بقلم: حسن ابوزينب عمر
oabuzinap@gmail.com
هناك مجال أكاديمي يجمع بين علم النفس والعلوم السياسية لفهم العلاقة ثنائية الاتجاه بين السلوك السياسي والعمليات النفسية ودراسة كيفية تأثير العوامل النفسية على القرارات النفسية ويشير هنا الدبلوماسي الراحل الزميل أحمد عبد الوهاب جبارة الله في كتابه (محطات دبلوماسية) الى كتاب الطبيب النفسي الأمريكي جيرارد بوست (علم النفس السياسي) الذي يتحدث فيه عن سلبيات الحالة النفسية في القرارات السياسية .. تدليلا على ذلك يشير الباحث والمفكر الذي كان يعمل في وكالة الاستخبارات الأمريكية الى اخطر قرارين اتخذهما الرئيس الإسرائيلي الأسبق مناحم بيجن في حياته فيقول أنهما صدرا عام 1980 وكان على سرير المرض الأول جعل القدس عاصمة أبدية لإسرائيل والثاني ضم مرتفعات الجولان الى الدولة الصهيونية ويقول بوست أن هذا ينطبق أيضا على الرئيس نميري حيث جنح في أخريات أيامه وتحت تأثير المرض وتقدم العمر الى الكثير من الغيبيات والتقلبات منها اختصار تطبيق الشريعة الدينية على الحدود ويضيف آخرون اعدام محمود محمد طه ومنها أيضا قرار اعادة تقسيم الجنوب الى ثلاثة ولايات الأمر الذي أعاد البلاد مجددا الى مربع الحرب .
(2)
السؤال هنا هل يمكن ضم قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو الى قائمة ضحايا علم النفس السياسي؟ الجواب نعم والدليل تورط قواته وبتوجيهات مباشرة منه في جرائم ومجازر وانتهاكات لا أخلاقية ودماء مسفوكة آخرها تم رصدها حتى من قبل الأقمار الصناعية من أعالي السماء ناهيك عن جرائم السلب والنهب والاغتصاب فضلا عن مسؤوليته في التخريب والدمار الشامل الذي قدرت كلفته ب 500 مليار دولار ..في بداية اشتعال الحرب في ابريل 2024 كان يتحدث عن دولة 56 وقضايا الهامش والمشاركة ولكن مع تمدد وتوسع سلطاته بوضع اليد قسرا على مواقع استراتيجية حيوية هامة كانت تحت سلطاته بسبب الغباء وسوء التقدير تضخمت شخصية (الأبالي) نتيجة تعيينه نائبا لرئيس مجلس السيادة يبرم الاتفاقيات الدولية ويتلقى وهو لا يملك شهادة ثانوية التحية العسكرية من كبار ضباط الكلية الحربية وتعزف له موسيقى النشيد الوطني في المطارات ولا يتحرك موكبه الا تحت قيادة الدراجات النارية بل كان رئيسا للجنة الاقتصادية وكان دبلوماسي السفارات السودانية يصطفون حوله للاسترشاد بتوجيهاته قبل توجههم الى محطاتهم فلماذا لا يتفرعن ولماذا لا يقول ( لا أريكم الا ما أرى )؟
(3)
بعد أحداث الفاشر التي أقامت الدنيا ولم تقعدها وبعد زلزال الاستنكارات التي هزت العالم يدخل حميدتي عنوة واقتدارا نادي أكثر القادة في التاريخ الذين دمروا بلادهم بأيديهم منهم هتلر وبوكاسو وبشار الأسد وتشاوشيسكو (رومانيا) وكيم جونج أون (كوريا الشمالية) ولكنه أقرب الى عقيد جيش جمهورية أفريقيا الوسطى (جان بيدل بوكاسا) الذي أصيب بجنون العظمة واتجه للقيام بتصرفات غريبة أثارت ذهول العالم بأسره حينما نصب نفسه عام 1977 امبراطورا من باب الاعجاب بشخصية الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت وأقام حفل تتويج أسطوري كلف 20 مليون دولار فيما تكلف تاجه المرصع بالألماس وحده 5 ملايين دولار الأمر الذي أفلس بلدا يصنف كأكثر دول العالم فقرا. عام 1979 اعتقل المئات من تلاميذ المدارس لرفضهم شراء الزي المدرسي من شركة تملكها إحدى زوجاته كما أشرف شخصيا على قتل 100 من أطفال المدارس من قبل حرسه الإمبراطوري ليصبح واحد من أكثر الوحوش المتعطشة للدماء في القارة. وعندما أطيح به في عام 1979 هرب الى فرنسا بطائرة وعلى مشارف مطار شارل ديجول طلب اذنا بالهبوط وحينما سألته إدارة الملاحة عن هويته أجاب أنه الامبراطوربوكاسا رئيس أفريقيا الوسطى فجاءه الرد حاسما لا نعرفك رئيسا ولا نعترف بك امبراطورا فعادت طائرته أدراجها.
(4)
تعتبر الفاشر القشة التي قصمت ظهر حميدتي الذي أفلت من فظاعات قرى ود النورة والهلالية والجزيرة وسنار وخرج كالشعرة من عجين جرائم السلب والتهب والقتل والتدمير الممنهج لمقدرات السودان بل وبيعه تاريخه وتراثه ولكن فتح النار على مرضى مستشفى الولادة في الفاشر واستهداف المدنيين المستضعفين أثناء فرارهم بالرصاص الحي وتعليق الأحياء على غصون الأشجار ومشاهد الصور المروعة للجثث التي تقتات منها الكلاب والصقور وحدها التي ستأتي بالنهاية الحتمية له بعد أن بلغت الأمور حالة لا يمكن السكوت عليها كما رأينا من تداعيات داخل أروقة برلمانات العالم والتصريحات الغاضبة لقادة العالم والاستنكارات المدوية التي اجتاحت ساحات الرأي العام الدولي بعد أن انكشف كل المستور وعرف القاصي والداني ان الميليشيا الهمجية المتخلفة تعرف سفك الدماء ولكنها قدراتها الخلوية لا تفقه شيئا عن فنون تكنولوجيا صناعة السلاح فجاءت الفاشر لتكشف وتفضح وتنزع ورقة التوت من عورة الرافعة التي تجلس فوقها .
مدخل للخروج
لا .. للحرب التي قال فيها زهير بن أبي سلمى
وما الحرب الا ما علمتم وذقتم
وماهو عنها بالحديث المرجم ..
نعم .. للسلام الذي مجده أحمد شوقي اذ يقول
سلام من صبا بردي أرق ..ودمع لا يكفكف يا دمشق .
ولكن اذا كان السلام هو تدوير وإعادة انتاج للقتلة والسفلة الذين يلهجون ويحلمون بالتفاوض والسلام للتموضع في طاولة المفاوضات لصناعة دور يضمن لهم البقاء جزءا من أي تسوية سياسية لحكم البلاد فكلا وألف كلا ففريق الخلا الذي وراء المذابح والمجازر هو مريض نفسي وتنطبق عليه تماما نظرية الأمريكي جيرارد بوست عالم (علم النفس السياسي) ..مشاهد المراهقين teen agers الذين كانت تجلجل ضحكاتهم وهو يتباهون بكثرة عدد قتلاهم من شريحة (لا حول لهم ولا قوة) دون مبرر سوى اعتقاد مخبول مجنون انهم خصوم واذلال الأسرى العزل قبل اطلاق الرصاص عليهم وتعليق الفتيات والفتيان على فروع الأشجار تعذيبا حتى يلفظون الروح ومرارات النزوح واللجوء والتشرد وعدم القدرة على العودة لتدمير المسكن وتخريب مقومات ومعينات الاستقرار ..كلها ستظل كابوسا يجثم فوق الصدور ووشما يشتعل ولن يمحى من الذاكرة الى يوم الدين .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم