عودة للبداية الحقيقية

وقفات (1)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
عودة للبداية الحقيقية
إذا وقفنا وقفة فيها من التأني الشيء المعقول من أجل تحليل ودراسة الأطر التاريخية، التي تم في اطارها التدامج القومي أو الوطني السوداني، ممكن لها أن تساعدنا هذه الوقفة في أن نفهم وأن نعرف ان السودان ليس بلداً واسعاً في مساحته فقط، ولكنه -وهنا النقطة الأهم- مجال خصب للتدامج القومي لكل الشعوب الأفريقية مع بعضها البعض من جانب، ومع العرب من الجانب الأخر.
فهذا السودان اختار له موقعاً استراتيجياً في شرق هذه القارة السوداء أو السمراء، حيث هناك توجد حدود التماس الحضارية، التي تقوم ما بين السلالات السودانية الغربية التي تغطي مساحة تبدأ من غرب النيل وحتى المحيط الأطلسي. ومن خلال حوض السافانا، ما بين الغابة والصحراء وبين سلالات الهضبة الأثيوبية أو ما يسمى عادة بالأجناس الحامية والتي تضم المنطقة التي تقع بين النيل والبحر الأحمر شرقاً.
وهذا السودان لا يُنظر اليه فقط باعتباره نقطة تماس ونقطة تواصل جغرافي واتصال حضاري ما بين شعوب القارة الي الشرق والي الغرب من النيل، ولكنه كذلك يعتبر نقطة تماس ما بين هذا التدامج وذلك المحيط الافريقي الاستوائي الممتد الي الجنوب الي أن يصل بحيرات النيل في دولتي أوغندة وكينيا.
ويمكننا أن نضيف الي ما ذكر، انه، وبعد ذلك كله، يعتبر هو المكان الوحيد من هذه القارة الأفريقية الذي تناثر فيها العرب بامتدادات ضمت التفاعل النسبي مع كل تلك الأطراف الأفريقية الفريدة في منابعها وفي أصولها وفي بنياتها السلالية والثقافية. فهذا البلد الواسع المترامي الأطراف المعروف بالسودان هو بمثابة نقطة ارتكاز، تفاعل عظيم، تشمل كل النماذج والأنواع الموجودة في هذه القارة، فهو فعلاً يمثل “الوسيط الجغرافي” بين أجزاءها المتباينة ومكوناتها المختلفة.
ويعزى تميز أو تعزى مميزات هذا الموقع هنا الي ثراء هذا البلد وتمتعه بتضاريس جغرافية متعددة ومتنوعة ومتباينة، والتي كانت بمثابة الأساس الذي قامت عليه التكوينات والبنيات الثقافية الأفريقية المختلفة، وتلك المرتفعات الجبلية الشاهقة في الشرق والمطلة على شواطئ البحر الأحمر، وحوض النيل الغني بشبكاته المائية المتعددة في الوسط، حيث يتصل البحر الأبيض المتوسط (منبع الهجرات الشمالية) ببقاع جنوب القارة السمراء من خلال سهول المراعي الغنية، وعبر الصحاري الغربية المنبسطة والممتدة الي المحيط الأطلسي إضافة الي الغابات الجنوبية ومستنقعاته.
فالسودان، يا أيها العالمين، يتفرد بخصائص جذابة وجاذبة (القطب المركزي الجاذب) لشعوب قارتنا المتباينة شرقاً وغرباً وجنوباً، اضافةً الي الحضارات المتوسطية في الشمال. والسودان لا يكتفى بأن يكون مركزاً أو منطقة تفاعل بين العرب وبين الأفارقة وكان الله يحب المحسنين، ولكنه نقطة مركزية لتفاعل الثقافات الافريقية فيما بينها.
وعلى ما تقدم، نقول بأن أفريقيا تلتقي بكل أنواعها الممتدة عن أعماقها في بلاد السودان، وهناك بكل تأكيد يلتقي بكل أفريقيا ارجائها وأجزائها، وهكذا يتركب ويتشكل ويتخلق هذا السودان، كمزيج وكخليط من أنواع ومن أجناس شتى وثقافات عديدة تبلورت عبر تخلقاته ومراحل تخلقه في شكل ممالك وفي شكل سلطنات وفي شكل مشيخات كثيرة، وكل منها انجز ما تستطيع من هذا التفاعل الذي كان مع امتداداتها المشابهة لها في غرب أفريقيا وفي شرقها وفي شمالها وفي جنوبها.
ان حقب التاريخ السوداني منذ بدايته مع حضارة “كوش” الحاضرة والناشطة في القرن الثامن ق. م.، وعبوراً بكل من مملكتي “نبتة” هناك في الشمال، و”مروي” هنا في الوسط تقريباً في 590 ق. م.، تعكس بشكل جلي عن خصائص هذا المكان وعن مميزاته وعن امتداده بالتفاعل الملحوظ مع المحيط شبه الوجودي الذي يحيط به.
ونجزم غليظاً، ونقول إن حضارة “كوش” كانت تعني وكانت تمثل حضارة العالم القديم، وقد تمثلها المكان السوداني ونقلها باتجاه عمق افريقيا المحيطة من خلال امتداداته فيها، وكانت هي حلقة الوصل بين هذه افريقيا وما كان بجانبها وما كان من حولها من حضارات:
“ويكفينا لتقرير ما ذكرناه آنفاً من أن حضارة “كوش” لم تكن حصرياً على السودان فقط، ولكنها، فعلاً، لعبت دوراً عظيماً في تطور هذا البلد اجتماعياً، وكذلك، قامت بأدوار متشابهة ومشابهة في تطور هذه القارة السمراء. ولقد تجمعت الأفكار الحضارية في “مروي” على هذا العهد وعلى هذا الميثاق، وشكلت سيرتها الأفريقية وسماتها، وانتشرت في القارة في كل حدب ومن كل حدب من بعد، للغرب، وللجنوب، وبثت عقائدها وأفكارها وقدراتها الفنية، ويقينياً هي ستصبح شفرة الاكتشافات الجديدة عن تاريخ هذه القارة العتيق، متما تيسر للباحثين وللعلماء أن ينقبوا وأن يبحثوا، فيتم اكمال هذا البعض الذي بدأوه…”
وطوال الفترة الزمنية التي عاشتها “كوش” (725 ق. م. الي 350 ميلادية)، وتقريباً تحسب بالعشرة قرون، تكشفت خصائص ومميزات هذا الموقع الاستراتيجي السوداني الفريد في شموليته للقارة الافريقية، ومن خلاله تم نقل دورة حضارية كونية كاملة الي أفريقيا، امتد أثرها وتمدد عبره الي شعوب الغرب السوداني كله.
وفي كتابه تاريخ السودان الحديث (1968)، يشير ضرار صالح ضرار الي أنه مع بدايات اضمحلال مصر في القرن العاشر قبل الميلاد، استغل السودانيون هذه الفرصة الذهبية وانتزعوا استقلالهم، وصاروا هم ملوك النوبة وتزايد سلطانهم تدريجياً، وأخذوا على عاتقهم مسئولية رعاية الاله آمون المصري، وبعدها اعتبروا أنفسهم مسؤولين عن كل البلاد القاطنة بين البحر البيض المتوسط وأواسط السودان.
وكان الملك بيانخي الذي سيطر على السودان وحكمه حوالي 751 ق.م، من أهم الملوك السودانيين في زمان استقلاله. وقد كان هذا الملك المغوار محباً للحضارة المصرية لدرجة الوله ومقدراً لمكانتها ومتأثراً بها غاية التأثير، وكانت هي ديانته، ويدين بديانة آمون، واشتهر بتدينه الشديد، وتمتع بكثير من الألقاب المصرية لذاته، واجتهد ايما اجتهاد لضم مصر الي السودان، فجهز حملة عظيمة قوية في سنة 730 ق.م، على إثر الأخبار التي جاءته وتحصل عليها، وهي القائلة بأن البلاد المصرية، تلك التي تقع في الدلتا، قد انهارت وسقطت فريسة للفوضى، وأحد ملوك الدلتا وهو المعروف بتافنخت قد استعد بتجهيز جيشه في سبيل طرد السودانيين من “طيبة”.
فقام بيانخي بإرساله جيشاً جراراً سودانياً قوي العزيمة والشكيمة لصده وإيقاف زحفه، بعد أن قلد جنوده بنصائح وأهمها التزام حدود الدين، لكن تافنخت تمترس في احدى المدن مما حدا ببيانخي أن يُقسم أن يخرج اليه من “نبتة” العاصمة السودانية آنئذ، حتى وصل له هيرموبيس وعمل على حصاره وحصار مدينته (حاصر تافنخت في مدينته) بجيوشه لعمر ثلاثة أيام وخضعت له بعد تلك الأيام الثلاثة، وتعقب الملك المصري وضيق عليه الخناق مما أضطر تافنخت الي التسليم والاستسلام. وبعدها عفا عنه بيانخي، وبذلك دانت السيطرة لبيانخي الملك السوداني وصار يسيطر على كل الأراضي التي تقع بين نبتة والبحر الأبيض المتوسط.
وسريعاً ما خربت العلاقات بين السودانيين والأشوريين، الذين كانت لهم محاولات ومحاولات للسيطرة على مصر، تحت قيادة القائد ازار هادون، ونجح القائد الأشوري في التغلب على الملك السوداني تهراقا أو طهراقا في بادي الأمر، وأكتسحت هذه الجيوش الشورية السودانيين أي الجنود السودانيين، فاضطر طهراقا الي جلب جنوداً من السودان وقابل بهم الأشوريين في موقعة من المواقع وأفلح في هزيمتهم، وفي رميهم خارج اسوار مصر.
ولكن، ويا للأسف، فقد استمر تدفق الجيوش الأشورية على تخوم مصر بدون انقطاع، وقاد الملك الأشوري هذه المرة وهو الملك “اشور بانيبال” جيشاً في أحسن نظام، وكان أشد فتكاً، وبعد العديد من المعارك الحامية تقهقر السودانيون وانسحبوا من مصر وانكمش نفوذهم وضعف وتمركز فقط في الأراضي السودانية بعد ذلك.
وقد كان عمر الحكم السوداني على مصر عمراً مديداً ناهز الثمانين عاماً، تميز بالأمن وبالأمان وبالسلام وبالرخاء على كل من مصر والسودان، وقد تم قبر الملوك السودانيين على الطريقة المصرية القديمة، مظلله قبورهم بأهرامات صغيرة جميلة، حتى تحميها من ضربات الشمس الحارة، مجاراةً لملوك مصر الأقدمين.
وبهذه الطريقة انكمش الحكم السوداني وتقلص وصار لا يتجاوز الشلال الأول، وارتاح السودان هناك بعيداً عن مجرى الأحداث والحوادث الكونية، حتى أن قمبيز عجز ولم يوفق في الوصول الي السودان.
وفي سني هذه الحقبة تضاءل وتقلص النفوذ المصري من حيث الحضارة والصناعة واللغة، وصارت اللغة الهيروغليفية تُستخدم للكتابة في بلاط الملك، ولكنها كانت تحمل بين ثناياه الكثير من الأخطاء، مما يشير ويدلل على تدهور تعلمها وضعف الاهتمام بها، وكانت نبتة هي العاصمة، ثم، بعد حين قصير، تحولت الي مروي، وذلك لقربها من السهول السودانية، والحاصلات الزراعية، والثروة الحيوانية، وأصبحت في ذلك الوقت ملتقى تجاري ذات أهمية بين شرقي السودان وبين بقية انحائه وأجزائه.
وقد كان ازدهار مروي في القرن الثالث قبل الميلاد، وأضحت أكثر شهرةً عند اليونان، الذين اعتبروها وصنفوها بأنها نبع وأنها ينبوع ازدهار الحضارة المصرية ومصدرها، وتطورت المدينة واتسعت وتعددت فيها المباني وكثرت. وتعلم أهلها وعرفوا فيما عرفوا الكتابة بلغتهم الأصلية، ولكن عجز الباحثون في فك طلاسمها.
ويبدو أن الروابط التجارية التي كانت بين مروي واليونان كانت تمتاز بالمتانة وبالقوة، وذلك نسبة لممر البحر الأحمر ومينائه العميق العتيق، وقد كانت “جمال” البجة تقوم بدور القطارات، حيث كانت تحمل البضائع وتحمل الركاب على ظهورها في قوافل عظيمة الضخامة، ودخل عدد كبير من اليونانيين السودان، وعملوا في الصناعات المتباينة، فكانوا يشيدون المباني ويبنون الحمامات على الطراز الاغريقي، كما كانت الأواني واقعة تحت التأثير اليوناني.
وعندما بسط الرومان سيطرتهم على العالم اجتهدوا من أجل أن يتغلغلوا في السودان، ولكن أبناء السودان الأشاوس منعوهم وردوهم على أعقابهم، وحفظوا استقلالهم السياسي وحموه وحافظوا عليه بالغالي والنفيس.
وما لبثت النصرانية في ترسيخ نفسها في كل من مصر وفي أوروبا، وعلى التخصيص في القسطنطينية، شرعت من توها في ارسال المبشرين، مبشريها، الي بلاد السودان، وكان من بين الذين بعثوا البعثات التبشيرية الامبراطور جستينيان وزوجته ثيودورا، وأفلح هؤلاء المبشرون النصارى في تنصير ملوك النوبة السودانيين، وبعدها، وبدون تأخير، اعتنق الأهالي هذا الدين الجديد وكان ذلك في أواسط القرن السادس الميلادي.
وفي غضون القرن العاشر، كان يوجد في السودان ثلاث ممالك وهي مملكة المقرة وكان مكانها في الشمال وعاصمتها دنقلا، والثانية مملكة علوة بالقرب من النيل الأزرق وكانت عاصمتها سوبا، والأخيرة كانت مملكة البجة التي احتضنت شرق السودان واحتضنها، فبينهما عشق قديم، وكان مقر ملكها في هجر.
ولكن، كان لهذه الحقبة أهمية تاريخية لا تخطئها العين، حيث أن وفود القبائل العربية من ربيعة ومن جهينة بدأت تتدفق في سهول السودان الفسيحة المترامية الأطراف، وزاد تقاطرهم اشتداداً، فترة بعد فترة، زرافات وأفرادا، وبذلك بدأ عهد التعريب في ارجاء السودان وأنحائه يأخذ له حيزاً كبيراً عن طريق التزاوج.
أما الحرب أو الحروب التي قامت حرارتها زماناً بين السودانيين وبين العرب في مصر، فإنها لم تجد من يثيرها في كثير من الأحايين، تلك التي كان النصر في معظمها للمسلمين، ولكنه لم يكن نصراً مؤزراً حاسماً، بالرغم من أن المسلمين نجحوا في فرض الجزية وعقدوا اتفاقية “البقط” المشهورة مع السودانيين، ولم يرضخ هؤلاء للمسلمين الا من أجل أن يأخذوا نفساً عميقاً وقسطاً من الاستجمام، ليستعدوا ويعيدوا الكرة مرة ومرة ومرات كما العهد بهم، فهذا كان ديدن هؤلاء الفتية السودانيين.
وقد تم القضاء على مملكة المغرة المسيحية في زمان الظاهر بيبرس وكان ذلك في 1276م، وحصل ذلك بهزيمة الملك داود السوداني المسيحي، والذي اتأخذ من دنقلة العجوز عاصمة له. وقد عملت الحملة التي تم ارسالها الي تحويل الكنائس الي مساجد أو الي جوامع، بعد أن عبثت بالكثير منها. ومع زوال هذه المملكة المسيحية تدافع العرب باتجاه الجنوب حتى شارفوا وجاوروا مملكة علوة وعاصمتها سوبا.
وصارت بذلك أبواب مملكة علوة مفتوحة على مصرعيها لاستقبال العرب والمسلمين، ونسبة لانقطاع صلاتها بالعالم المسيحي ضعفت ديانتها المسيحية وسرى فيها مرض الشيخوخة والتضعضع، وأخذ العرب يحيطون بها من كل حدب ومن كل صوب، واتحد هؤلاء العرب النازحون من الجزيرة العربية مع “الفونج” الذين كان على رأسهم “عمارة دنقس”، وكان يرأس القبائل العربية “عبد الله جماع”، وهاجم هذا التحالف دولة علوة، وحاصروا سوبا وانتصروا عليها وخربوها خراباً، صار مشهوراً في الأمثال السودانية “بخراب سوبا”.
كان انتصار الفونج وحلفائهم العرب إيذاناً بإقامة سلطنة إسلامية عربية في هذا البلد الذي اسمه السودان، وتم اختيار سنار قصبة لملكها، وكان سلطانها الأول هو عمارة دنقس. أما عبد الله جماع فقد صار وزيراً لدونقس السلطان، واتفق الطرفان على أن يكون السلاطين من الفونج، وأن يكون الوزراء من العرب، وكان ذلك في 1504م، على غرار منكم وزير ومنا وزير، واجتماع السقيفة وما أدراك ما السقيفة.
وقد ساهم العرب بجلب حاجات عديدة وعادات كثيرة، كان أهمها الحياة القبيلة التي جُبلوا عليها في جزيرتهم جزيرة العرب، وكما سادت لغتهم العربية معظم أجزاء البلاد وأنحاءه وكثير من أرجاءه، ولكنها امتزجت بالسودانية فأنتجتا اللهجة العربية السودانية الحديثة، وأيضاً أدخلوا الدين الإسلامي الذي نُثر في السودان، في شماله وفي شرقه وفي غربه وفي وسطه، ولم يعتزل الا بقاعاً متناثرة بعيدة في الجنوب الجميل، فله الحب كله.
وتوسعت هذه السلطنة وتمددت حتى وصلت حدود الحبشة الحالية في الشرق، وفي الشمال وصلت الي بلاد الشايقية. ولو لم يكن هناك وجود لحكام الأتراك في الشمال السوداني لأضحي هذا الإقليم تحت سيطرة الفونج. وظلت دارفور والنوبة الشمالية وكردفان في زمن من الأزمان خارجة على تلك السلطنة الزرقاء (الفونج).
لقد كان لهذه السلطنة محاولة لتصميم إدارة موحدة في البلاد أو إدارة قومية، ولكنها لم تنجح في تكوين حكومة حديثة أو حكومة بالمعنى الحديث، فكانت عبارة عن حكومة اقطاعية، للسلطان الأرض، وللزعماء الحكم على أفراد قبائلهم. وتشكلت أهم العقبات التي واجهت هؤلاء السلاطين في ترامي أطراف البلاد واتساعها، وعدم سهولة التنقل والمواصلات، وكل ما كان يطلبه سلاطين هذه السلطنة من زعماء القبائل هو الجزية وهو الخضوع الأسمى لهم.
وعندما صار “دكين العادل” سلطاناً عمل على ادخال تعديلات وتغييرات في نظام الحكم، فحجم من سُلطة الفرد المطلقة، وقام بتعين مجلساً من الأعيان، كان يتكون من كبار الأسرة المالكة، ووجهاء أو عظماء السلطنة، وجعل انعقاد هذا المجلس أربع مرات أو أيام في الأسبوع الواحد، وكان يتمتع هذا المجلس بسلطات عليا يستطيع بمقتضاها عزل السلاطين وتعيينهم.
ولكن وبالرغم مما ذكر آنفاً وقبل قليل، ظلت الأقاليم تحت سيطرة زعماء القبائل الفردية، الذين كانوا يستمتعون بسلطات واسعة على اقاليمهم، ولكن، كان عليهم دفع الجزية وتقديم الهدايا الي سلطان الفونج.
وفي زمان الفونج، لم تتعثر أو تنقطع التجارة بين هذا البلد وبين البلدان الأخرى، وقد كانت تسير هذه التجارة من خلال سبيلين وطريقين الي الخارج، من خلال طريق سواكن، ومن خلال مصر في الشمال. وكان أن ازدهرت ميناء سواكن ازدهاراً مشهوداً في عهد سلطنة الفونج، وقد كانت سواكن آنئذ تحت سلطان الأتراك، ولكنها كانت ميناء السودان الوحيدة، وسار التبادل التجاري الي أن وصل جزيرة جاوا وجنوبي جزيرة العرب.
ولم تمتلك السلطنة الزرقاء عملة مستقلة خاصة بها، ولكنها كانت تستخدم الريال النمساوي. وكان من أجمل الظواهر وأبرزها في السلطنة الزرقاء هو دخول التعليم من خلال الفقهاء الذين جاءوا من الأندلس وجاءوا من الحجاز وغيرهما من أماكن ومن بقاع. وقد ساعد هؤلاء الفقهاء كثيراً في نشر الديانة الإسلامية. وكان سلاطين السلطنة الزرقاء يحترمون هؤلاء الفقهاء ويجلوهم ويخصصوا لهم مكانة خاصة في الدولة.
ومن النواحي السياسية الحربية، نجد أن السلطنة الزرقاء قد خاضت حربين مع جارتها الحبشة أججهما التنافس التجاري والتباين على الحدود، وأيضاً كانت هناك مخاوف سيطرت على نفوس الفونج من جراء التهديدات الحبشية المستمرة لهم بتغيير مجرى مياه النيل الأزرق.
وكان من المعتاد أن تعبر البعثات الفرنسية اليسوعية المسيحية الأراضي السودانية الي الحبشة، مما أدي ذلك الي أن يخشى السودانيون من استعمار أوروبي، فقتلوا رجال البعثة الفرنسية وقضوا عليها في نوفمبر 1705م. وكانت نتيجة هذا الفعل الأرعن حملة حبشية قوية ضد الفونج، وذاق فيها الفونج في أول الأمر علقم الهزيمة، ولكنهم تمكنوا من تشتيت شمل الأحباش وهزموهم شر هزيمة في 1744م.
وللأسف فقد كان هذا النصر بمثابة بداية الانهيار الداخلي للفونج، فأخذت السلطنة تتضعضع رويداً رويداً. ومع بداية القرن التاسع عشر، عمت الفوضى وانتشر الضعف في السلطنة الزرقاء، وصارت اسماً على غير مسمى. وبالرغم من أن غالبية مناطق السودان كانت متفقة ومؤمنة بحق السلطنة الزرقاء الاسمي، ولكنها كانت عاجزة وغير قادرة على فرض نفوذها على تلك الأقاليم. ولذلك، ولهذا السبب تمتع زعماء القبائل ببعض القوة المستقلة في نجوعهم البعيدة، وقلت الهدايا وتقلصت الجزية التي كانوا يبعثوها لملوك الفونج (السلطنة الزرقاء)، مما أدى الي أن يعشش في خزينتها الفراغ والخواء والفقر.
والغريبة أو الغريب في الأمر ان سلطان الفونج لم يحاول أن يعيد لسلطنته مجدها القديم وألقها القريب، ولكنه كان قانعاً بذلك النفوذ الاسمي، وتضعضع جيش البلاد لفراغ خزينة الدولة وفقرها، وقل عدد الجند والجنود فيه، وصار فيه عدد قليل من الرقيق الذين هم أنفسهم كانوا عبارة عن مصدر قلق دائم للسلطان، ومصدر قوة للوزير على السلطان.
أما العاصمة سنار فشهدت مسرحيات لحوادث دامية، فكثرت فيها الاغتيالات السياسية، وفقد السلاطين عنصر السلامة على حياتهم، بسبب ما يدبره الوزراء من مؤامرات. والوزراء ذاتهم لم يسلموا من هذا التهديد ومن غياب السلام والأمن.
ففي كل لحظة يهوى سلطان من عرشه، وفي كل لحظة تُسرق حياة وزير. وغابت تلك الأزمان التي كان فيها لسلاطين السلطنة نفوذ حقيقي، وصار خلفاؤهم دمي، لا روح فيها، في أيدي الطوائف المتناحرة على السلطان. وعلى الرغم من أن يد الوزراء “الهمج” كانت هي العليا وهي المسيطرة الا أنهم اختلفوا فيما بينهم، وأصبح الواحد منهم يقتل الثاني حتى يُرقى الي كرسي الوزارة بدلاً عنه.
وبالرغم من كل هذه الفوضى فقد كان نفس هؤلاء الوزراء كثيراً ما يقلقون ويزعزعون مكانة السلطان ويزيحونه من عرش السلطنة. وصاروا هم من يعين الملوك وهم من يعزلوهم، بل قد أصبح الأمر فوضى عارمة تتوجت بأن يتقلد ثلاثة ملوك أمر السلطنة في سنة يتيمة.
أضافة لذلك فقد تسبب النزاع الفظيع بين سلطنة الفونج وسلطنة الفور على أرجاء أو مناطق كردفان (1748م) في اجهاد السلطنتين ايما اجهاد، فهزلت قوتهما الحربية والمالية. وعكس ما كان متوقع أن تتوسع السلطنة الزرقاء باتجاه الشمال على طول محاذاة النيل، وترسخ أقدامها هناك، عملت بكل جد للاستيلاء على أراضي كردفان، فدخلت في حروب طاحنة بينها وبين الفور، فضعفت قوتها وقصر عمرها.
…. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …