حرب السودان 2023 وغزو الجنجويد للوطن والمعركة بينهم وبين الوطن أعادت طرح سؤال النخبة السودانية من جديد: هل لا تزال قادرة على إنتاج مشروع وطني جامع، أم أنها أصبحت جزءًا من الأزمة ذاتها؟ يمكن رصد الإشكالات الأساسية في تفكك النخبة وانقسامها فالنخبة السودانية اليوم موزعة بين: نخبة سياسية تقليدية (الأحزاب الطائفية: الأمة، الاتحادي)، نخبة أيديولوجية (إسلاميون، يساريون، قوميون)، نخبة عسكرية–أمنية (الجيش + الدعم السريع + المليشيات)، نخبة مدنية جديدة (لجان المقاومة، نشطاء الثورة، مثقفون مستقلون). الحرب فجّرت التناقضات بينهم: البعض اصطف مع الجيش، آخرون حاولوا التوازن، وهناك من تماهى مع الجنجويد بحكم المصالح والنتيجة: غياب خطاب جامع للنخبة السودانية بعد 2023.
هناك أزمة الشرعية فمعظم النخب التقليدية فقدت شرعيتها فالطائفية متهمة بالتواطؤ مع العسكر والإسلاميون والجنجويد ومتهمون بأنهم أصل الأزمة والنخبة المدنية فشلت في إدارة المرحلة الانتقالية (2019–2021) والجماهير، خاصة الشباب، باتت ترى في النخب “أدوات فشل” لا تمثلها والنتيجة: أزمة ثقة بين المجتمع والنخبة. أضاف الارتباط بالخارج عاملاً مهما فجزء من النخبة أصبح مرتهنًا لأجندات إقليمية ودولية (الإمارات، مصر، السعودية، قطر، أمريكا). والتمويل الخارجي والتحالفات السياسية جعلت النخبة جزءًا من صراع الوكالات بدل أن تكون قيادة وطنية مستقلة والنتيجة: تحول النخبة إلى “وسيط مصالح إقليمية” أكثر من كونها ممثلة لمشروع وطني.
لكن اكبر المؤثرات كانت في فقدان الرأسمال الرمزي فالمثقف السوداني، الذي كان سابقًا يلعب دور “ضمير الأمة”، وجد نفسه مهمشًا أو مستقطبًا من طرفي الغزو والدولة مع إعلام حر ضعيف، والجامعات مدمّرة، والمراكز الثقافية مغلقة. هذا يجعل النخبة عاجزة عن إنتاج خطاب بديل يواجه الحرب ويدعو لبناء الدولة والنتيجة: فراغ فكري وسياسي في المشهد.
ادى هذا لغياب مشروع الدولة الوطنية لان النخبة السودانية منذ الاستقلال لم تنجح في بناء مشروع وطني شامل. وبعد حرب 2023، تفاقمت الأزمة: حول الهوية: عرب/أفارقة، إسلام/علمانية والمركز والهامش: الخرطوم مقابل الأقاليم (دارفور، الشرق، كردفان). والعسكر والمدنيون: صراع السلطة. هذه التناقضات جعلت النخبة في حالة شلل كامل أمام مشروع بناء دولة.
أزمة النخبة الجديدة (ما بعد الثورة) فلجان المقاومة والشباب الذين قادوا ثورة 2018–2019 كانوا مرشحين ليكونوا “نخبة جديدة”ولكن الحرب شتّتت صفوفهم: البعض انخرط في العمل الإغاثي والبعض الآخر انحاز لأحد طرفي الحرب وكثيرون هاجروا كما يحدث غالبا بعد أزمات الفشل كما حدث في ٢٠١٣ وكانت النتيجة: ضياع فرصة تشكّل نخبة ثورية عضوية تمثل الشارع.
إشكالات النخبة السودانية بعد حرب 2023 يمكن تلخيصها في: الانقسام والتفكك الداخلي؛ فقدان الشرعية والثقة الجماهيرية؛ الارتهان للمصالح الخارجية؛العجز عن إنتاج خطاب جامع أو بديل؛ غياب مشروع وطني لبناء الدولة وتشتت النخبة الجديدة (الشباب/لجان المقاومة).والنتيجة الكبرى: النخبة السودانية اليوم ليست قادرة على إنهاء الحرب ولا على تقديم بديل، ما يفتح المجال أمام سيناريو “نخب بديلة” قد تتشكل من الشتات، أو من حركات الهامش، أو من تحالفات جديدة بعد الحرب.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم