قلب بين إصبعين

خيط النور
قلب بين إصبعين
هل يمكن لإشارة صغيرة أن تحمل كل الحب؟
وهل يمكن لمشهد خاطف أن يُعبر عن مشاعر عميقة لم تستطع الكلمات التعبير عنها؟ بين سبابة وإبهام، يولد قلب صغير، لا يتجاوز حجمه قُبله في الهواء، لكنه يحمل في داخله كل ما تعجز عنه الجُمل الطويلة. شاهدت هذه الإيماءة لأول مرة في مسلسل كوري، حركة خاطفة لم تدم إلا لحظة، لكنها تركت في نفسي أثرًا يشبه ابتسامة مباغتة. الحب الذي طالما بحثنا له عن كلمات فخمة ورسائل طويلة وعناق يذيب المسافات، يظهر هنا متواضعًا، مطمئنًا، يكفي قلب يولد بين إصبعين.
في كوريا الجنوبية، لم تولد هذه الإيماءة من فراغ. صارت تعرف باسم Finger Heart، أي “قلب الأصابع”. بدأها بعض الفنانين الكوريين في الحفلات والمقابلات كطريقة سريعة ومرحة ليقولوا لمعجبيهم: نحن نحبكم. ومع مرور الوقت، تحولت من إشارة عابرة إلى لغةٍ كاملة يفهمها الصغير قبل الكبير. لم يعد الغناء وحده أو الكلمات وحدها تكفي، فصارت هذه الحركة الخفيفة رمزًا حاضرًا في الصور، المسلسلات، وحياة الناس اليومية. إنها ثقافة اختارت أن تعبّر عن الحب بلا ضجيج، بلا رسائل ضخمة، ولا مظاهر مبالغ فيها.
ورغم جذورها الكورية، فإن الإشارة تحمل رسالة أعمق تصل إلى أي إنسان يعرف معنى الحب: أحيانًا لا تحتاج المشاعر إلى كلمات كبيرة، ولا احتفالات ضخمة، ولا إيماءات معقدة. قلب صغير بين سبابة وإبهام يكفي ليقول: أحبك، أهتم بك، أنت مهم بالنسبة لي. في هذه الإيماءة نجد درسًا إنسانيًا: المشاعر العميقة لا تتطلب مساحة كبيرة، بل تكمن في التفاصيل الصغيرة، في لمسة خاطفة، في إشارات دقيقة يفهمها من يقدرها. الحب الحقيقي أحيانًا يكون خفيفًا، هادئًا، لكنه حاضر في كل ثانية.
وإذا تأملنا هذه الحركة بعيدًا عن جذورها الكورية، وجدنا فيها استعارة للحياة نفسها. فالحياة ما هي إلا ومضة صغيرة تحمل في طياتها عمرًا قد يطول ويقصر. لو عشنا بين السبابة والإبهام، لوجدنا أن ذاك القلب يختزل المعنى كله: الصدق، الاهتمام، الحنان، القرب، والوفاء. وكأنما صار الحب زهرة يانعة، السبابة عرقها، والإبهام رحيقها، والاثنان يسقيان المحبة.
تمامًا كما في الكتابة، حيث كلمة واحدة أو جملة قصيرة، قد تحمل أعماق شعور كامل، فإن قلب الأصابع يعلّمنا أن الأشياء الصغيرة يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا من الكبيرة. فالحياة سهلة، لا تحتاج لتعقيد، كالماء البارد؛ فقط تتطلب منا أن نجلس عندما نشرب، ونشرب على مهل، دون اندفاع.
في النهاية، تذكّرنا حركة قلب الأصابع أن الحب لا يحتاج دائمًا كلمات صاخبة أو إيماءات كبيرة. أحيانًا يكفي أن نصنع إشارات صغيرة، ابتسامة صادقة، نظرة مباغتة، أو لمسة خاطفة… لتخبر من نحبهم أنهم مهمون، وأننا هنا، بقلب حاضر، ولو في لحظة قصيرة. بين سبابة وإبهام يولد قلب صغير، لكنه يعلّمنا درسًا أكبر: أن الحب والحياة والجمال كثيرًا ما يتشكلون من لمسات دقيقة، إشارات خفية، وتفاصيل يمر عليها الآخرون دون أن يلتفتوا، لكنها عند من يعرف تترك أثرها الأبدي.

سؤالي لك: ما هي الإشارة الصغيرة التي تستطيع أن تصنع بها فرقًا في حياة من تحب؟

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد …