shamederyom@gmail.com
الشامي محمد
إنّ كثيرًا من الطلاسم لا تنكشف إلا حين نمعن التفكير بعمق، ونستدعي تلك التفاصيل الصغيرة التي لم تكن تعني لنا شيئًا في وقتها، لكنها تتحول لاحقًا إلى مفاتيح لفهم الصورة الكاملة. هكذا وجدت نفسي وأنا أحاول تفكيك شخصية (البعشوم).
في البدايات، كان المشهد بسيطًا: رجل يجاهر بالحق، يكشف فساد الكيزان، فيمنح الناس أملاً طال انتظاره جميعنا أحسنّا به الظن، وافترضنا أنه ابن أسرة وطنية وبيئة نقية نشأت على الحلال. وما زاد من رصيده أنه خصص حلقة كاملة عن الإرهابي صلاح قوش، ذاك الوجه الدموي لجهاز الأمن، فصفقنا له وعددناه في صف الوطنيين والشرفاء الذين وقفوا ضد القتلة وجلادي المعتقلات، لكن خلف هذه الصورة المضيئة كانت تختبئ أسئلة لم نطرحها بما يكفي: كيف لشخص “عادي” أن يمتلك القدرة على نشر ملفات سرية بالغة الحساسية، تستعصي حتى على كبريات المؤسسات الإعلامية؟ الحقيقة أن ما أظهره (البعشوم) لم يكن إمكانيات فرد، بل إمكانيات دولة كاملة.
ثم جاءت مناورة بالغة الذكاء: حلقة خصصها عن ضابط الأمن الإلكتروني علاء الدين يوسف، ذلك الذي كان في لحظة بث المظاهرات الشعبية مباشرة لرئاسة الجهاز الأمني في الخرطوم، روى (البعشوم) القصة بتفاصيل دقيقة: كيف شرطي أوقف علاء الدين بينما كان ينقل المظاهرة. لم يشك أحد حينها أن علاء الدين يوسف قد يكون هو نفسه (البعشوم). بل على العكس، كان (البعشوم) حاذقًا بما يكفي ليغلق كل الأبواب أمام هذا الاحتمال فمن قبل، كان البعض قد اتهمه مباشرة بأنه علاء الدين يوسف، لتشابه الأدوار وخدمة ذات الجهة لكن عبر تلك الحلقة، حيث كشف فساد علاء الدين وصلاته بالمؤتمر الوطني وملفات ميزانيات الجهاز الإعلامي للحزب الحاكم، استطاع (البعشوم) أن يبدد الشبهات تماما، ويكسب ثقة جمهوره من جديد.
غير أن الأحداث اللاحقة قلبت المشهد مع اندلاع الحرب، تغيّر محتوى حلقاته بشكل لافت: لم يعد يكتفي بفضح الإسلامويين أو الحديث عن علاء الدين يوسف، بل صار يتعامل مع ملفات مصرفية هائلة الحجم والخطورة فجأة، أصبح يخرج إلى الناس بكشوفات حسابات شخصية، شيكات، بيانات دقيقة عن شركات وأرصدة، وأسماء بنوك سُحبت منها الأموال هذه ليست تسريبات عابرة؛ بل ملفات متكاملة، بعضها من خارج حدود السودان. ملفات من هذا النوع قد تعجز حتى أجهزة المخابرات الكبرى عن جمعها وإتاحتها بهذا الشكل، وكان يفتخر (البعشوم) أن العديد من الجهات الحقوقية والاستقصائية عالمية اعتمدت معلوماته، وقد اصبحت صفحته مصدر ثقة للكثير من الجهات في العالم..!!.
السؤال التحليلي هنا يفرض نفسه: هل نحن إزاء فرد مغامر، أم واجهة مدروسة لمنظومة استخبارية تتعمد توجيه الرأي العام؟…
ولم يتوقف الغموض عند هذا الحد قبل أسبوعين فقط، عاد (البعشوم) إلى النشاط بعد فترة بيات طويلة، مبشرًا المشاهدين بسلسلة حلقات عن (ابوعاقلة كيكل هو قائد سابق لقوات الدعم السريع في السودان. ومؤخرًا، انشق وانضم إلى القوات المسلحة السودانية) كان الاستغراب عامًا: لماذا ينشغل بهذا الموضوع بينما البلاد تحترق، والجيش يواجه انهيارات متتالية في جبهات القتال؟ رأى كثيرون في هذا التوجه انصرافًا متعمدًا، بل إعادة إنتاج لذات أسلوب الإسلامويين: حين ينهزمون في الميدان، يشغلون الناس بقضايا جانبية. بدا وكأن (البعشوم) يعيد إنتاج هذا التكتيك بمهارة، مستخدما منصاته ليصرف الانتباه عن جوهر الصراع.
والأغرب أن من يتابع حلقات (البعشوم) يلاحظ غيابًا متعمدًا لأسماء مفصلية مثل د. نافع علي نافع، أو علي عثمان محمد طه، أو حتى علي كرتي الذي يقود الجيش من وراء الكواليس، بهذا الشكل يعود النقاش إلى علاء الدين يوسف بوجهه الحقيقي. فالحلقات لا تخلو من خيوط تعيده إلى الواجهة، سواء بعلاقته بالمؤتمر الوطني أو بملفات الفساد والانتهاكات التي التصقت باسمه. وهنا يتضح أن العلاقة بين “المُبلّغ” و”المنظومة” أكثر تعقيدًا مما نظن: (البعشوم) لم يكن خارج اللعبة يومًا، بل ربما كان جزءًا منها.
ولعلنا نحتاج إلى مساحة أخرى للحديث بتفصيل عن علاقة المدعو علاء الدين يوسف بالمجرم الكبير علي عثمان محمد طه، وما يكشفه هذا الترابط من خيوط خطيرة داخل الحركة الإسلاموية، حيث تلتقي الأدوار الأمنية بالإرادة السياسية في مسرح واحد، هدفه التلاعب بمصير البلاد والعباد. ومن أراد أن يعرف المزيد، فما عليه إلا أن يكتب في محرك البحث: “علاء الدين يوسف علي محمد ضابط الأمن الإلكتروني”، أو “علاء الدين يوسف وقصة اغتصاب صفية إسحق” عندها ستتكشف طبقات أخرى من الحقيقة، لتعيد صياغة كل ما حسبناه يقينًا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم