hafiz_63@yahoo.com
عبد الحافظ سعد الطيب
المفارقة بين الشراكة القديمة في النهب، والعداء الحالي المفتعل.
منذ عهد الرئيس السابق عمر البشير، ارتبطت الإمارات العربية المتحدة بعلاقات اقتصادية واستثمارية مع حكومة الإنقاذ، تجاوزت حدود الشراكة المالية لتصبح جزءًا من شبكة النفوذ السياسي والاقتصادي التي صاغتها الحركة الإسلامية لبسط سيطرتها. فخلف عناوين «الاستثمار والتعاون» كانت تُدار مصالح ضخمة عبر الموانئ، والذهب، والمصارف، والمشروعات الزراعية، وحتى شبكات الاتصالات، في تداخل معقد بين رأس المال والسلطة.
المطر الإماراتي
مشروع «أمطار»: الحلم الزراعي الذي لم يكتمل
يبقى مشروع أمطار أحد أبرز رموز شراكة الفسادد التي لا تسقط من ذاكرة السودانيين. مشروعٌ ضخم وُقّع مع مستثمرين إماراتيين بزعم تطوير الزراعة واستصلاح الأراضي في ولايات مختلفة. لكنه مع مرور الزمن تحوّل إلى واجهة اقتصادية للحركة الإسلامية، استُخدم لتغطية نشاطات مالية معقّدة وتوسيع نفوذها داخل الاقتصاد السوداني. لم تتحقق الوعود التنموية الكبرى، وبقي المشروع شاهدًا على كيفية تسييس الاستثمار لخدمة التنظيم لا الدولة.
الموانئ والاتصالات: بيع تحت غطاء «الاستثمار»
في خطوة وُصفت بأنها ضربة موجعة لممتلكات الدولة العامة، وقّعت حكومة المؤتمر الوطني صفقة مع هيئة موانئ دبي تقضي ببيع ميناء بورتسودان بعد عقد إيجار مدته عشر سنوات.
ورغم أن الصفقة بُررت بسد العجز المالي وإنقاذ بنك الخرطوم من الانهيار (الذي يمتلك بنك دبي الإسلامي نصف أسهمه)، إلا أنها مثلت نقطة تحول في سيادة السودان الاقتصادية.
كما دخلت الإمارات في قطاع الاتصالات عبر شركة Etisalat وغيرها، مستحوذة على نسب مؤثرة في الشركات المحلية، قبل أن تنسحب لاحقًا في صفقات شابها الغموض.
وفي الوقت نفسه، استُهدفت أراضٍ زراعية شاسعة بالشراء أو الإيجار طويل الأمد، ما أثار احتجاجات محدودة من النقابات، جرى قمعها بتوجيه مباشر من النظام.
ورغم مرور السنوات، يبقى بنك الخرطوم تحت ملكيتهم المباشرة، وتدار أنظمته البنكية من الإمارات، ما يعكس النفوذ الاقتصادي والسياسي المستمر للإمارات على مؤسسات حيوية في السودان، ويكشف عن شبكة مصالح مترابطة بين حكومة الإنقاذ والشركاء الخارجيين، حيث تتجاوز السيطرة مجرد الاستثمار لتشمل إدارة البنية التحتية المالية الأساسية للدولة.
الذهب: المورد الذي عبر الحدود إلى دبي
في الوقت الذي كانت فيه الحرب الاقتصادية تحاصر السودان، أصبحت الإمارات الوجهة الأولى للذهب السوداني. تشير التقارير إلى أن أكثر من 90٪ من الصادرات القانونية ذهبت إلى الإمارات، فيما تتحدث مصادر اقتصادية عن كميات أكبر خرجت عبر قنوات غير رسمية بمشاركة نافذين من الحركة الإسلامية وأجهزة أمنية.
كان الذهب وسيلة التمويل الرئيسية للنظام، وأداةً لتبييض الأموال وشراء الولاءات، واستمر تدفقه إلى دبي حتى بعد سقوط البشير، مما يوضح عمق التشابك بين اقتصاد السودان والإمارات.
الفلل في دبي وفضيحة «التحلل»: فساد يتجاوز الحدود
كشفت تقارير صحفية (منها موقع مونتي كاروو) أن وفدًا من الحركة الإسلامية التقى بالفريق طه — المدير السابق لمكتب الرئيس البشير — في السعودية، وطالبه بالتحلل من 107 مليون دولار وأربع فيلل في دبي، بجانب ممتلكات أخرى نالها بطرق غير مشروعة.
رفض طه بشدة، معلنًا أنه لا يعترف بالحركة الإسلامية وينتمي إلى طائفة الختمية، مهددًا بكشف فساد كبار المسؤولين إن استمرت محاولات تشويه صورته.
اللافت أن طه أوضح أن الفيلل الأربع في دبي مسجّلة بأسماء أفراد من أسرة الرئيس البشير:
الأولى باسم وداد بابكر (زوجة الرئيس)،
الثانية باسم زينب حسن أحمد البشير (شقيقته)،
الثالثة باسم العباس حسن أحمد البشير (شقيقه)،
الرابعة باسم محمد حسن أحمد البشير.
وأكد أن المبلغ الضخم أُرسل كشف حسابه مباشرة إلى الرئيس.
«التحلل»: بدعة لغسل الفساد
يُعد ما يُعرف بـ«التحلل» واحدة من الحيل والأكاذيب التي لجأ إليها تنظيم الحركة الإسلامية حين تكشّف فساد منسوبيه. كانت الفكرة بسيطة: يُطلب من السارق أو المتورط في نهب المال العام إرجاع الأموال إلى خزينة الدولة دون أي عقوبة أو محاكمة.
تمت تجربة هذا الأسلوب مرارًا لتدارك الفضائح، في محاولة لتلميع الصورة أو احتواء الغضب الداخلي. لكن في الحقيقة، أصبح «التحلل» غطاءً شرعيًا للفساد، ووسيلة لتبادل الحماية بين رموز التنظيم.
من صديق الأمس إلى خصم اليوم
رغم أن الإمارات كانت صديق الأمس، ومصدر دعم مالي واستثماري للحركة الإسلامية، إلا أن العلاقة شهدت لاحقًا توترات مكتومة وعداءً معلنًا بعد انقسام المصالح وظهور الصراعات على النفوذ الإقليمي.
تحوّل الخطاب الرسمي فجأة إلى اتهام الإمارات بالتدخل والهيمنة، في محاولة من التنظيم للتنصل من تحالفٍ صنعه بنفسه حين بات يهدد مصالحه أو يكشف فساده.
المفارقة: أبواق الأمس وصراخ اليوم
المدهش أن كثيرًا من الأبواق العالية الصوت اليوم، التي ترفع شعارات الوطنية والسيادة، كانت بالأمس تقتات من فساد تلك الشراكة الإماراتية.
الذين صعدوا من القاع إلى ملاحقة قمم النعيم عبر المال الإماراتي والذهب السوداني يتظاهرون اليوم بالغضب لا حبًا في الوطن، بل لأن نعيم الإمارات فاتهم، بعدما أُغلقت أمامهم أبواب «الاستثمار بماء الذهب السوداني».
كسره
ياخالد الأعيصر حرقت مراكبك لندن والإمارات
ام وضاح دي ماله شاقة صوته
إنهم الوجه الآخر للفساد نفسه، لا خصومه
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم