خيط النور
هل تساءلنا يومًا، لماذا نحب لونًا معينًا دون الآخر؟ لعل الإجابة تكمن بين ظهراني حالتنا العاطفية، نضجنا، وطفولتنا، فكل مرحلة من حياتنا تغير اختياراتنا، وتلون واقعنا بطريقة مختلفة.
لطالما أحببت الألوان، لكنها لم تعد مجرد ظلال على الجدران أو في الملابس، وإنما صارت تعكس حياتي، وتنسج حكايات الأشخاص من حولي. كنت أهوى الألوان الفاقعة، الأحمر والبرتقالي، كأنهما يعلنان عن حماسة الشباب ونشوة الأيام. لكن بعد سامر وراندي، تغير ذوقي شيئًا فشيئًا. صار الفيروزي والبمبي الفاتح يأسرني، ربما لأنه يحمل هدوءًا ينسجم مع صغاري، ومع روح الامومة التي تسكنني الآن، أكثر من الجرأة القديمة.
سامر، بحبه للأزرق الفاتح، أو الفيروزي كما أحب أن أسميه، يعكس هدوءه الداخلي وعمق تفكيره الصغير، وشغفه الكبير للاكتشاف. أراه يغرق في لعبه، وكتبه بالأزرق الفاتح، وكأن الصفحات تتماهى مع هدوئه، وتتحول قراءته إلى بحر من الهدوء والتأمل.
أما راندي، بميلها للبمبي، فهي تملأ البيت بالنعومة والبراءة، تجعل الألوان رحلة يومية من الطفولة. ألاحظها تختار لعبها وملابسها بهذه الألوان، فتضفي على غرفتها ضوءًا رقيقًا، وكأن كل شيء حولها يبتسم معها.
زوجي يميل للبيجي الفاتح وأحيانًا البني، ألوان الثبات والدفء، تمامًا كما هو في طبعه؛ هادئ، كتوم، لكنه يمنح ثقلًا وطمأنينة تستقر في كل زاوية من يومنا. أراه في صباحاتنا الهادئة، يرشف قهوته في بيجي هادئ، وكأن اللون يوزع الهدوء على كل شيء حوله.
أختي تحب الأخضر، رمز البراءة والطيبة، تنثر الأمل في كل مكان تذهب إليه، كنسيم بكر يمر بخفة، يترك أثرًا لطيفًا على كل من حولها. وأحياناً تفضل البنفسجي، لون الرقة والخيال، يجمع بين الأحلام والروحانية والإبداع، كأنها تمشي في فضاء من الأحلام ملون بالهدوء والهمس. وصديقاتي اللواتي يفضلن الأحمر والأسود، يملأن حياتي بالحيوية والانطلاق، يذكّرنني دومًا بالحرية، بالحياة بلا قيود، بالجرأة على المشاعر والتجارب.
ابن أختي، كثيراً ما يشرق بالأصفر، رمز الضحك وخفة الروح، يسكنه دائمًا روح النكتة والمرح، فتضيء ضحكاته المنزل كما يضيء الصباح المبكر. بينما يميل في بعض الأوقات، إلى الأبيض لون الصفاء والبساطة، هادئ، كصفحة نظيفة تنتظر الكتابة، فيبعث في البيت شعورًا بالسكينة.
أخي يحب الأزرق الداكن، لون العمق والتأمل، يعكس الجدية والثقة، كالبحر الليلي المهيب، الذي يخبئ داخله كل أسرار الروح دون الحاجة للكلام.
أما أمي رحمها الله، فكانت تعشق الأخضر، وتقول دائمًا إنه “لون زينب”، لون الحب النقي والدفء الذي يظل حاضرًا في ذاكرتنا، كنسمة لطيفة من الماضي تحمل عبق الحنين، وتذكرني بأن بعض الألوان تبقى معنا، حتى لو غابت الأجساد.
في كل لون حكاية، وفي كل ظل مشاعر. أحيانًا أجد نفسي أتأملهم، أتأمل الألوان التي يحبونها، وأدرك أن اختياراتهم ليست مجرد ذوق، بل انعكاس لشخصياتهم، وللعلاقة التي تربطنا. الفيروزي الذي أحب لم يعد مجرد لون؛ صار نبض يومي، حكاية طفلي، وراحة روحي، ومسحة ضوء في كل تفاصيل حياتنا المشتركة.
ألوان يومي، شخصيات، ومشاعر، وذكريات. ومع كل صباح، ومع كل لون جديد، أعيد اكتشافهم، وأعيد اكتشاف نفسي. الألوان تجعل حياتنا لوحة حية، بعضها هادئ، وبعضها صاخب، لكنها جميعًا تضيف معنى وبهجة.
وأنتم، ما لون يومكم؟
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم