انهيار النخبة السودانية القديمة: النخبة ودور المثقف (٣-٥)

اقارب فكرة “العلاقة بين المثقف والنخبة” من خلال سؤال هل المثقف مجرد تابع للنخبة أم صانع لها؟ بالاستفادة من بورديو، غرامشي، وتجربة السودان. المثقف حسب بورديو هو منتج الرأسمال الرمزي (الأفكار، المعارف، الرموز، الخطاب). النخبة تحتاج دومًا إلى شرعية رمزية، أي خطاب يبرر وجودها وهيمنتها. هنا يأتي دور المثقف: فهو الذي يكتب الدستور، يؤسس الصحف، يضع المناهج التعليمية، ويُشرعن الخطاب السياسي وغيرها. لذلك، المثقفون ليسوا فقط جزءًا من النخبة، بل هم مُصنِّعوها عبر إنتاج الرموز والأفكار التي تعطيها الشرعية.

في السياقات السياسية غير المستقرة (مثل السودان)، النخبة غالبًا لا تختفي، بل تُعاد تدويرها وبعد كل انقلاب عسكري، نجد مجموعة من المثقفين تنتقل لدعم السلطة الجديدة بخطاب شرعي (اشتراكي، قومي، إسلامي، إلخ). هذا التدوير يجعل النخبة تبدو “جديدة”، لكنها في الواقع إعادة إنتاج للوجوه نفسها بخطاب مختلف. هنا المثقف يتحول إلى وسيط لإعادة إنتاج السلطة، أشبه بـ”المترجم الثقافي” الذي يغيّر اللغة لا الجوهر.

في لحظات التحول الكبرى (الاستقلال، الثورات، الانتفاضات)، يظهر دور المثقفين في محاولات خلق نخبة بديلة. كما فعل مثقفو كلية غوردون وأندية الخرطوم في الثلاثينات وصنعوا النخبة الوطنية الحديثة ومثل مثقفو جامعة الخرطوم في الستينات لعبوا دورًا في خلق نخبة يسارية/اشتراكية ومثقفو الحركة الإسلامية في السبعينات–الثمانينات (مثل حسن الترابي) خلقوا نخبة إسلامية جديدة سيطرت لاحقًا على الدولة. إذن المثقف قد يكون قاطرة تاريخية لخلق نخبة بديلة، إذا امتلك خطابًا قادرًا على التعبئة الجماهيرية.

جدلية المثقف–النخبة تحدث فيها غرامشي اشهر من تناول هذه القضية عن “المثقف العضوي” الذي يرتبط بالطبقات الشعبية ويصنع نخبة مضادة للهيمنة. اما بورديو فقد ركّز على أن المثقفين يملكون “رأسمالًا رمزيًا” يتيح لهم إما الانخراط في النخبة المسيطرة أو مواجهتها. الجمع بينهما يفيدنا في السودان: المثقف السوداني ظلّ يتأرجح بين أن يكون خادمًا للسلطة أو صوتًا للمعارضة، لكن لم ينجح “غالبًا” في تكوين “نخبة عضوية” مرتبطة بعمق مع الشعب. عليه فالمثقف صانع شرعية لانه لا توجد نخبة مستقرة دون خطاب يمنحها قبولًا اجتماعيًا. كما ان المثقف وسيط للتدوير فهو من يغيّر “اللغة” (الاشتراكية/الإسلامية/الوطنية) بينما تظل بنية السلطة واحدة. والمثقف محرك للخلق: عند لحظات الانفجار (ثورة/انتفاضة)، يمكن أن يكون المثقف هو الذي يفتح أفق نخبة بديلة.

اثناء التركية المصرية 1821 – 1885 كان دور المثقف صناعة نخبة بيروقراطية جديدة وكان المثقفون الكتبة والمتعلمون في دواوين الدولة. وأنتجت صفوة إدارية مرتبطة بجهاز الحكم التركي–المصري. اثناء المهدية 1885 – 1898 كان الدور خلق نخبة دينية–عسكرية وعمادها العلماء والدعاة المرتبطون بالمهدي والخليفة وكانت النخبة المنتجة قيادة دينية جهادية جمعت الشرعية الدينية والعسكرية. اثناء الحكم الثنائي 1898 – 1956 صنعت نخبة وطنية حديثة عبر خريجي كلية غوردون، الصحفيون، قادة الأندية الأدبية ومؤتمر الخريجين وكانت النخبة الناتجة: نخبة الاستقلال (الأزهري، المهدي، المحجوب). انقلاب عبود 1958 – 1964 كان دور المثقفون تدوير النخبة بخطاب تحديثي وتكونت من بعض التكنوقراط والمثقفين انخرطوا مع النظام العسكري لتنتج تحالف عسكر + تكنوقراط. 1964 (ثورة أكتوبر)كان دورهم خلق نخبة ثورية جديدة. من المثقفون: طلاب، شعراء أساتذة جامعة الخرطوم. أنتجت حكومة انتقالية بقيادة القوى الحديثة. 1969 – 1985 (نميري) الدور: تدوير النخبة أولاً بخطاب اشتراكي، ثم لاحقًا بخطاب إسلامي كان المثقفون: شيوعيون وقوميون عرب في البداية، ثم مثقفون إسلاميون (بعد 1977) خلقت نخبة هجينة (عسكر + مثقفين أيديولوجيين). انتفاضة ١٩٨٥ كان الدور خلق نخبة انتقالية جديدة والمثقفون: النقابيون، أساتذة الجامعة، الصحفيون والنخبة الناتجة حكومة انتقالية مدنية قصيرة العمر. 1989 – 2018 (نظام الإنقاذ) الدور صناعة نخبة إسلامية حاكمة والمثقفون: الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي ومثقفيها. النخبة الناتجة نخبة إسلامية مسيطرة عبر الجيش والاقتصاد.2018 – 2019 (ثورة ديسمبر) الدور المفترض خلق نخبة ثورية جديدة والمثقفون: الشباب، لجان المقاومة، الكُتاب والفنانون والسياسيون المستقلون والنخبة الناتجة حكومة انتقالية مدنية–عسكرية، أعادت تدوير جزء من النخبة القديمة مع بروز وجوه جديدة. النتيجة العامة ان المثقف في السودان لعب أدوارًا متناقضة: صانع شرعية للسلطة، وسيط لتدويرها، أو قاطرة لخلق نخبة بديلة. لكن أزمة الحقيقية في السودان تكمن في أن كل نخبة جديدة لم تستطع الانفصال تمامًا عن إرث النخبة القديمة، مما أدى إلى إعادة إنتاج الأزمات.

ملامح الحالة السودانية: عند الاستقلال (1956): المثقفون صاغوا خطاب الوطنية (الأحزاب، الصحف). في الانقلابات (1958، 1969، 1989، 2022): جزء من المثقفين تحالف مع العسكر وصنع نخبة حاكمة هجينة (عسكر + مثقفين). اثناء الثورات (1964، 1985، 2018): المثقفون كانوا في طليعة خلق خطاب جديد، لكن سرعان ما استُبعدوا أو أعيد تدويرهم في نظام السلطة الجديد. وكانت النتيجة الأزمة المستمرة في الفشل في تأسيس نخبة مستقلة ديمقراطية.

مراجع مقترحة

  • أنطونيو غرامشي – كراسات السجن (مفهوم المثقف العضوي).
  • بيير بورديو – التمييز والتلفزيون وآليات التلاعب.
  • حيدر إبراهيم علي – المثقفون والسلطة في السودان.
  • عبد الله علي إبراهيم – المثقفون والسلطة في السودان: جدلية الإبداع والالتزام.
  • منصور خالد – النخبة السودانية وإدمان الفشل.
    . عمرو محمد عباس؛ الرؤية السودانية انتاج الفشل (٢٠١٣)

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …