قراءة تاريخيّة معمقة حول معركة ايران واسرائيل ٢٠٢٥(٢)

د. عمرو محمد عباس محجوب

منذ انتصار الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ واعلنت ارتباطها بالقضية الفلسطينية وعدم اعترافها بسرقة الأراضي الفلسطيني وتحويلها لدولة اسرائيل وتصريحاتها المتتابعة بتمويل ودعم وبناء حركات المقاومة في المنطقة سواء سنية او شيعية او يسارية. وعبر السنوات وبمختلف التكتيكات حولت القوى الإمبريالية الصراع الفلسطيني الصهيوني إلى صراع طائفي سني شيعي ومن ضمنها انشاء وتشجيع المنظمات الارهابية المتطرفة من القاعدة وداعش وماسبقها من تفسيرات مذهبية متطرفة. لذلك سوف نقوم بالبحث والتقصي عن وضع الأطراف المذهبية في العالم العربي الإسلامي.

حسب الدراسات فان المجموع التقريبي لشيعة الشرق الأوسط وجواره ما بين 160–200 مليون نسمة، أي أكثر من ثلث مسلمي المنطقة الممتدة من إيران إلى لبنان وباكستان. ورغم أن الشيعة يمثلون أقليات في بعض الدول، إلا أنهم يقيمون على منابع الثروة أو قربها. ففي السعودية (المنطقة الشرقية) يمثل الشيعة حوالي ١٠-١٥% ويسكنون بشكل رئيسي في القطيف والأحساء، حيث توجد معظم حقول النفط السعودي وتشير الدراسات انه يتم تهميشهم سياسيًا، لكن موقعهم حساس جدًا للطاقة العالمية.

وفي إيران (خوزستان وحقول بحر قزوين) ففي خوزستان العربية (ذات الغالبية الشيعية) تضم أكبر حقول النفط والغاز الإيرانية. كذلك، تتحكم إيران الشيعية في ثاني أكبر احتياطي للغاز بالعالم (بعد روسيا). اما في العراق (الجنوب: البصرة، النجف، كربلاء)، فالبصرة وحدها تحتوي على أكثر من 60% من احتياطيات النفط العراقي. اي ان الجنوب الشيعي هو الأغنى بالثروات مقارنةً بالشمال السني أو الكردي. اما في لبنان (الجنوب والبقاع) فالشيعة يسيطرون على مناطق محاذية لإسرائيل وممرات التجارة والمقاومة ومناطق البقاع أيضًا قريبة من الحدود السورية وممرات تهريب حيوية.

لذلك فان القيمة الجيوسياسية للشيعة في المنطقة تمثل الطائفة الوحيدة التي تمتد في محور متصل جغرافيًا، من الهزارة في أفغانستان إلى الشيعة في الأحساء والقطيف مرورًا بـ إيران، العراق، سوريا، لبنان، واليمن (وضمن الحشد الطائفي المستخدم بكثرة تم تسمية هذا الامتداد بـ”الهلال الشيعي). ويمثلون “الهامش المضطرب” الذي يهدد المركز السياسي في معظم دول الخليج. الخليج العربي يُحكم من أنظمة سنّية ملكية، بينما الشيعة في الداخل يمثلون القاعدة الاجتماعية المعارضة أو المظلومة. مما جعل تحالفات الشيعة الإقليمية بقيادة إيران في نظر بعض الدول كأدوات للنفوذ الإيراني، لا كمواطنين.

ورغم تاجيج مقولات الخطر الشيعي في وسائل الإعلام السني عبر العقود الماضية، فان محمد حسنين هيكل لم يتعامل مع الشيعة كـ”طائفة معزولة”، بل كـ واقع سياسي واجتماعي مهم اهمها ما قاله إن إيران تسعى لبناء “محور مقاومة” لكن بمنطق مذهبي جزئي. ورغم انه أبدى تحفظه على الطائفية السياسية، لكنه رأى أن تحالف إيران مع الشيعة العرب نتج عن فشل الأنظمة العربية في دمجهم أو احترامهم. وانتقد الأنظمة الخليجية التي همّشت مواطنيها الشيعة رغم أنهم يسكنون على الثروة واعتبر أن هذا التهميش سيجعل إيران دائمًا حاضرة في المعادلة. الأهم انه رفض فكرة “الهلال الشيعي” كخطر ديمغرافي بحد ذاته، وقال: الخطر هو في عجز العرب عن بناء مشروع جامع يتجاوز الطائفية

يُعدّ التداخل بين الانتماء الطائفي والموقع الجغرافي والثروة من أبرز ملامح التناقض البنيوي في الشرق الأوسط الحديث. فقد رسمت الحقائق الاستعمارية والحدودية خرائط للدول، بينما رسم التاريخ الاجتماعي والسياسي خرائط ديمغرافية موازية للطوائف. وحين تقاطعت هذه الخرائط مع مناطق إنتاج الثروة (النفط، الغاز، التجارة البحرية)، ظهر نمط إقليمي بالغ الحساسية: “الطائفة في مكامن الثروة، والدولة ضد الطائفة”. غالبًا ما تتواجد الأقليات الدينية والمذهبية – خصوصًا الشيعة – على أطراف السلطة المركزية، لكنها تسكن فوق منابع الثروة أو بالقرب منها، مما يُحوّل الجغرافيا الطائفية إلى ساحة صراع سياسي وأمني.

تشير الجغرافيا الطائفية للشرق الأوسط إلى واقع مركب تتقاطع فيه الهوية والدين مع الثروة والموقع. وليست الطائفية – كما تُقدَّم عادة – أزمة ثقافية فقط، بل مشكلة توزيع للثروة والسلطة. وحين تُسكن طائفة على الثروة وتُقصى من القرار، تتحول من “مكوّن اجتماعي” إلى “فاعل جيوسياسي” – قد يستعين بالخارج أو ينفجر في الداخل.

ربما جاءت حرب طوفان الأقصى لتغير هذا التصادم الطائفي التى قادتها قوى سنية من المقاومة الفلسطينية في غزة وأيدتها قوى شيعية من حزب الله في لبنان وانصار الله الزيدية اليمنية والحشد الشعبي في العراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بينما وقفت ضدها (وربما سراً بعضها ساندت) الحكومات السنية في كل الدول العربية ووقف معظم الشعوب وأيدت المقاومات المختلفة. كما أدى عدوان اسرائيل على ايران لإعطاء غطاء شعبي والكثير من المواقف الحكومية-عدا القليل من الحكومات التي تقف مع العدو- لموقف ايران، وخاصة مع ظهور قدرة ايران على التصدي والصمود. وسوف يتغير الوضع بشكل راديكالي مع دخول الامريكي بجانب الكيان ويؤثر على الموقف الشعبي والرسمي.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …