تحديد الهوية (1)

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
ما الهوية؟ هي مركب من المعايير، ذلك الذي يفسح المجال لتعريف موضوع أو شعور داخلي ما. ويحتوي هذا الشعور بالهوية مجموعة من المشاعر المتباينة، كالشعور بالوحدة، وبالتكامل، وبالانتماء، وبالقيمة، وبالاستقلال، وبالشعور بالثقة المبني على أساس من إرادة الوجود.
ويطلق مصطلح “الهوية” على نظام من المعايير التي بها يُعرف الفرد ويُعرّف، وينعكس ذلك على هوية الجماعة وهوية المجتمع والهوية الثقافية. ويعتبر هذا المفهوم من المفاهيم المركزية، التي لا تغيب عن المجالات العلمية المختلفة المتعددة ولا سيما في حقول العلوم الإنسانية التي تأخذ الطابع الاجتماعي. وينظر اليه، بالتالي، على أنه أكثر المصطلحات أو المفاهيم تغلغلاً في أحشاء حياتنا الثقافية والاجتماعية اليومية، ومن أعظمها شهرةً واستعمالاً.
وبالرغم من ظاهرها البسيط السطحي، الذي وضح فيها مفهوم الهوية، فانه، وعلى خلاف ذلك، يحتوي على مقدار عالي من الصعوبة ومن التعقيد ومن المشاكلة، ويعود ذلك الي أنه شديد التنوع في دلالاته وفي اصطلاحاته.
فالهوية لا تعتبر كياناً يمنح كتلة واحدة والي الأبد، ولكنها جوهر يُخلق ويتطور وينمو، ويتشكل ويتغاير، ويشيخ ويعاني من الصعوبات، ومن الأزمات الوجودية ومن الاستلاب. وعندما همّ الانسان يفتش في كينونته وفي جوهره وفي نفسه ليرسم هويته وقع في معمعة الثنائيات السطحية اللامتناهية، فهذا الانسان هو جسد وروح، وهو عقل وشهوة، وهو مادة ووعي، وما ذكرناه يعتبر شيء من الثنائيات المفترضة التي منها انطلق الانسان ليعرف نفسه ويعي ذاته.
وإذا كانت هذه الهوية حقاً تتطور وتنمو ثم تتكامل وتنضج، وإذا كانت، فعلاً، هي حقيقة وجودية تحتوي على عناصر وجودها، وعوامل نمائها، فإنها، (استناداً على منطق الأشياء)، تحتضن بذور فنائها وانشطاراتها، لأنها تتعرض، وبفعل مؤثرات عديدة تربوية واجتماعية وثقافية، للتشويه وللانكسار. (أليكس ميكشللي، 1993)
وكلنا نعرف بأن هذا الوجود الإنساني يكون في بدن، وهذا البدن لا بد أن يكون في مكان، ولكن وبالرغم من ذلك فهو مستقل عن البدن وعن المكان. فهو وجود مثالي في حيز أو في مكان مطلق. فالبدن هو الذي يحمل الروح ويحضنها، والمكان هو حامل البدن. وتكلم المتصوفة عن جغرافيا الروح، بمعنى أن الروح هي المكان وهي المناطق وهي الأقاليم.
والسؤال هنا.. هل تنشأ الهوية من العرق؟ فمثلاً الهوية الأمازيغية تنسب الي الامازيغ، والدرزية الي الدروز، والكردية الي الأكراد، وهكذا. وتعتبر هي الأعراق الغالبة في المحيط العربي. فهل هذا العرق هو الماهية، وهل هو الوجود؟ الإجابة دائماً تكون: “لا”، ليس هو الماهية، وليس هو الوجود. فالعرق ما هو الا مادة طبيعية ما بقي الانسان موجوداً بيولوجياً. وكل الأحياء هي عبارة عن سلالات، ودائماً الانسان يتفوق عن بقية السلالات بأنه حيوان ناطق، بمعنى أنه حيوان عاقل. وليس من السهولة بمكان تحديد الأعراق، وذلك للتداخل بينها من خلال التزاوج ومن خلال الهجرات، بل أيضاً بسبب الحروب والغزوات.
أحياناً، قد يتحد ويندمج العرق بالطائفة مثل الدروز والدرزية. ويعتبر العرق بمثابة سلالة بيولوجية لا دخل للإنسان فيها قط. وللإنسان أكثر من مجرد سلالة. والهوية لا علاقة لها بالسلالة، ولكنها على علاقة بالوعي الخالص. والوعي الخالص هو هوية خالصة، وعي ذاتي لا رابط له بالبدن ولا صلة.
ونجد أن كل النظريات العنصرية تستند على ربط الهوية بالعرق وربطها بالسلالة. وهذا ما كان هو الغالب وهو السائد في النظريات البيولوجية في القرن التاسع عشر في الغرب، عندما ازدهرت هناك عندهم العلوم الحيوية وذلك بفضل نظرية التطور والنشوء والارتقاء، وتحدت نظرية الخلق التي تقوم وتعتمد على أن الشيء يخرج من لا شيء، في الوقت الذي تقول فيه نظرية التطور أن الشيء يخرج من شيء، حتى في التطور غير المستمر أو التطور المنقطع الذي يسمح بوجود الطفرة. ومصير البدن الفناء ولكن تظل الذكرى باقية، ولا ينقطع العمل الصالح بعد الفناء وبعد الموت. نعم تتماثل وتتشابه السلالات في مادتها العضوية، ولكن يكون هناك تباين في الأعمال.
والسؤال الثاني الذي يفرض نفسه علينا وهو، هل تنشأ الهوية من الطائفية؟ فتوجد هناك الهوية الشيعية أساساً للدولة الشيعية. ولكن، أليس هذا يسبب خطراً على وحدة الأوطان، التي تتشكل من عدد من الطوائف، كلبنان وكسوريا وكالعراق.. وهمجرا؟ بل، تجدنا واجدين هناك في أوربا وفي دولها كثير من الطوائف، كالبروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس. وليس كفاية ولا شافي ذكر كلمة الإسلام ديناً رسمياً للدولة في بعض الدساتير، ولكن، أيضاً، تعيين الطائفة.
اذن! ما هي الطائفة؟ ومن أين جاءت أو من أين أتوا بها؟ ونقول بعد الحمد لله وشكره على نعمة العقل، بأن الطائفة هي نتاج خلاف تاريخي في الدين بين عدد من القوي السياسية المتنازعة والمتصارعة على السلطة.
وبعد، هل يمكن أن نحدد الهوية؟ ومم تنشأ؟ وهل هي هوية المكان؟ فالإنسان يخلق في قطعة من الأرض، في بلد، وفي دولة، وفي وطن. ينشأ هنا فيه ويترعرع فيه ويشب عن الطوق وهو منبت هذه الأرض وهو ابنها. هذه الأرض التي شهدت طفولته واستمتعت بصباه، وراقبت رجولته وحنت على شيخوخته، فبينهما علاقة انتماء وحب، كلما غادره، أي غادر الوطن، حن اليه وسريعاً عاد وارتمي في حضنه وفي احضانه. وطالما سُطرت الخطب ولُحنت الأغاني في الأوطان وفي الحنين اليها، وياما بكت الربابة تعبيراً عن آلام البعاد وعذاباته، وحتمية عودة “الطيور المهاجرة”. (حسن حنفي، 2012) …
غريب..
وحيد في غربتو
حيران..
يكفكف دمعتو
حزنان..
يغالب لوعتو
ويتمنى
بس لي أوبتو (عودته)
طال بيه الحنين
فاض بيه الشجن
والتغرب والتغريب أو النفي من الأوطان لفترة محددة يعتبر عقوبة وحماية للمجتمع من سوء أفعال صاحبها. وكتب الجاحظ الكثير عن الحنين الي الأوطان، نختار نتفات بسيطة مما خطه بالدمع السخين….
((ان لكل شيء من العلم ونوع من الحكمة وصنف من الأدب – سبباً يدعو الي تأليف ما كان فيه مشتتاً، ومعنى يحدو على جمع ما كان متفرقاً، ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار واستنباط الآثار، وضم كل جوهر نفيس الي شكله، وتأليف كل نادر من الحكمة الي مثله، – بطلت الحكمة وضاع العلم -وأُميت الأدب- ودرس مستور كل نادر، ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر، لبطل أول العلم وضاع آخره، ولذلك قيل، لا يزال الناس بخير ما بقي الأول يتعلم منه الآخر.
وان السبب على جمع نُتف من أخبار العرب في حنينها الي أوطانها، وشوقها الي ترابها وبلدانها، ووصفها في أشعارها توقد النار في أكبادها، – أني فاوضت بعض من انتقل من الملوك في ذكر الديار، والنزاع الي الأوطان، فسمعتهُ يذكر أنه اغترب من بلد الي بلد أمهد من وطنه، وأعمر من مكانه، وأخصب من جنابه، ولم يزل عظيم الشأن، جليل السلطان تدين له من عشائر العرب ساداتها وفتيانُها، ومن شعوب العجم أنجادها وشجعانها، يقود الجيوش ويسوس الحروب، وليس ببابه الا راغب اليه او راهب منه، فكان اذ ذكر التربة والوطن حن اليه حنين الابل الي أعطانها، وكان كما قال الشاعر:
إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي
وأضحى فؤادي نهبةً للهماهم
حنيناً الي أرض بها اخضر شاربي
وحُلت بها عني عقودُ التمائم
وألطفُ قوم بالفتى أهلُ أرضه
وأرعاهمُ للمرء حق التقادم
وكما قال الآخر:
يقرُّ بعيني أن أرى من مكانه
ذُرا عقدات الأبرق المتقاود
وأن أرد الماء الذي شربت به
سُلمى وقد مل السري كلُّ واحد
وألصق أحشائي ببرد ترابه
وان كان مخلوطاً بسم الأساود
فقلت: لئن قلت ذلك لقد قالت العجم: من علامة الرشد أن تكون النفسُ الي مولدها مشتاقة، والي مسقط رأسها تواقة. وقالت الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك – لأن غذاءك منهما وأنت جنين – وغذاءهما منه.
وقال آخر: احفظ بلداً رشحك غذاؤه، وارع حمى أكنك فناؤه. وأولى البلدان بصبابتك اليه بلد رضعت ماءه، وطعمت غذاءه، وكان يقال: أرض الرجل ظئره ودارهُ مهده، والغريب النائي عن بلده المتنحي عن أهله – كالثور الناد عن وطنه – الذي هو لكل رام قنيصه، وقال آخر : الكريم يحن الي جنابه، كما يحن الأسد الي غابة، وقال آخر الحالي عن مسقط رأسه ومحل رضاعه كالعير الناشط عن بلده الذي هو لكل سبُع قنيصة، ولكل رام دريئة، وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة – كما تغرس الولادة في القلب رقة وحفاوة، وقال آخر: اذا كان الطائر يحن الي أوكاره فالإنسان أحق بالحنين الي أوطانه، وقالت الحكماء: الحنين من رقة القلب – ورقة القلب من الرعاية – والرعاية من الرحمة – والرحمة من كرم الفطرة – وكرم الفطرة من طهارة الرشدة – وطهارة الرشدة من كرم المحتد، وقال آخر: ميلك الي مولدك من كرم محتدك، وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يسرك في غربتك، وأنشد:
لقرب الدار في الاقتار خير
من العيش الموسع في اغتراب))
….. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …