محمود عثمان رزق
mahmoudrizig3@gmail.com
08/19/2025
النظرية القديمة:
النظرية القديمة للبصر عبر العين الإنسانية كانت مثار جدل شديد بين الفلاسفة والعلماء القدماء، وظهرت مدرستان أساسيتان قبل أن يستقر العلم الحديث على تفسير ابن الهيثم المعروف اليوم. فالنظرية القديمة تبنّاها أفلاطون ( القرن الرابع قبل الميلاد) وبعض فلاسفة اليونان، وطورها لاحقًا إقليدس (القرن الثالث قبل الميلاد) وبطليموس (القرن الثاني قبل الميلاد) وتسمى نظرية الإنبعاث أو نظرية الشعاع البصري وفكرتها أنّ العين تبعث أشعة أو “نارًا لطيفة” تخرج منها وتلامس الأجسام، وعند اصطدام هذه الأشعة بالأشياء يتكوّن البصر ودليلهم الذي طرحوه هو أننا نرى الأجسام البعيدة فورًا عندما نفتح أعيننا، فاعتقدوا أنّ العين تبعث شيئًا بسرعة هائلة فيتصل بالأشياء فتصبح مرئيات.
النظرية الإسلامية:
إن نظرية “الإنبعاث” اليونانية جوبهت بنظرية علمية إسلامية متكاملة سميت بنظرية “الورود” قادها الكندي في القرن الثاني من الهجرة وبلغت أوجها عند ابن الهيثم في القرن الرابع من الهجرة في كتابه “المناظر” الذي أثبت فيه عبر تجربة علمية حقيقية في غرفة مظلمة أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة، وأنّ العين لا تُصدر أشعة، وأنّ الضوء يردها من الخارج لتتمكن من رؤية الأشياء. وقال ابن الهيثم إن الأشعة عندما تقع على الأشياء تنعكس صور الأشياء على جدار العين الخلفي (الشبكية) بصورة مقلوبة ثم يصحح الإنقلاب داخلياً بواسطة القرنية فترى العين الأشياء على حقيقتها. إذن ابن الهيثم أثبت بالتجربة العلمية أنّ العين لا تُصدر أشعة كما كان يعتقد علماء وفلاسفة اليونان، بل الضوء هو الذي يساعد العين في رؤية الأشياء، وهذه الإثباتات العلمية مهّدت للإكتشافات الحديثة في علم البصريات ومهدت أيضاً لإختراع الكاميرا. ومع مرور الزمن وتقدم التجربة، ثبتت صحة نظرية الورود التي قال بها ابن الهيثم، وأصبحت هي الأساس الذي بُني عليه علم البصريات الحديث ومهّدت لاكتشافات عظيمة لاحقة في علم البصريات وعملية الإبصار شاركت فيها شعوب أخرى.
الأساس القرآني لنظرية ابن الهيثم:
يقول الله تعالى الذي علم الإنسان ما لم يعلم في مسألة الإبصار في:
- سورة يونس 67: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)
- سورة غافر 61 : (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ)
- سورة النمل 86 ( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )
واستعمال القرآن لكلمة “مُبصرًاً” بدلًا من “مضيئًا ” في هذه الآيات دقيقٌ جدًّا وله دلالة علمية بليغة لأن النهار ليس مصدر ضوء بذاته، فمصدر الضؤ هو الشمس وهي السِرَاجً الوهَّاجً، أمّا “إلنهار” هو زمن أو ظرف يظهر فيه النور الذي هو شعاع الشمس الذي تُبصر بسببه الأشياء وهذا صحيح علميًّا. وقد أثبته تجريبياً ابن الهيثم في تجربة الغرفة المظلمة. فكلمة “مُبصرًا” تعني أنه يجعل العيون تبصر الأشياء. وهذه الحقيقة العلمية قررها القرآن الكريم قبل ابن الهيثم والكندي بأكثر من 400 سنة هجرية فلابد أن يكون الكندي وابن الهيثم في قراءتهما وسماعهما للقرآن الكريم قد اختزنا في اللاشعور الحقيقة القرآنية قم أخرجاها للشعور في شكل نظرية ثم أثبتا بالتجربة صحة ما ذهب إليه القرآن الكريم ثم أصبحت حقيقة علمية لا جدال فيها. وفعلاً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ هذا القرآن لا تنقضي عجائبه!!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم