hafiz_63@yahoo.com
حين ينهض الشعب من تحت الركام ليقود نفسه، لا يعود للزعيم مكان فوق الناس.
في كل لحظة تاريخية مفصلية، تخرج الأمم من أزماتها إمّا على أيدي قادةٍ استثنائيين، أو عبر فعلٍ جماعيٍّ شعبي يعيد تعريف معنى القيادة ذاته. والسودان، وقد جرّب كل أنواع “الزعامات” وفشلها، يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة؛ مرحلة القيادة الجماعية التي تولد من رحم المعاناة ومن وعي الشعوب بأن خلاصها لا يأتي من فوق، بل من داخلها.
القيادة بين الفرد والجماعة في التجربة السودانية
القيادة ليست صفة تُمنح ولا لقبًا يُتداول، بل هي منظومة من القيم والميزات والكاريزما المتصلة اتصالًا عضويًا بالجماهير — بالبشر، بالناس، بالمجموعات التي تمنح القائد شرعية وجوده.
تاريخ الإنسانية زاخر بأمثلة القادة الذين جمعوا بين الرؤية والشجاعة والقدرة على الإلهام، من نيلسون مانديلا جون قرنق ديمابيور إلى غاندي إلى عبدالكريم الخطابي عمر المختار . هؤلاء لم يكونوا مجرد أفراد فوق الناس، بل كانوا تعبيرًا عن إرادة شعوبهم.
أما في السودان، فالأزمة العميقة التي نعانيها اليوم ليست أزمة موارد ولا مؤسسات فقط، بل أزمة قيادة. فالقادة السياسيون والمجتمعيون والعسكريون والفكريون الذين تعاقبوا على المشهد لم يمتلكوا في معظمهم تلك الصفات التي تصنع القائد الحق: القدرة على التضحية، والرؤية المتجاوزة للذات، والإيمان العميق بالجماهير لا استخدامها. وهكذا، أصبح الوطن أسيرًا لنخبة فشلت في تمثيله، وقيادات اعتقدت أن خلاص البلاد يمر عبر “القائد الملهم” أو “الزعيم التاريخي”، بينما أثبتت الوقائع أن هذا النموذج لم يجلب سوى الدوران في حلقة الفشل.
مكان الفرد تتقدم قيادتنا الجماعية
من هنا، يصبح البديل الطبيعي والضروري هو القيادة الجماعية — تلك التي تنبع من الفعل الجماهيري ومن تفاعل الناس مع بعضهم. فالمستقبل لا يُبنى بالزعيم المنقذ، بل بالفعل الجمعي المتكامل.
والتجارب الحية في السودان اليوم، من الدبة والعفاض والحجير إلى أدوار التكايا وروح التضامن الشعبي، تؤكد أن الشعوب حين تتحرك لإنقاذ نفسها، تولد القيادة من قلب الجماهير لا من فوقها.
حين يفتح بيت سوداني بابه ليستقبل نازحًا من دارفور، أو يعلن الباعة أن “الكيلو مجانٍ لأهلنا من دارفور”، فإننا نرى بوضوح ميلاد نموذج جديد للقيادة — قيادة المجتمع لذاته بالفعل الجماعي والضمير الحي.
وهكذا، حتى لا نقول يومًا “كان هنا وطن”، لا بد أن نتجاوز ضفة الزعيم الواحد إلى فضاء القيادة المشتركة، حيث يكون الشعب هو القائد والمعيار، والإنقاذ فعلًا جماعيًا لا انتظارًا لمخلّص.
القيادة الجماعية السياسية ودور الشعوب المفقود
لقد أثبتت التجربة أن غياب الفعل الجماعي للشعوب جعل القرار السياسي والعسكري محتكرًا في أيدي قلة، بينما الغالبية ظلت متفرجة على مصيرها. الآن، وفي لحظة التمزق الوطني الراهنة، لا بد من إعادة تعريف السياسة نفسها لتصبح فعلًا جماهيريًا تشارك فيه القواعد من مواقعها، وتُبنى فيه الشرعية من القاعدة إلى القمة لا بالعكس.
إن إعادة تعريف السياسة وسلطة الدولة والسلطة الاقتصادية تبدأ من قاعدة الإنتاج نفسها — من المنتجين في الحقول والمصانع والأسواق — ليكونوا أصحاب السلطة الفعلية في الدولة. هذه هي الديمقراطية السودانية المنشودة: ديمقراطية من واقعنا وتجربتنا، لا نسخة من ديمقراطيات الغرب الذي مارس علينا الاسترقاق بالأمس ويبيعنا السلاح اليوم لنقتل أنفسنا، بينما يقتلنا اقتصاديًا في صمت عبر أدوات السوق والدَّين والتبعية.
لقد آن أوان أن تدرك الشعوب أن حبلها لا يُترك على غارب الساسة والعسكر، فالتاريخ أثبت أن من ترك مصيره لغيره وجد نفسه خارج معادلة وطنه.
وهنا يجب أن نستخلص الدرس من ثورة ديسمبر المجيدة: فالشباب الذين صنعوا المعجزة في الميادين، حين تركوا حبل الثورة للساسة، سُرقت منهم أحلامهم، وتبددت دماؤهم في المساومات والمناصب. الخطأ الذي يجب أن نعالجه الآن هو أن نعيد القيادة إلى الشارع، إلى الناس، إلى لجانهم ومبادراتهم الحقيقية.
مؤتمر الشعوب السودانية: نحو قيادة جماعية للسلام المقترح
من هذا المنطلق، يبرز مقترح مؤتمر الشعوب السودانية كضرورة وطنية ملحّة — مؤتمر تُشارك فيه كل المناطق والمجتمعات والقوى الحية والطرق الصوفية والقيادات الأهلية والمهنية، ليكون منبرًا مفتوحًا لبحث قضايا السودان الراهنة: السلم الاجتماعي، واستمرار الهدنة، وإيقاف الحرب، وبناء مسار وطني جامع للسلام المستدام.
وبنفس الروح، يمكن أن تتشكل لجان حماية الهدنة ولجان السلم المجتمعي على امتداد البلاد، تعمل بتنسيق مباشر مع المنظمات الدولية والشعوب المحبة للسلام، لتكون هذه الجهود نواةً لقيادة جماعية جديدة تعيد للسودانيين زمام المبادرة.
ويمكن أن يُطرح هذا المقترح في مصر بوصفها أرضًا محايدة وقريبة وجدانيًا وسياسيًا من السودان، لتكون منصة انطلاق لمؤتمر الشعوب السودانية ومشروع الإنقاذ الجماعي للسودان من داخله، لا من قصور السياسة ولا من فوهات البنادق.
الخلاص والخروج الكبير من تحت ركام الحرب ورمادها وإيقاف نقارة الحرب
في لحظة يبدو فيها المشهد السوداني غارقًا في العتمة، يظل هناك بصيص نور يخرج من بين ركام الحرب والمعاناة. ذلك النور هو إرادة الناس العاديين، الذين ما زالوا يؤمنون بأن الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالفعل الجماعي، بالمحبة، وبالقدرة على تجاوز الجراح.
إن الخلاص والخروج الكبير لا يأتي من قصرٍ ولا من ثكنة، بل من الوعي الشعبي المتجدد، من يد تمتد لأخرى لتوقف نقارة الحرب، وتعلن أن السلام هو الفعل الإنساني الأعلى.
من تحت الرماد ينهض السودان إذا نهضت شعوبه مجتمعة، واعية بدروس ماضيها، وعازمة على ألا تترك مستقبلها بعد اليوم في أيدي من خذلوها.
بقلم: حافظ سعد الطيب
صوت سوداني من بين الأصوات التي تعمل وتدعوا لأيقاف الحرب وأصوات طبولها مهتم بالفكر السياسى السوداني والتحولات الاجتماعية،
يسعى إلى إبراز صوت الشعوب كفاعل رئيس في صناعة السلام والنهضة الوطنية وانتصار الثورة السودانية المتغيرة
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم