نحو عملية أممية لإسناد “الميثاق الوطنى” فى سياق المبادرة الرباعية؟

المقال السادس – نحو عملية أممية لإسناد “الميثاق الوطنى” فى سياق المبادرة الرباعية؟
إبراهيم أحمد البدوي
“لم تُنشأ الأمم المتحدة لنقل البشرية إلى الجنة، بل لإنقاذها من الجحيم“
“The UN was not created to take mankind to heaven, but to save humanity from hell”
( داغ همرشولد، الأمين العام الراحل للأمم المتحدة)
مقدمة:
لقد جسد السيد/ داغ همرشولد الأمين العام الراحل للأمم المتحدة مهمة المنظمة الأممية العتيدة بعبارة بليغة ومعبرة، لأنه أدرك منذ ذلك الزمان الباكر من عمر المنظمة(1)صعوبة الظروف الدولية التى تحد من قدرتها على القيام بولاية تكليفها على الوجه الأكمل. كما هو معلوم، فقد تأسست الأمم المتحدة كركيزة للتعددية والعمل الأممى المشترك، ومن مهامها الأساسية الحفاظ على السلام وحل النزاعات قبل أن تتفاقم وتؤدي إلى كوارث تهدد الأمن والسلم الأقليمى والدولى، فضلاً عن آثارها الكارثية على البلاد المعنية. ولكن لللأسف قد تضاءلت مصداقيتها وقدرتها كفاعل رئيسي في أداء هذه المهام الجسيمة والبالغة الأهمية للبشرية جمعاء فى عهد القطبية الأحادية وما بعدها، حيث أصبحت مبادئ التعددية الأممية والتعاون الدولى المشترك نفسها مهددة. ومع ذلك، وعلى الرغم من ضعف دورها، لا تزال الغالبية العظمى من الدول والحكومات والشعوب ترى أن عالماً بدون الأمم المتحدة أمرٌ لا يمكن تصوره. والسؤال ليس ما إذا كانت التعددية الأممية ضرورية، بل ما إذا كانت الأمم المتحدة قادرة على استعادة دورها القيادي في بناء واستدامة الأمن والسلم العالمى وتقديم المبادرات بشأن المصالح الأممية العامة (global public goods): مثل مشروع “أهداف التنمية المستدامة” وما تعالجه من القضايا الأممية الكبرى من قبيل برامج القضاء على الفقر وحماية البيئة وتمكين المرأة والشباب؛ وغير ذلك من مشاريع مكافحة الأدواء التى تقض مضاجع البشرية مثل جرائم الحروب والإتجار بالبشر والمخدرات وتهريب الأموال المنهوبة …إلخ.
فى مقالى السابق الموسوم” مبادرة الرباعية الدولية: هل تنهى الحرب وتعدل توازنات القوى لصالح مشروع الإنتقال السلمى المدنى الديمقراطى النهضوى؟”(2)، أشرت إلى أن هذه المبادرة، رغم أهميتها، ليست مشروعاً أصيلاً بذاته لبناء السلام، بل ينبغي توظيفها كرافعة لمشروع وطني سوداني واضح المعالم. كما رأينا أن المشروع المقترح يجب أن يستهدف فى المرحلة الأولى استحقاق “إنهاء الحرب ووضع حدٍ لعسكرة السياسة والاقتصاد، بما يعيد توازن القوى لصالح الانتقال المدني الديمقراطي” كهدف استراتيجى (ضمن هدفين محوريين)(3). تحديداً، ركزنا فى سياق الهدف الاستراتيجى الأول على محورين أساسين: الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية، باعتبارهما ركيزتين لأي انتقال ناجح.
عليه، قدمنا دعوة فى المقال الآنف الذكر الى القوى المدنية – بشقيها السياسي والاجتماعي – إلى العمل على عقد مؤتمر قومي شامل للسلام، يشارك فيه ممثلون عن كافة مكونات المجتمع السوداني من أحزاب سياسية، نقابات، منظمات مجتمع مدني، حركات شبابية ونسوية، وزعماء محليين، بعيداً عن صفقات الغرف المغلقة. يهدف المؤتمر إلى التوافق على “ميثاقٍ جامعٍ” يعبر عن الإرادة الشعبية، ويحدد معالم الانتقال السلمي المدني الديمقراطي، مع وضع آليات واضحة للإصلاح المؤسسي وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة. وفي هذا السياق، سنبين فى هذا المقال أهمية دور الأمم المتحدة كضامن وداعم لهذا المشروع الوطني، سواء في مجالي الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية عبر توفير المعايير الدولية والخبرة الفنية، أو في مجال العون الإنساني من خلال تسهيل وصول المساعدات وتوسيع فضاء لمشاركة القوى المدنية في حماية المدنيين وتخفيف معاناتهم. إن هذا الميثاق الجامع المعبر عن رؤية وطنية تحظى بتوافق عريض وبإسناد أممي مكملٌ له وتحت سقفه، سيكون بمثابة عقد اجتماعي جديد، مرجعيته الشعار الأيقونة لثورة ديسمبر المجيدة: “حرية، سلام وعدالة”.
أولاً، الأمم المتحدة: الضلع الثالث لعملية السلام:
ففى قضية بناء السلام فى السودان، تؤكد الأدبيات الحديثة، بناء على دراسات محكمة وتجارب منذ الحرب العالمية الثانية، أن فرص نجاح أي عملية سلام تتناسب طردياً مع مدى توازن عناصر ما يسمى ب”مثلث السلام”: متانة مؤسسات الدولة، قوة النسيج الاجتماعي بعد الحرب، والدعم الدولي المؤسسي والتمويلي. وبالنظر إلى الوضع السوداني الراهن، تبدو الأضلاع الوطنية للمثلث: أي المؤسسات الرسمية والنسيج الاجتماعي في حالة وهن شديد بفعل الحرب والانقسامات الهوياتية والريعية الاقتصادية المرتبطة بعسكرة الدولة والمجتمع، وتتمثل فى التحديات الوطنية التالية(4):
• ضعف المؤسسات: انهيار مؤسسات الدولة نتيجة الحرب أضعف قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، فضلاً عن غياب أجهزة فعالة للحوكمة المدنية.
• التمزق الاجتماعي: تصاعد النزاعات الهوياتية – الإثنية والجهوية – أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي، بما يجعل المصالحة الوطنية أكثر تعقيداً.
• المصالح الريعية: استمرار ارتباط الاقتصاد بعسكرة السياسة عزز مصالح ضيقة للأطراف المتحاربة، مما يضعف فرص التوافق الوطني.
من هنا تبرز أهمية الأمم المتحدة كطرف ثالث ضامن لاستكمال الضلع الثالث من مثلث السلام، إذ تستطيع المنظمة الأممية أن توفر الإسناد المؤسسي والمعياري اللازم لإعادة بناء السودان على أسس راسخة، وذلك من خلال ثلاثة أدوار رئيسة:
أ‌. ضمان اعتماد المعايير العالمية: في مجالي الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية، يمكن للأمم المتحدة أن تقدم المرجعيات الدولية المتوافق عليها، بما يحول دون انزلاق الإصلاحات إلى مجرد ترتيبات شكلية تخدم مصالح الأطراف المسلحة أو النخب المتصارعة(5).
ب‌. توفير مظلة شرعية متعددة الأطراف: وجود الأمم المتحدة كشريك رئيس في العملية – دائماً تحت سقف الميثاق الوطنى – يوفر حائطَ صدٍ أمام المصالح الضيقة والتدخلات السياسية لفرادى البلدان، بما فيهم دول الرباعية، مما يعزز استقلالية القرار الوطني ويحد من تحوله إلى ساحة صراع للنفوذ والمصالح الاقتصادية غير المتكافئة.
ت‌. تعزيز الشراكة الإقليمية: المشاركة الأممية لا تعني تهميش الأدوار الإقليمية، بل بالعكس يمكن أن تسهم في بناء إطار تعاوني مع الاتحاد الأفريقي، ايقاد، الجامعة العربية وكذلك دول الجوار العربى والأفريقى، بما يرسخ مساندة إقليمية للعملية ويمنع احتكار المسار من أى طرف بعينه.
إذن، فإن إسناد أي مشروع وطني سوداني بوجود الأمم المتحدة ليس مجرد إضافة شكلية، بل يمثل ضرورة استراتيجية لخلق توازن بين الأطراف، وتوفير ضمانات لمعايير العدالة والشفافية، وفتح الطريق أمام سلام تحوُّلي متعدد الأبعاد يتجاوز وقف إطلاق النار إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس ديمقراطية ومستدامة.
ثانياً، الأمم المتحدة وإسناد دور القوى المدنية في تقديم العون الإنساني:
يمكن للعملية الأممية أن توفر فضاءً واسعاً للقوى المدنية ومنظماتها للمشاركة المباشرة في تقديم العون الإنساني، بما يعزز شرعيتها ويعيد وصلها بالمجتمع، ويساعد في تعديل توازن القوى مع النخب العسكرية والمليشياوية المسيطرة. إلا أن تأهيل القوى المدنية للاضطلاع بهذا الدور يتطلب منها اتخاذ خطوات عملية أهمها:
• بناء القدرات المؤسسية والإدارية في مجالات الإغاثة وإدارة الكوارث.
• تطوير شراكات استراتيجية مع منظمات الأمم المتحدة، مثل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)؛ المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين(UNHCR) ؛ صندوق الغذاء العالمى (WFP) وكذلك مع منظمات المجتمع المدني العالمية ذات الخبرة.
• صياغة ميثاق شفاف للمساءلة والحوكمة المالية يضمن وصول المساعدات لمستحقيها.
• إنشاء منصات تنسيق وطنية لتوزيع الأدوار بين الجمعيات والنقابات والمبادرات الشبابية بما يعزز التكامل ويمنع الازدواجية.
• الاستثمار في التدريب والتأهيل الفني للكوادر المحلية لتكون قادرة على الاستجابة الإنسانية وفق المعايير الدولية.
بهذا تصبح القوى المدنية شريكاً فاعلاً وذا مصداقية في العملية الأممية، ليس فقط كقوة سياسية تفاوضية، بل أيضاً كفاعل ميداني يسهم في حماية المدنيين وتخفيف معاناتهم.
ثالثاً، توصيات عملية:
تأسيساً على هذه الرؤية نقدم التوصيات العملية التالية لعناية القوى المدنية الديمقراطية بشأن أهمية دور الأمم المتحدة فى عملية حفظ وبناء السلام وتعزيز توازن القوى المرجح لمشروع الانتقال المدنى الديمقراطى:
أولاً، للقوى المدنية السودانية: بلورة رؤية موحدة تطالب بوجود أممي فعّال في مسار المبادرة الرباعية، مع التأكيد على أولوية الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية.
ثانياً، للقوى السياسية: العمل على تحييد المصالح الفئوية عبر تبني المرجعيات الأممية كإطار جامع تحت سقف “الميثاق الوطنى” المنشود.
ثالثاً، للمجتمع الدولي: ربط التمويل والدعم السياسي بمدى الالتزام بالمعايير الأممية، وخاصة في قضايا نزع السلاح، إعادة الدمج، والمساءلة.
رابعاً، للمبادرة الرباعية: ضمان ألا تتحول العملية إلى ساحة تنافس نفوذ، عبر قبول شراكة أممية متوازنة مع الاتحاد الأفريقي، الجامعة العربية، إيقاد والمنظمات الإقليمية الأخرى.

خاتمة:
كما أشار الأمين العام الراحل داغ همرشولد بأن الأمم المتحدة لم تُنشأ لتقود البشرية إلى الجنة، بل لإنقاذها من الجحيم، ليؤكد على الطابع الواقعي لدور المنظمة وحدودها. ورغم ضعف مصداقيتها اليوم، تبقى الأمم المتحدة ركناً أساسياً للنظام متعدد الأطراف الذي لا يمكن الاستغناء عنه. بالنسبة لمشروع بناء السلام فى السودان تحت سقف مشروع وطنى جامع كما أشرنا فى مقالنا السابق، وفى سياق بيان الرباعية، تبرز أهمية الأمم المتحدة كـ”الضلع الثالث” في مثلث السلام (مؤسسات الدولة، النسيج الاجتماعي، الدعم الدولي). وكما هو معلوم، في الحالة السودانية، يعاني الضلعان الوطنيان من وهن شديد بسبب الحرب، انهيار المؤسسات، تفكك النسيج الاجتماعي، وعسكرة الاقتصاد والسياسة. ومن هنا، يصبح الدور الأممي ضرورة استراتيجية، يتمثل في: ضمان اعتماد المعايير العالمية في الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية لتفادي حلول شكلية تخدم النخب المسلحة؛ توفير مظلة شرعية متعددة الأطراف للحد من المصالح الضيقة والتدخلات الإقليمية، وضمان استقلالية القرار الوطني؛ وتعزيز الشراكة الإقليمية بالتكامل مع الاتحاد الأفريقي، إيقاد، الجامعة العربية، ودول الجوار العربى-الأفريقى.
كذلك نوهنا إلى الدور الحيوي للأمم المتحدة في تمكين القوى المدنية من الانخراط في تقديم العون الإنساني. ويتطلب ذلك بناء القدرات المؤسسية والإدارية، تطوير شراكات مع منظمات أممية ودولية، صياغة ميثاق للشفافية والمساءلة، وإنشاء منصات تنسيق وطنية، بما يجعل هذه القوى شريكاً ميدانياً مؤثراً وليس مجرد قوة تفاوضية. وفى هذا السياق تقدمنا بتوصيات عملية للقوى المدنية والسياسية والمجتمع الدولي والمبادرة الرباعية، تؤكد على بلورة رؤية موحدة، اعتماد المرجعيات الأممية، ربط الدعم بالالتزام بالمعايير الدولية، وضمان شراكة متوازنة بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية.
عليه، نخلص إلى أن وجود الأمم المتحدة في العملية السودانية ضرورة استراتيجية. فهي الضامن لتوازن القوى، والمرجعية للمعايير الدولية، والدرع الواقي من تغوّل المصالح الضيقة والتدخلات الخارجية من فرادى البلدان. إن مبادرة الرباعية لا يمكن أن تنجح في تحقيق السلام والتحول المدني الديمقراطي ما لم تُرفد بدور أممي متكامل يوازي ضعف المؤسسات الوطنية وتمزق النسيج الاجتماعي. كما نشدد على أن القوى المدنية السودانية مطالبة بتوحيد صفوفها والارتقاء بدورها من مجرد طرف سياسي إلى فاعل مجتمعي وإنساني، قادر على حماية المدنيين وإعادة بناء الثقة مع الشعب. وحده هذا التلاقي بين الميثاق الوطني الجامع والدور الأممي الضامن يمكن أن يفتح أمام السودان الطريق نحو سلام عادل، انتقال ديمقراطي، وتنمية مستدامة.


(1) تولى المنصب في 10 أبريل 1953 خلفاً للنرويجي تريغفي لي (أول أمين عام) وظل في منصبه حتى وفاته في حادث تحطم طائرة في 18 سبتمبر 1961 بالقرب من ندولا (في ما هو الآن زامبيا) أثناء توجهه لمهمة سلام في الكونغو.
(2) راجع ورقتى الموسومة ” مبادرة الرباعية الدولية: هل تنهى الحرب وتعدل توازنات القوى لصالح مشروع الإنتقال السلمى المدنى الديمقراطى النهضوى؟”: https://www.medameek.com/?p=184130
(3) الهدف الثانى والذى سنعرض له فى المقالات اللاحقة يتمثل فى “بناء مؤسسات قوية ومجتمع متماسك، بما يمهّد لتنمية مستدامة ودولة مقتدرة وخاضعة للمساءلة، وبإذن الله، وضع نهاية لأزمة “المتلازمة السودانية” التى أقعدت بمشروع بناء الدولة السودانية الحديثة” .
(4) راجع ورقتى الموسومة “نحو مشروع وطني من أجل السلام المدني الديمقراطي النهضوى: “نحو مشروع وطني من أجل السلام المدني الديمقراطي النهضوى: لماذا الحاجة الى “عملية أممية متعددة الأبعاد”: https://alghadalsudani.com/14475/
(5) راجع ورقتى الموسومة “نحو مشروع وطني من أجل السلام المدني الديمقراطي النهضوى: العملية الأممية واستحقاق الاصلاح الأمنى الشامل والعدالة الانتقالية”: https://www.medameek.com/?p=181767

عن إبراهيم أحمد البدوى

إبراهيم أحمد البدوى

شاهد أيضاً

حرب السودان وعلاقتها بحروب الربيع العربي: البحث عن الجذور المشتركة للمأساة الماثلة في السودان

ابراهيم البدوىيُعَدّ السعي لفهم أسباب اندلاع الحرب في السودان وكيفية إنهائها السؤالَ الأكثر إلحاحاً في …