل فيه اسمك الأخير بحكم مسبق، ولا تُحسم فيه مصائر الناس في الغرف المظلمة للعصبيات والمحسوبيات. فقط حين يشعر الإنسان أنه لا يحتاج إلى قبيلته كي يُنصف، ولا إلى جهته كي يُسمع، سيبدأ تلقائياً بالولاء إلى وطنه، وسيبدأ الوطن بالنمو في قلبه، مكان القبيلة.

إن هذا المقال لا يهدف إلى استعداء الإرث الاجتماعي، بل إلى إعادة ضبط الإيقاع الذي يُوزّع الأدوار بين الخاص والعام، بين الأصل والانتماء، بين ما يُكوِّنك وما تختاره أن تكونه. ففي السودان، قد يُولد الإنسان داخل قبيلة، لكنه لا يُمنع من أن يختار الوطن إطارًا أوسع لحلمه ومسؤوليته، ولا تُغلق أمامه أبواب الاندماج في فضاء أرحب من الانتماء، حيث لا تُلغى الروابط القديمة، بل يُعاد توجيه وظيفتها نحو خدمة الكل لا تفتيته.

ولكي لا يكون الانتماء الوطني الجديد قشرة حديثة تُركّب على جسد موروث، فلا بد أن يُنسج من نسيج القيم السودانية الأصيلة ذاتها، تلك التي نشأنا عليها قبل أن نعرف الدولة والقانون: النفير، وهو التضامن الشعبي الفوري في الأزمات؛ الكرامة، كمعيار غير قابل للمساومة؛ المروءة، وهي الحضور في مواضع الحاجة؛ الإيثار، حين يعطي الإنسان قبل أن يُطلب منه؛ والحشمة، كسلوك جامع بين الوقار والاحترام. هذه القيم ليست قبلية بالمعنى الضيق، بل هي رصيد حضاري يمكن أن يُعاد توجيهه لصالح مشروع وطني جامع. نحتاج إلى إدماج هذه القيم في التعليم، في الإعلام، وفي المؤسسات نفسها، بحيث يصبح السودان لا مجرد وطن ننتسب إليه، بل بيئة تتنفس السودانية بمعناها الأصيل، وتتجلى فيها الروح التي كونت السودان، لا الروح التي قسّمتنا.

إن السودان الذي نحتاجه ليس خيالاً. هو موجود في ضمائرنا، في أدبنا، في قيمنا، في ذلك الوميض الأخلاقي الذي يجعلنا ننحاز للعدل حين نُترك لضمائرنا دون تدخل. ما ينقصنا هو نظام يُنظّم هذا الوميض، ويُحوّله من مشاعر عابرة إلى مؤسسات خالدة. حين يحدث ذلك، لن نعود بحاجة إلى أن نُقسم بأننا سودانيون. سنكون كذلك، ببساطة، وبكل فخر.

حاتم أبوسن

habusin@yahoo.com

عن حاتم أبوسن

شاهد أيضاً

قوات الدعم السريع، من الذي أنشأ الوحش حقًا؟ لا هذا ولا ذاك، بل هو اختراق استخباراتي مكتمل الأركان

في خضم التصريحات المتأخرة التي أدلى بها أحد قيادات المؤتمر الوطني لقناة الجزيرة محاولًا تحميل …