تحدثنا في الحلقة الأولى من هذه المراجعة عن صدور معجم الدكتور عون الشريف قاسم الموسوم (قاموس اللهجة العامية في السودان) سنة ١٩٧٢
وقلنا ان هذا المعجم يعد فريدا في بابه وعمدة في مجاله وان هذه المراجعات وغيرها تضيف ولا تنقص من قيمته العالية شيئا. وفيما يلي نواصل استدراكاتنا عليه:
أبنوس :
يقول: “أبنوس سودانية فصيحة وهو شجر عظيم صلب اسود”. وفي باب حرف الباء، تحت مادة (بابنوس) يقول: بابنوس شجر كبير، ويخلط كثير من الناس بينه وبين الابنوس”. ولكنه أكتفى بهذا القول ولم يوضح الفرق بينهما.
اقول البابنوس هو الابنوس نفسه، يلفظ بابنوس في اللهجات السودانية. وما يحتاج إلى بيان هو قوله ان الابنوس شجر اسود. الابنوس من الخارج ليس اسود وإنما الأسود هو قلب أو لب عوده الداخلي، والمحاط بطبقات صلبة وباللحاء والقشر والتي لا يختلف لونها عن لون سائر الشجر من الخارج.
ويكثر شجر الابنوس أو البابنوس في السودان في الحزام الأوسط المداري والممتد عرضيا من حدود الحبشة شرقا الي دارفور غربا.
أزمة :
يقول : أزمة مرض الربو، وهي دخيلة”. انتهى.
واقول لم يوضح ما الدخيل: لفظ أزمة ام إطلاق اللفظ على مرض الربو في السودان. المهم كلمة أزمة عربية معجمية قديمة من الفعل ازم يازم ازمة فهو مازوم. والازمة الشدة والضيق. وهي من الكلمات الاكثر استخداما اليوم للتعبير عن حالات الضيق والشدة في قضايا السياسة والاجتماع والطب. فإذا كان يقال في الطب أزمة قلبية، فما المانع ان تطلق لفظة “أزمة” في السودان أو غيره من البلدان العربية على مرض الربو حتى تكسب العربية كلمة رديفة، والترادف من ابرز خواص العربية الذي اكسبها هذا الثراء. بل اننا نرى ان ازمة ابلغ من ربو في وصف هذا المرض، كونها تدل على المرض دلالة حرفية، فضيق التنفس هو أزمة في التنفس وأما الربو فهو الزيادة.
وأما اذا كان عون الشريف يقصد بالدخيلة، القول ان كلمة أزمة هنا، هي تعريب للكلمة الإنجليزية asthma والتي تعني مرض الربو، فنحن نذهب إلى أن اللغات الأوربية هي التي استعارت كلمة أزمة من العربية، وتفوق العرب في الطب والعلوم الأخرى في القرون الوسطى وفضلهم على الأوروبيين في ذلك الزمان لا ينكر .
إكسير :
يقول إكسير، فصيحة سودانية، الدواء الناجع لكل داء”. انتهى.
واقول هذا تعريف قاصر. الأكسير لفظ يطلق على شيء ليس له وجود حقيقي في عالم الواقع اليوم، وإنما ارتبط في الماضي القديم بالخيمياء والاسطورة والاحاجي، وله مدلولات مختلفة، فهو في الخيمياء مادة لها القدرة على إحالة اي معدن إلى ذهب. وعند بعضهم مشروب يطيل العمر ويمنح الحياة الأبدية. وهو في الاحاجي والمثيولوجيا السودانية شجرة على قمة جبل غير معلوم مكانه من يستطع الوصول إليها تمنحه القدرة على فعل المعجزات، ومنها تحويل كل شيء إلى ذهب.
اولا تبادي:
يقول في مادة اول: “ويفتحون الكلام احيانا بقولهم: اولا بالتبادي (البداية)”. يقصد ان، اولا بالتبادي، تعني البداية.
واقول أظن ان الصيغة الأكثر استعمالا وسماعا هي “اولا تبادي”. بدون باء. وموضع استدراكنا على المؤلف هو أنه اكتفي في شرح العبارة بكلمة “البداية”. ولكنه لم يحلل بنية كلمات العبارة ولم يشرح كيف انتهت إليه في هذه الصيغة الأخيرة .
ونرى ان اصل العبارة هو” اولا انت بادي”. ثم ادغم الضمير انت في كلمة بادي وذلك بحدف الالف والنون من الضمير انت، وادغمت التاء في بادي، فصارت الكلمتان كلمة واحدة هي تبادي، لتصبح العبارة في صيغتها الكلية ” اولا تبادي”.
بزم:
يقول: “بزم في اللهجة السودانية، حسم الأمر، كان يحدد الثمن المبدئي للسلعة”.
واقول بزم في كلامنا، تعني على نحو أكثر دقة التزم وتعهد واعطي قولا ووعدا جازما. يقولون: انا ما بزعمت. وفلان بزم وقال هو المسعول اي المسؤول. ويقال: بزم وجزم. واللفظ فصيح، جاء بمعجم لسان العرب: “بزم بالعبء : نهض به واستمر”. وجاء بالمعجم الوسيط بمجمع القاهرة : “بزم القول بزما: اغلظ. وبزم على الأمر: عزم عليه”.
دبل:
يقول: “دبل ضرب الأرض بقدميه. واندبل حزن”.
واقول دبل بالتحريك، تعني على وجه الدقة، خبط ولطم، ومنها دبل الأرض بقدمه اي خبطها، كما يكون الدبل باليد وبغيرها. وفي الغالب يأتي متواليا ولكن ليس دائما. والدبلة الضربة. يقولون زح لغادي ولا ادبلك دبلة. ودبله دبلة ودبيل. جاء بالقاموس المحيط للفيروزابادي: “دبل بالعصا: تابع عليه الضرب بها”.
وأما اندبل فتعني على نحو أكثر دقة، انهمد وضعفت همته ومات قلبه اي احساسه. يقولون : فلان قلبه اندبل من كثرة الأحزان والهموم. والشواهد التي اوردها عون الشريف في هذه المادة كلها تؤكد هذا المعنى. ومنها قول الشيخ فرح د تكتوك: الرجال فيهم تخينا مندبل، همه في النوم والاكل”. وقول البطحاني: مثلك كتير في غفلة طوطح واندبل”.
دنع:
يقول: “دنع : دنا واقترب. والدناعة الرغبة الشديدة في الشئ”.
واقول الدناعة ليس الرغبة الشديدة في الشي وحسب، بل برخص نفس وتذلل. يقولون: ما تدنع، أي لا تتزلف وتتذلل تقربا وبرخص نفس. وهي فصيحة جاء بمعجم لسان العرب في هذا المعنى قوله: “الدنع: الذل. دنع دنعا ودنوعا”.
ولا تفهم الشواهد التي اوردها عون الشريف الا اذا أخذنا بما اضفناه من معنى للكلمة. وهي قول شغبة: يا دوب لجنياتنا البدنعو الشكرات. وقول الحمري: يا قصيبة السكر الليك النفس دناعة. وقولهم: دناع ما بريد دناع وسيد البيت ما بريد الكل. ودناعة الطعام ولا دناعة الكلام. وقول الحمري: حبيبك كن أباك ما تبقى ليه دناعي”.
دهج:
يقول: “سودانية حطم. وفي الفصيح دهق الشي كسره وحطمه”.
واقول دهج في العامية السودانية دفع الشخص حتى تدحرج وكاد ان يقع مكبا على وجه. يقال اندهجت، ودهجه اي دفعه حتى كاد يكب على وجه.
دهده:
يقول:” دهده سودانية بهدل. وفي الفصحى دهده الحجر دحرجه”.
واقول دهده (الهاء من أصل الكلمة) تعني في العامية السودانية على وجه الدقة، ضعضع وجهجه. يقولون: الدواء دهده لي المرض أو الوجع اي خففه وبدده. والمدهده: المجهجه. والدهدهة: الجهجهة.
دهراب:
يقول: “دهرب سودانية اوائل الخريف أو الزوابع”. واقول اللفظ الصحيح دهراب بالتحريك وإضافة الف بعد الراء. وهو السحاب الخفيف الكاذب الذي لا مطر فيه.
ديس:
يقول ديس سودانية الشعر الكثيف، وايضا عشب ينمو على شاطئ النيل. وديس ورق النخل”.
واقول الديس اسما على العشب هو المقصود بالاصالة وقد اطلق بالحوالة على شعر المرأة تشبيها له بنعومة هذا النوع من العشب وطوله. ويكثر استخدام كلمة ديس وصفا لشعر المرأة في شعر الدوبيت الشعبي وفي شعر اغنية ( الحقيبة) السودانية.
جاء بالمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية بالقاهرة :” الديس جنس أعشاب مائية من الفصيلة السعدية يصنع منه الحصر”.
رد:
رد بكسر الراء وتشديد الدال. يقول: “رد فصيحة سودانية، الملجأ والماوى والناحية”.
واقول الرد بكسر الراء في اللهجة السودانية هو كثرة تردد أقدام الإنسان والبهائم وأثارها في مكان ما دلالة على أنه مطروق. وترد اللفظة للتعبير عن وصف المرعي الذي انهك نباته من كثرة الرعي.
والشواهد التي اوردها المؤلف تدل كلها على هذا المعنى. ومنها قول الشاعر الشعبي الحاردلو: “ديل الديمة من رد الانيس ناجعات”. يعني بذلك الظباء. ورد الانيس، حركة الإنسان وجولانه. وناجعات يعني هاربات نافرات، من النجيع والنجعة وهي فصيحة.
ردس:
يقول: “ردس سودانية تعني اتعب وارهق. قال الشكري : قل لي نعلو تيس القنة ما ردس بيك”. انتهى.
واقول ردس رمى بكل ثقله على الشئ وتكرار ذلك عدة مرات، كان يقوم طفل بالقفز من فوق السرير والفرش عدة مرات من باب اللعب واللهو. وكنا نفعل ذلك في صغرنا فينهانا أهلنا قائلين: يا ولد ما تردس فوق الفرش. والشاهد الذي أورده عون الشريف: نعلو تيس القنة ما ردس بيك”. يعزز هذا المعنى. والتيس هنا البعير، وردس به، تصوير لحركة الراكب على ظهر الجمل وجسمه يقفز ويهبط اثناء سير البعير.
رزية :
يقول في مادة رازة: “رازة، سودانية، الضعيفة المنحرفة الصحة”.
واقول رازة صيغة في رزية وهي لفظة عربية فصيحة تجمع على رزايا . ورزية ورازة في العامية السودانية هي البهيمة (البقر خاصة) التي تصاب في فصل المحل بالتو الذي يسببه الجوع حيث يقل الكلا وتفسده أمطار الرشاش الخفيفة في أول الخريف.
وقد وردت رزايا في هذا المعنى في الشعر الجاهلي. يقول النابغة الذبياني في قصيدته التي يعتذر فيها الي النعمان واصفا النوق التي حملته:
سماما تباري الريح خوصا عيونها * لهن رزايا في الطريق ودائع
عليهن شعث عامدون لحجهم * فهن كاطراف الحني خواضع
رندل:
يقول: “رندل الليمون. الرندل أو الراندل؟ بمعنى العطشان”. واقول تدل علامة الاستفهام هنا ان المؤلف في شك من صحة المفردة هل هي رندل أم راندل. والصحيح رندل والصفة منها مرندل. ومعنى رندل ضمر النبات وتغضن وكاد ان يذبل، اما بسبب شمس الظهيرة أو العطش. يقال: الخضار رندل ومرندل. ويطلق اللفظ أيضا على الحيوان اذا ضعف وخارت قواه وظل ساكنا بلا حركة.
ام رويق:
يقول في مادة روق، ام رويق المطرة أو السحاب الذي يعم خيره”.
واقول ام رويق اسم يطلق في السودان على السحاب الذي يطلع كثيفا من جهة الشرق في شكل اروقة متراكما بعضه فوق، روق وراء روق، يحف بالافق وسرعان ما يغطي قبة السماء من جميع اقطارها. وفي اغلب الاحيان يأتي مسبوقا بعواصف ترابية مظلمة. فإذا نزل هذا السحاب تكون مطرته غزيرة جدا وتغطي مساحات شاسعة.
ورويق تصغير روق وهو الصف. وام هنا تعني ذات اي ذات الروق. يقولون: جوا ماشين روق روق، اي صف وراء وصف، وروق فصيحة تجمع على أرواق. جاء في معجم لسان العرب: “والقت السماء على الأرض أرواقها ، الحت بالمطر. واذا الحت السحابة بالمطر وثبتت بارض قيل القت عليها بارواقها، وانشد : وباتت بارواق علينا سواريا. ويقال ارخت السماء أرواقها. وروق السحاب، سيله، وانشد: مثل السحاب اذا تحدر روقه. وفي الحديث: اذا القت السماء بارواقها”. أي بجميع ما فيها من الماء. الارواق الاثقال، أراد مياهها المثقلة بالسحاب”. انتهى.
سدر:
يقول :”سدر، سودانية فصيحة، سدر الرجل في البلاد ذهب فيها لا ينثني. لذلك يقولون في الفصحي: سدر في غيه” .
واقول ان الامر الذي فات ادراكه على كل الباحثين في هذه المادة هو حقيقة أن سدر السودانية أصلها صدر من الصدور ضد الورود، قلبت الصاد سينا، ولا صلة لها بالفعل سدر في الفصحى. وقلب الصاد سينا كثير في اللهجة السودانية مثلما تقلب السين صادا في بعض اللهجات العربية الأخرى.
يقال في في العامية السودانية: البهائم سدرن اي صدرن بمعنى رحن الى المرعى. ويقال البهائم وردن الماء وسدرن اي وردن ثم صدرن الي المرعى. يقول معجم لسان العرب: “الصَّدر بالتحريك: رجوع المسافر من مقصده والشاربة من الورد. الصدر نقيض الوِرد. يقال: صدر يصدر صدوراً وصدراً. وطريق صادر، معناه أنه يصدر بأهله عن الماء. ووارد: يرِده بهم. وقوله تعالى: (يصدر الرعاء) أي يرجعوا من سقيهم. يقال صدر القوم عن المكان، أي رجعوا عنه، وصدروا إلى المكان صاروا إليه. والوارِدُ: الجائِي، والصَّادِرُ: المنصرف”. انتهى.
مسدار:
يقول في مادة سدر السالفة الذكر : “المسدار في البطانة بالسودان هو مكان الرعي أو الجهة التي تتوجه إليها البهائم. ومن هذا اخذو اصطلاح المسدار في الشعر خاصة عند الشاعر القومي الحاردلو حين يتحدث عن مسدار الصيد وغيره، فهو يتناول الرحلة ومراحلها بالوصف والتصوير”.
واقول هذا صحيح مع التأكيد على أن السين في مسدار أصلها صاد اي مصدار من الصدور ضد الورود على النحو المبين أعلاه. والتشديد على أن ما ذكره الباحث المصري الدكتور عبد المجيد عابدين في كتاب (الحاردلو شاعر البطانة) من أن سدر هي مقلوب سرد، بمعنى روى قصة الرحلة، غير صحيح. وكل الشواهد التي اوردها عون الشريف في هذه المادة تذهب إلى تأكيد ان مسدار مشتقة من الصدور ضد الورود. وان المسدار أو المصدار هو المرعى أو المرحال الي المرعى، اختاروه اسما على قصيدة المسدار في الشعر الشعبي.
يقول الطيب ود ضحوية : “ما دام بت ام قجة واردة وصادرة بالمسدار”. ام قجة الناقة. ويقول شاعر شعبي اخر: “اخير تبقوا خرفان بالمسادير ترعوا”. الي غير ذلك من الشواهد التي لا تحصى.
سردوب:
يقول في مادة سردب: “سردب انحنى. وسردوب: الظهر القوي”. واقول الصحيح ان السردوب (بامالة الواو) هو النتؤ الخلقي في أعلى الظهر واسفل الرقبة. وسردب ركز وثبت ولم يتزحزح. تقال للشجاع يواجه مكروها. ومثال ذلك من يثبت في عادة الجلد بالسوط في الأفراح المعروفة على نطاق واسع في السودان وتسمى في بعض المناطق البطان.
مسنوح:
يقول في مادة سنح :”سنيح ومسنوح سودانية كريه مؤذي، الاسم سناحة : سماحة البفك الساحة”.
واقول مسنوح في اللهجة السودانية تعني شؤوم، سئ الطالع وهو العارض أيضا في تعبيرهم. وهي أيضا مزنوح تنطق السين زايا احيانا. السناحة والزناحة سؤ الطالع. يقولون : انت زول مسنوح أو مزنوح. ويقولون في ذات المعنى: انت زول عارض. أما قوله سماحة البفك السناحة، فيعني ما أجمل الذي يفك العارض اي سوء الطالع.
جاء بمعجم لسان العرب في مادة سانح: “والعرب تختلف في العيافة، فمنهم من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح. السانح ما اتاك عن يمينك من طير وغير ذلك، والبارح ما اتاك عن يسارك.. وأورد بيت الاعشى: جرت لهما طير السناح بأشأم”.
سام وسوم:
يقول: “سام سودانية فصيحة، باع ووهب. قال الشاعر الا اسوم روحي ليك. وقال الشايقي، انا روحي ليك سايمها”. انتهى.
واقول سام يسوم في اللهجة السودانية العرض للبيع وليس البيع نفسه. وأما قول الشاعر الشعبي اسوم روحي ، وانا روحي سايمها، فهي استعمال مجازي، والمعنى أخاطر بروحي اعرضها للهلاك من أجلك.
جاء في المعجم الوسيط لمجمع القاهرة :”سام السلعة عرضها للبيع”. وسام هنا غير ساوم بمعنى المساومة والمفاوضة في السعر.
سراية:
يقول: “سراية الأرض المزروعة أو التي زرعت العام السابق. بعد أن تهحر الأرض تسمى سراية وينمو فيها شجر الصمغ”.
واقول بايجاز لبيان المعنى الصحيح. الاراضي الزراعية المطرية صنفين: أرض بور وهي التي لم تفتح ولم تزرع، وأرض سراية وهي الأرض التي فتحت وزرعت وتزرع سنويا حتى تبرد اي حتى تفقد حرارة خصوبتها، فإذا فقدت خصوبتها تترك دون فلاحة لعدة سنوات حتى تستعيد خصوبتها مرة أخرى وتسمى طيلة هذه الفترة بورة. فإذا استعيدت زراعتها تسمى سراية ايضا، وهكذا دواليك. وظني ان اللفظ سراية مشتق من التسري.
ام شبتو:
يقول في مادة شبت: “ام شبتو سودانية، حبل العنكبوت. بيت العنكبوت”. واقول ام شبتو هي العنكبوت نفسها في اللهجة السودانية. يقال ام شبتو للعنكبوت، وبيت ام شبنو لبيت العنكبوت. وام هنا تعني ذات، وبذا يكون معنى الاسم ذات الشبت وهو الشبث قلبت الثاء تاء.
جاء بالمعجم الوسيط لمجمع القاهرة: “الشبث نوع من العناكب يسميه العامة: ابو شبت”.
ام شتيح:
يقول في مادة شتح: “ام شتيح صفة للمرأة”. واقول ام شتيح صفة للمرأة القصيرة القامة وليست كل امرأة. وذلك ان شتح ويتشتح يعني يباعد ما بين رجليه. وقصر المسافة هذه دليل على قصر القامة. وشتيح تصغير شتح. وام هنا تعني ذات كذا. اي ذات الشتيح.
شختور:
يقول : شختور، القطعة الكثيفة من السحاب في بادية البطانة وهي مولدة من لهجة الشام”.
واقول شختور لفظة سودانية عامة وليست خاصة ببادية البطانة فقط، كما أنها ليست مولدة عن لهجة الشام بل هي لفظة سودانية بالاصالة. والشختور السحابة الخفيفة الواحدة تمطر في رقعة محدودة وتنزل في شكل زخات ترى من بعيد. يقولون وهم يرجون المطر الكثيف العميم :داك شختور نزل في بلاد (زراعة) فلان.
شاو:
يقول: “شاو ثمرة الاراك. وهو شجيرة أيضا”. واقول الشاو هو شجر الاراك نفسه. يسمى اراك ويسمى شاو في السودان. والأخيرة يغلب استعمالها في كردفان وربما مناطق اخرى، بينما يغلب استعمال اراك بمناطق بحر النيل. وورود كلمة شاو في شعر خليل فرح الامدرماني دليل على استعمالها في بعض مناطق بحر النيل. يقول في اغنية في الضواحي:”شوف فريع الشاو مين امالو”. يشبه المحبوبة بفرع الشاو اي الاراك.
شويم وشيوم :
يقول في مادة شيوم. شيوم سودانية رحلة متميزة لها علاقة بالحب والزواج”. وفي مادة شويم يقول :” شويم سودانية، شويم شال الجداية: مشى في جماعة. قال الحاردلو، كم شويم ليهن في كثرة أو في قلة اي كم شديت إليهم الرحال في كثرة من الرفاق أو قلة”. انتهى.
واقول تفسيره لأغنية السيرة، وكلام الحاردلو غير صحيح. وذلك ان شويم تعني تطلع وقصد وسار، ولا يشترط في ذلك الجماعة كثروا أو قلوا. وشيوم تعني القصد والسير الي الهدف. وقول الاغنية: شويم شال الجداية، تعني نظر وتطلع اي العريس، ثم قصد وسار الي الجداية واخذها. والجداية الظبية وهي فصيحة، ويكني بها عن المحبوبة.
وأصل اللفظ شويم في اللغة شام شيما وشيوما. اشتقت شويم السودانية من الاسم شيوم الفصيحة. والشُّيوم في العربية النظر والتطلع بلهفة لرؤية شيء مستحب والطلب بجد في حصوله.
جاء بمعجم لسان العرب: “شامَ يشِيم شَيْماً وشُيوْماً. وشامَ السحابَ والبرقَ شَيْماً: نظر إليه أين يقصد وأين يمطر. وشِمتُ البرقَ إذا نظرتُ إلى سحابته أين تمطر. وشِمتُ مخايل الشيء إذا تطلعت نحوها ببصرك منتظرا له”.
يقول الحاردلو الشاعر القومي الكبير متحسراً حين أصابه الكبر:
كم شويم ليهن وقت عدال أيامي
شيخ الاتبراوي وفيهو ماشي كلامي
قوله: “كم شوْيَم ليهن” أي كم اشتقت إليهن وكم دفعني الشوق في شبابي إلى ركوب الأهوال وخوض نهر “اتبرا” مراراً من أجل زيارتهن والفوز بوصالهن.
ويقول شاعر المديح النبوي ود تميم قاصدا زيارة قبر النبي (ص) على جمله:
شديت أصهباً خَباب * علقْ فوقه زاد وكتابُ
سافر ليلهُ فوق مضرابهُ * شويَمْ طالبهُ في محرابهُ
“شويَمْ طالبه في محرابه” يممتُ شطر محرابه قاصداً زيارته. وعبارة “طالبه في محرابه” تفسير وتوكيد لكلمة “شويَمْ”.
هذا ولا صلة لشويم وشيوم السودانية بشيوم الحبشية وذلك على النحو الذي ذهب اليه احد الباحثين السودانيين في هذه المادة. وكان معجم لسان العرب قد ذكر في المادة المذكورة قوله: “قومٌ شيوم: آمنون، حبشية. ومن كلام النجاشي لقريش: اذهبوا فأنتم شيومٌ بأرضي”. انتهى.
ونحن نرى ان شيوم أو سيوم الحبشية بمعنى الأمن والسلم مشتقة من الجذر السامي سلم وشلم. فكلمة سلام العربية هي في العبرية “شلوم” وفي والسريانية “شلاما”.
وهذه لا علاقة لها البتة بالكلمات العربية السودانية: شامَ وشويْم وشيْمٌ وشيومٌ. فمعنى السلام والأمن، لا ينطبق على أي شاهد سواء في اللهجة السودانية أو اللغة العربية. فكل الشواهد الشعرية التي أوردناها وغيرها، سواء من الشعر العربي أو الشعر السوداني سوف لن تستقيم معانيها إذا صرفناها إلى معنى السلام والطمأنينة، بل سوف نحصل على نقيض المعنى المراد في كل شاهد.
المراجع والمصادر:
١- عون الشريف قاسم، قاموس اللهجة العامية في السودان، المكتب المصري الحديث، القاهرة، ط٢ ١٩٨٥
٢-محمد النور ود ضيف الله، كتاب الطبقات في خصوص الاولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، تحقيق وتعليق وتقديم: الدكتور يوسف فضل حسن، دار التاليف والترجمة والنشر- جامعة الخرطوم، الطبعة الرابعة 1992.
٣- ابن منظور المصري، معجم لسان العرب، دار احياء التراث العرب، بيروت، الطبعة الثالثة.
٤- الفيروزآبادي، معجم القاموس المحيط، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثالثة 2008.
٥- اسماعيل بن حماد الجوهري، معجم الصِحاح، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى 2005.
٦- جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وانواعها، دار الفكر الطباعة والنشر، بدون تاريخ
٧- المعجم الوسيط، معجم اللغة العربية بالقاهرة.
٨- ابراهيم السامرائي، درس تاريخي في اللغات المحكية، دار العلم الملايين، ٢٠٠٠
عبد المنعم عجب الفَيا
٦ أغسطس ٢٠٢٥
abusara21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم