انفصال الامتياز: حين يطلب المهيمن تقرير مصيره

منذ فجر تشكّل الدولة السودانية الحديثة، وتحديدًا منذ دخول الاستعمار الإنجليزي المصري إلى السودان عام 1898، تشكّلت بنية سلطوية تركزت في أيدي نخبة ضيقة تنتمي إلى ما بات يُعرف اصطلاحًا بالـ”جلابة” — أي أبناء النخب المركزية من شمال ووسط السودان النيلي. هذه النخبة وُلدت في رحم الاستعمار، وتغذّت على امتيازات التعليم والتوظيف والهيمنة السياسية والاقتصادية، وظلّت لعقود تستأثر بمفاصل الدولة ومؤسساتها تحت شعارات وطنية فضفاضة ظاهريًا، لكنها كانت في جوهرها تُدار بعقلية الغلبة والاحتكار.
غير أن المفارقة الغريبة التي تشهدها الساحة السودانية اليوم تتمثل في ما يمكن وصفه بأنه “أغرب محاولة انفصال في التاريخ”. فقد بدأت بعض الأصوات من داخل هذه النخبة الجلابية — التي طالما تحدثت عن وحدة السودان ورفضت أي مطالب لتقرير المصير من قبل المهمشين، واتهمت الهامش بالعمالة والانفصالية والتخريب — تتبنى اليوم خطابًا انفصاليًا مقلوبًا، يدعو لفصل ما يسمى بـ”السودان النيلي” عن بقية الوطن. وهو طرح لا يخلو من مفارقة أخلاقية وسياسية فجة، بل ويشكل انقلابًا مفضوحًا على التاريخ والمبادئ التي طالما زعمت هذه النخبة الدفاع عنها.
إن الدعوات الحالية للانفصال من قبل بعض أبناء المركز ليست نابعة من تعرضهم للتهميش أو للظلم أو للإقصاء — كما هي حال شعوب الهامش التي ناضلت طويلاً من أجل الاعتراف بها شريكًا في الوطن — بل هي نتيجة لفقدانهم السيطرة على الدولة التي احتكروها لأكثر من قرن. إنهم لا يطالبون بالانفصال لأنهم مظلومين، بل لأنهم لم يعودوا قادرين على الظلم. لقد انقلبت موازين السلطة بفعل ثورات اجتماعية ووعي جديد تشكّل في الأطراف، وبفعل تآكل النظام السياسي القديم الذي طالما استند إلى تهميش الآخر والتمكين للمركز. ومع هذا الانقلاب، بدأت هذه النخبة تفكر لا في بناء دولة عادلة تسع الجميع، بل في الانكفاء على ذاتها لحماية امتيازاتها المتآكلة.
هنا يظهر التشويه العميق لمبدأ تقرير المصير، وهو مبدأ قانوني وأخلاقي نشأ لحماية الشعوب المضطهدة والمستعمَرة، وليس ليكون أداة بيد النخبة الحاكمة حين تفقد هيمنتها. ما يُطرح اليوم على لسان بعض المتحدثين باسم السودان النيلي، أو من يروّجون لأفكار الانفصال تحت شعارات الهروب من “الفوضى” و”الانفلات” و”الهمجية”، ليس تقريرًا للمصير بل تهرّبًا من المسؤولية التاريخية، وإنكارًا لحجم الجرائم السياسية والاقتصادية والثقافية التي ارتكبت بحق شعوب بأكملها في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان. إنها محاولة لإعادة إنتاج العنصرية في ثوب جديد، حيث تُرمى مسؤولية انهيار الدولة على “الآخر” المهمّش، لا على من احتكر أدواتها لعقود طويلة.
إنّ ما يحدث الآن ليس فقط انهيارًا في المنظومة السياسية القديمة، بل هو أيضاً تفككٌ في البنية النفسية للنخبة الجلابية التي لم تتخيّل يومًا أن يفلت السودان من بين أيديها، ولم تستطع التعايش مع فكرة أن تكون جزءًا من شراكة وطنية حقيقية لا تضعها في موقع القيادة الأبدي. هذه الدعوات الانفصالية تعكس ارتباكًا وجوديًا أكثر منه طرحًا سياسيًا مدروسًا، وتعبّر عن صدمة نرجسية تشعر بها نخبة كانت ترى في السودان حيازتها الخاصة، لا وطنًا للجميع.
لكن الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب الجديد قد يزرع بذور تفكك جديد للوطن، ليس بسبب قوى الهامش، بل بسبب انسحاب المركز من مسؤوليته الوطنية والأخلاقية. فحين تعجز النخبة عن إصلاح ذاتها وتقديم نموذج جديد لشراكة وطنية عادلة، وتفضّل الانفصال على المساواة، فإنها في الواقع تعترف بفشل مشروعها السياسي والتاريخي، وتحاول إنقاذ ما تبقى من سلطتها عبر العزلة الجغرافية والرمزية.
إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الانفصالات ولا إلى اجتراح كيانات جديدة مبنية على الخوف من الآخر أو الهروب منه، بل يحتاج إلى شجاعة سياسية وأخلاقية لمواجهة المظالم التاريخية، والاعتراف بتعدد مكوناته، وبناء دولة مواطنة حقيقية تتجاوز عقلية الغلبة والامتياز. أما الانفصال الذي يُطرح اليوم من مبعض مراكز النفوذ القديمة، فهو ليس إلا تعبيرًا عن الإفلاس السياسي، واعترافًا ضمنيًا بأن مشروع السيطرة إلى الأبد قد انتهى إلى غير رجعة.
hishamosman315@gmail.com
د. هشام عثمان

عن هشام عثمان

هشام عثمان

شاهد أيضاً

الانتقال المدني بين الثورة والتسوية

د. هشام عثمانhishamosman315@gmail.com حتى لو نجحت المفاوضات التي يتوقع ان تجري تحت مظلة الرباعية الدولية …