الثورة السودانية بين الموقف المبدئي والمأزق الانتقالي: من شعارات الحرية إلى امتحان اللحمة الوطنية في زمن الحرب
hafiz_63@yahoo.com
ورقة✍️ : حافظ سعد الطيب
مقدمة افتتاحية
في خضم الحرب المستعرة والمجازر التي تجتاح السودان، ومع موجات النزوح التي تعصف بملايين المدنيين، تبرز الحقيقة بوضوح: الثورة السودانية لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت اختبارًا لقدرة الشعب على تماسكه والوفاء بمبادئه، وفضح زيف الخطابات العنصرية والتقسيمية للنخب المتعلمة. هذا المقال يقرأ التجربة من بدايتها، يوازن بين الموقف المبدئي الصحيح والحراك الفعلي، ويطرح الطريق الذي يمكن أن تستعيد به الثورة قوتها، وتحوّل الأزمة الراهنة إلى مشروع وطني شامل.
الثورة السودانية بين الموقف المبدئي والمأزق الانتقالي: من شعارات الحرية إلى امتحان اللحمة الوطنية في زمن الحرب
منذ الاجتماع الأول بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري عقب سقوط البشير، انكشفت ملامح الصراع الجوهري على السلطة.
حين قال ممثل الحزب الشيوعي، صديق يوسف، للمجلس العسكري بوضوح:
“سلّمونا السلطة”،
وردّ عليه عبد الفتاح البرهان قائلاً:
“ما بنسلّمكم”،
كانت تلك اللحظة إعلانًا مبكرًا عن طبيعة الانقسام بين من رأى نفسه امتدادًا للثورة، ومن تمسك بعقلية الدولة العسكرية القديمة.
الموقف المبدئي مقابل التسوية الخاطئة
موقف الحزب الشيوعي كان الأكثر وضوحًا مبدئيًا، لأنه عبّر عن جوهر مطلب الثورة: الانتقال الكامل للسلطة المدنية والقطع الجذري مع النظام القديم.
لكن هذا الموقف لم يتحول إلى برنامج تعبئة مستمرة داخل الشارع الثوري. الحزب اكتفى بالانسحاب من تحالف الحرية والتغيير، ولم يبتكر بديلًا سياسيًا ثوريًا قادرًا على تحويل المبدأ إلى ممارسة جماهيرية أو إلى مشروع دولة جديدة.
أما قوى الحرية والتغيير، فقد اختارت طريق التسوية الجزئية مع المجلس العسكري، تحت لافتة “الواقعية السياسية”، لكنها في الواقع وقعت في فخ إعادة إنتاج النظام القديم بواجهات مدنية.
هكذا تحوّلت سلطة الانتقال من أداة للتغيير إلى آلية لإعادة تموضع النخب، وسقطت أمام أول اختبار جدي، لتتحول الثورة من وعد تاريخي إلى إدارة أزمة.
مطلوبات تقييم تجربة الثورة والانتقال
أي مراجعة نقدية جادة لتجربة الثورة يجب أن تنطلق من ثلاثة محاور مترابطة:
- بنية القوى السياسية والاجتماعية: كيف تشكلت قوى الحرية والتغيير ومن احتكر تمثيل الثورة؟
- الوعي والبرنامج الثوري: غياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية جعل شعارات “حرية، سلام، وعدالة” رمزية وجميلة، لكنها فضفاضة لا تعبّر عن مطالب الريف المنتج والمهمّش.
- علاقة الثورة بالجماهير: حين تحوّل الفاعل الثوري إلى نخب تفاوضية، انفصلت الثورة عن جمهورها الحقيقي، فخسرت طاقتها.
شعار الثورة وأزمة الوعي الطبقي
لم تكن “حرية، سلام، وعدالة” تعبيرًا كافيًا عن جوهر الثورة السودانية.
فالثورة خرجت من الريف المنتج للخيرات المادية، من الفقراء والمعدّنين والمزارعين الذين كانت قضيتهم الأولى العدالة الاجتماعية وتوزيع الموارد، لا الحرية السياسية وحدها.
القصور في الوعي الثوري تجلى في تغليب البعد السياسي على البعد الاقتصادي والاجتماعي، تمامًا كما حدث في تونس، حيث لم يشعل محمد البوعزيزي النار في نفسه من أجل الحرية المجردة، بل من أجل الكرامة والعدالة الاقتصادية.
اللحظة الراهنة: الحرب، الإبادة، وامتحان اللحمة الوطنية
اندلاع الحرب الحالية وما رافقها من مجازر وإبادة جماعية ونزوح واسع، خصوصًا من غرب السودان إلى شماله (إلى مناطق مثل الدبة)، كشف عن تحول عميق في الوعي الجمعي السوداني:
سقط خطاب العنصرية والفرز الإثني الذي روّجت له النخب المتعلمة والمستعلية،
وأثبتت الشعوب السودانية أنها تعرف بعضها وتثق في بعضها، وأنها لحمة واحدة متماسكة في مواجهة الموت والتشريد.
بهذا المعنى، فإن الحرب، رغم قسوتها، عرّت زيف النخب وفضحت خطاب المتعلمين العنصريين، وأظهرت أن الوجدان الشعبي أكثر إنسانية ووطنية من مشاريع النخب السياسية.
ما العمل الآن؟ طريق الخروج من الحرب
في مواجهة هذه اللحظة التاريخية، لا بد من تحوّل جذري في التفكير والعمل الثوري:
- التمسك بالهدنة واستمرارها كحق إنساني وأخلاقي لحماية المدنيين.
- فصل الهدنة الإنسانية عن أجندة الرباعية الدولية، وجعلها مسارًا وطنيًا مستقلًا.
- عقد مؤتمر وطني ثوري للسلام والعدالة تشارك فيه لجان المقاومة، قوى الثورة، منظمات المجتمع المدني، والنازحون.
- تقديم نتائج المؤتمر للرباعية بوصفها موقفًا سودانيًا شعبيًا مستقلاً، يضع محددات واضحة للهدنة، حماية المدنيين، وإعادة بناء الدولة.
- إعادة بناء المشروع الثوري على أسس جديدة تربط بين التحرر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتستند إلى قوى الإنتاج والهامش لا إلى تحالفات النخب.
الخاتمة: من نقد التجربة إلى بناء الأمل
الثورة السودانية اليوم تقف أمام مفترق تاريخي.
الرهان الحقيقي ليس على التسويات ولا على المؤتمرات الدولية، بل على إعادة بناء المشروع الثوري من قلب المجتمع السوداني نفسه — من النازحين، من لجان المقاومة، من المزارعين والعمال والمعلمين، من الذين حملوا البلاد في ظهورهم دون أن يُحسبوا ضمن النخب.
إنها لحظة استعادة المعنى الثوري من تحت الرماد، لحظة تحويل المأساة إلى وعي، والوعي إلى فعل، والفعل إلى مشروع وطني جديد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم