الطيب صالح يحكي عن منصور خالد وبونا ملوال وباقان اموم

عبد المنعم عجب الفَيا

كتب الطيب صالح:
“اغلب الظن، أن منظمة اليونسكو بحسها الحضاري، العميق، وهو حس مستمد من أهدافها، تعمدت أن يكون هذا اللقاء في مدينة برشلونة بأسبانيا. وهو واحد من مجموعة ندوات ومؤتمرات ولقاءات تعقدها المنظمة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية ومنظمات دولية أخرى، تحت شعار (ثقافة السلام)، بقصد بث روح جديد في نفوس البشر وعقولهم.
كان لقاء برشلونة عن مشكلة جنوب السودان، حيث ظلت الحرب تدور بين الشمال والجنوب منذ الاستقلال، اي على مدى أربعين عاما باستثناء عشر سنوات من السلم، عقب اتفاقية أديس ابابا عام ١٩٧٢.
بذلت منظمة اليونسكو جهدا واضحا تهيىء مناخا يساعد المشاركين السودانيين في ندوة برشلونة، على استدعاء عواطف الخير في أنفسهم، وتغليب هواجس الحكمة والعقل، على هواجس البغضاء وسوء الظن.
بدأ لي، كأن شيئا قد حدث في ذلك الاجتماع. ربما بتأثير المناخ العقلاني المتفائل الذي بثته منظمة اليونسكو، ربما بتأثير جاذبية المدينة الساحرة. وهواء البحر المتوسط.
قال لي اخ جنوبي، ونحن نتجول في مدينة برشلونة، وقد وقفنا على ساحة مبلطة بحجارة ملونة كأنها تحفة فنية. كانت الساحة على هضبة، فأشرفنا منها على المدينة بسقوف بيوتها من القرميد الأحمر في ضوء المغيب. الشوارع الميادين الأنيقة والأبراج المتطاولة. قال:
” انظر إلى كل هذا الجمال. نحن في السودان نتقاتل على لا شىء”.
قلت له:
“أنتم في السودان تتقاتلون على جثة. تطالبون بالعدالة في تقسيم الثروة. أين الثروة التي تريدون تقسيمها؟.”.
بلى، لعلهم أخذوا يحسون بتأنيب الضمير.. ربما لأجل ذلك خفتت الأصوات، وهدأت الحدة. وحاول كل واحد أن يمسك بزمام عواطفه. حتى جماعة (رك مشار)، الذين يدعون صراحة لانفصال الجنوب، عبروا عن موقفهم في حياء وحذر. لم تتغير نظرتهم للتاريخ ولا نظرتهم للشمال، لكن حججهم كانت أقل مرارة واقل حدة.
حتى رئيس وفد الحكومة الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، هو أيضا كأنما سرت فيه عدوي المناخ الايجابي. كان قليل الكلام خلال الجلسات، وكان يتحدث بصوت هاديء. وقال إن الحكومة تقبل مبدا الديمقراطية والتعددية، وهو ما تنفذه فعلا.
جلست معه تحدثت معه مطولا، ولم أكن قد عرفته من قبل. وجدته إنسانا مهذبا دمثا حسن المعرفة بالتاريخ حتى حسبته مؤرخا، فإذا هو طبيب. ولا انكر أنني احسست بالتناقض بين الإنسان الجالس معي، وصورته في ذهني. ذلك لأن ما ينشر بلسانه في الصحف، ينم عن رجل متطرف في ارائه، متشدد في مواقفه، اميل الي الخصام منه إلى الوئام.
كذلك ادهشني شاب اسمه (باقان) من قادة الحركة الشعبية بتحرير السودان التي يتزعمها جون قرنق. ويقال إنه الرجل الثاني في الحركة. هو أيضا بدأ لي لطيفا مهذبا مثقفا. وقد تدرب في كوبا، فأصبح يجيد الإسبانية، الي جانب الإنجليزية والعربية.
كانت مساهماته في الحوار، كلها رصينة معتدلة. وخطر لي، وانا استمع إلى حديثه في الاجتماع، وحين حاورته خارج الجلسات، أن السودان لو كان متحدا مستقرا ليس فيه حرب بين شماله وجنوب، لكان حريا ان يكون ذلك الشاب من زعمائه.
**
كان في لقاء برشلونة من المفكرين السودانيين، منصور خالد، وبونا ملوال، وفرانسيس دنق. وفي جانب الحكومة، عبد الوهاب الأفندي الذي كان إلى وقت قريب ملحقا ثقافيا في سفارة السودان في لندن، ونور الدين ساتي سفير السودان في باريس.
الثلاثة الأوائل كلهم نبهوا في عهد الرئيس السابق جعفر نميري، وانبههم لا مراء، الدكتور منصور خالد. كان وزيرا للشباب، ثم وزيرا للخارجية ثم وزيرا للتربية، ثم مستشارا لرئيس الجمهورية. ذلك بالإضافة إلى مناصب أخرى رفيعة. وكان في وقت من الأوقات مقربا من الرئيس واسع النفوذ. وكانت له اليد الطولى في صياغة الدستور الذي كرس به نميري عهده، ثم اشاح عنه حين أراد أن يختط خطة أخرى. وربما يعود الفضل الأكبر لمنصور خالد في إنجاز صلح أديس أبابا عام ١٩٧٢، الذي أوقف الحرب بين الجنوب والشمال، وهيأ سلما دام عشر سنوات.
ثم ساءت الصلات بينه وبين الرئيس، لأسباب شرحها الدكتور منصور خالد في كتبه باللغتين العربية والإنجليزية. وهي كتب كلها تحفز على التفكير والتأمل، منها كتاب عنوانه (لا خير فينا إن لم نقلها)، وهو عبارة عن مقالات كان منصور خالد قد نشرها في صحيفة يومية بالخرطوم، إثر خروجه من الحكم ونفض يديه منه.
كانت مقالات جريئة، كشف فيها المؤلف أخطاء النميري وعهده كما راها. وبقدر ما تحمد له شجاعته في النشر، خاصة في ذلك الوقت والعهد المايوي في ذروة ارتفاعه، كذلك يحمد للنميري انه لم يمنع نشر المقالات، وكان بطبيعة الحال يقدر أن يفعل. وتلك من غرائب النظم (الشمولية)، أنها أحيانا بوعي أو دون وعي تفعل أشياء عكس طبيعتها.
الجرأة العقلية من سمات الدكتور منصور خالد منذ هو طالب علم يافع في مدرسة “وادي سيدنا” الثانوية في أواخر الأربعينات، قادته تلك الجرأة الي ان ينحاز إلى معسكر الحركة التي يقودها، جون قرنق. ورغم انه لم يكن الشمالي الوحيد الذي فعل ذلك، فإن تحوله أحدث بلبلة بين رفقاء صباه وأصدقائه والمعجبين بفكره. وكنت أحد الذين عجبوا لذلك التحول.
تساءل الناس كيف أن رجلا نشأ في بيت علم ودين في مدينة أم درمان العتيدة، وامتلأ وجدانه بعشق اللغة العربية وتراث الإسلام، ومن أكثر الناس فصاحة عربية حين يتحدث أو يكتب، وشاعره المفضل هو أبو الطيب المتنبي، كيف ينحاز الي حركة بدأ كأنها تهدف إلى اقتلاع (الكينونة) العربية الإسلامية من أرض السودان؟
الذين أحسنوا به الظن قالوا لعله رأي ما لم يروا وعرف ما لم يعرفوا.
أيا كان الأمر، فإن موقف الحركة قد تغير الآن، فانصاعت في نسق الطالبين بالوحدة إنما على أساس التعدد والشرعية الديمقراطية. وربما كان لمنصور خالد يد في ذلك الاعتدال.
إنه على أية حال، سواء راق لك أم لم لا، وسواء اتفقت معه أو لم تتفق، فإنك لا تستطيع أن تنكر، انه من أكثر المفكرين، لفتا للنظر وتحريكا للاهتمام، لا في السودان فحسب، ولكن في اتساع العالم الثالث على اطلاقه. وحين ينطوي ظل هذا العهد القائم، والظلال لا بد أن تنطوي طال نهارها أم قصر، فسوف يكون له شأن.
أما بونا ملوال، فهو من قبيلة الدنكا الغالبة في الجنوب، التي منها أيضا جون قرنق. ويقال إنها أكثر قبائل السودان عددا. وهي قبيلة في تاريخها وسلوكها، عصبية وعنجهية لا تبعد عن طباع القبائل العربية. وشانها بين قبائل الجنوب، كما يزعم الجنوبين من شان قبائل الشمال العربية معهم.
هو أيضا نبغ في عهد النميري، فعمل بين ما عمل، وزيرا للإعلام. وهو من أكثر الجنوبيين معرفة بالشمال، فقد درس عندهم وعاش بينهم، وربى معهم صداقات واسعة حتى أصبح هو نفسه يقول إنه شمالي. وكان الناس يحترمونه لنزاهته وشجاعته في مواجهة النميري وهو في عنفوان قوته.
كاد يصير شخصية قومية مثل (ابل الير)، من هؤلاء الرجال الذين تلوذ بهم الامم في النوائب والملمات.
لكنه لسوء الحظ اتخذ فيما بعد مواقف أخذت تزداد تطرفا يوما بعد يوم، إلى أن بلغ به أنه شبه الشماليين بالمستوطنيين البيض في جنوب أفريقيا!
قد يكون له بعض العذر. الحكم القائم اليوم، أظهر في السنوات الست الماضية أصنافا عجبا من الرعونة والتطرف. فلا جرم، انه حتى العقلاء أمثال بونا ملوال، اصابتهم العدوى. لذلك اسعدني انه في ندوة برشلونة كأنه يعود إلى ما عرف عنه، فكان اميل إلى الاعتدال، واميل الي الوحدة، واسرع استجابة لنداء السلم.
**
يحار المرء في أمر السودانيين. هؤلاء الناس المجتمعين في هذه القاعة في برشلونة، كل واحد منهم أخو فضل وعلم وخلق. ومثلهم كثيرون رجالا ونساء. لماذا إذن لم ترس سفينتهم على بر منذ أربعين عاما؟ ظلوا يتخبطون يمينا ويسارا وشرقا وغربا.
خذ مثلا عبد الوهاب الافندي، شاب ذكي ودود عالي الهمة. كان طيارا، ثم درس الآداب في جامعة الخرطوم. ثم اخذ الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة ردينج في إنجلترا.
كلما ألقاه أقول له مازحا، وهو يحاول أن يجرنى إلى معسكره: “أنت لا تشبه هؤلاء الناس، فما الذي ورطك هذه الورطة؟”.
جعلوه مستشارا ثقافيا في سفارتهم في لندن، فظل يكتب ويحاضر ويؤم المؤتمرات، يحاول أن يكسو سياسيات الحكومة ثيابا أجمل مما تستحق. وكذلك هو الآن في برشلونة، لم يأل جهدا، وكان في حديثه يحاول أن يجد قواعد مشتركة مع المعسكر الآخر. وقد أصدر مؤخرا كتابا حسنا محص فيه اخطاء الحكم، من منطلق الانتماء لهم والحدب عليهم. وهو نقد أحرى بهم ان ياخذوه مأخذ الجد، لو كانوا يريدون الإصلاح حقا، وما اظنهم يفعلون.
ونور الدين ساتي السفير بفرنسا. واضحة عليه سيماء جامعة الخرطوم كما كانت في أيامها الخوالي، قبل أن يقوضها هذا العهد فيما قوض، ومن قلة من الدبلوماسيين المدربين الذين لم ينبذونهم نبذ النوى كما فعلوا مع عشرات منهم. اخذ الدكتوراة من جامعة السربون. أنيق في مظهره وفكره وحديثه، إذ النظام الذي يمثله في تلك العاصمة الأنيقة اميل إلى الخشونة والرعونة، فلا ادري كيف يصنع! هو الآخر استمات في الدفاع عن النظام. ومن يلومه؟
وفرانسيس دنق. نتاج تعليم انجلو سكسوني محض، في جامعة الخرطوم، ثم في جامعة لندن، ثم في أمريكا حيث هو الآن (زميل) في معهد (بروكنقر) الذائع الصيت.
تعهده منصور خالد في وزارة الخارجية فعمل سفيرا في السويد وفي كندا، فوزيرا للدولة حين كان منصور خالد وزيرا للخارجية. وفي سمته شي من صديقه وأستاذه.
نشأ على تخوم (بحر العرب) حيث القبائل العربية في جنوب كردفان، تتعايش منذ حقب مع قبائل الدنكا، يتحاربون مرة، ويصطلحون مرة. فاستقرت حياتهم على ذلك النمط، لا غنى لأحدهم عن الآخر، فرانسيس دنق يفهم ذلك حق الفهم، فقد كان أبوه من شيوخ العشائر.
رجل مصقول ( كوزموبوليتان) يحسن اللغة العربية، وناصع البيان باللغة الإنجليزية. ثم هو أيضا كاتب روائي لديه قدرة الروائيين على النظر إلى الأمور من أكثر من زاوية.
ظل معتدلا طول حياته، إلا أن مرارة الجنوبيين المتزايدة أخذت تؤثر عليه. ولعله إن جد الجد ينحاز إلى عشيرته في الجنوب. فمن يلومه؟”.
**
إنما من كل شخوص ذلك المسرح، الشخصية التي شدت انتباهي أكثر وأثارت خيالي، كانت تلك السيدة الجنوبية (اقنس لكدر) حاكم ولاية (بحر الغزال).
كانت تجلس على طرف وفد الحكومة، كأنها ليست منه، وتواجه الجنوبيين خصوم الحكومة، كأنها ليست جنوبية. كأنها انتزعت من الفريقين استقلالها الإنساني فأصبحت (أمة) قائمة بذاتها.
كان حديثها خاليا من أية نبرة خطابية، ومن اية محاولة للتأثير، ومن أي احساس بالذنب، ومن أدنى جهد للاعراب عن الولاء للنظام القائم.
بدت لي فجأة امرأة ذات ابعاد (مثيلوجية)، أكبر من الصراع المستقر، واكبر من كل الرجال الذين يلهبون نيران ذلك الصراع. مثل فاطمة أحمد ابراهيم. مثل كل الزوجات الايامى والأمهات الثواكل، في الجنوب والشمال، وفي البوسنة وفي أفغانستان وفي الصومال وفي رواندا وفي كل مكان.
وفي لحظة درامية عالية، نظرت إلى الجنوبيين قبالتها، وقالت لهم ببساطة:
“إنكم حكمتم من قبل، فماذا فعلتم؟ ولو عدتم إلى الحكم فلن تفعلوا شيئا”.
وكان سؤالها، كما خيل لي، يشمل السياسيين السودانيين منذ الاستقلال إلى اليوم، شماليين وجنوبيين. ويشمل الحكم القائم التي هي من ولاة اقاليمه.
قالت إنها تحاول أن تصلح بعض ما افسدته الحرب. تدبر الماوى للمشردين والعلاج للمرضى والتعليم للأطفال والعمل للعاطلين.
تحاول أن تعيد الحياة الي طبيعتها بقدر الإمكان. مستعينة ببرنامج الأمم المتحدة للتنمية ووكالات الإغاثة وكل من يمد لها يد العون.
بمن تذكرني هذه السيدة من شخوص المسرح؟
ب(الأم الشجاعة) لبريشت؟ بالقديسة جون لبرنارد شو؟
ربما هي أقرب إلى (كليون) في مسرحية (انتيقونا) للكاتب الفرنسي جان انوي. هو أيضا اكتسب “المبرر الأخلاقي” انه حاول أن يصلح الخراب الذي أحدثه (اوديب ملكا)، بقدر الإمكان.

هوامش:

  • من مقال مطول من كتاب (وطني السودان) بسلسلة مختارات الطيب صالح، رقم ٧، وهذه المختارات تجميع للمقالات التي كان ينشرها الطيب صالح بمجلة المجلة اللندنية في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بما في ذلك ما ظل ينشره اسبوعيا تحت عنوان (نحو أفق بعيد) بالصفحة الأخيرة من المجلة المذكورة.
  • ندوة برشلونة موضوع هذا المقال عقدت، كما يفهم منه، في حوالي سنة ١٩٩٥ بمشاركة وفد من حكومة الإنقاذ برئاسة عمر البشير وآخر من الحركة الشعبية برئاسة جونق قرنق. وكان الطيب صالح وقت انعقاد هذا اللقاء مستشارا في اليونسكو بباريس. وأغلب الظن انه كان يقف وراء تنظيم هذا اللقاء، وان لم يشر الي ذلك في المقال، فهو كعادته لا يحب الحديث عن إنجازاته.

عبد المنعم عجب الفَيا
٦ ديسمبر ٢٠٢٥

abusara21@gmail.com

عن عبد المنعم عجب الفيا

عبد المنعم عجب الفيا

شاهد أيضاً

في أساليب الكتابة

عبد المنعم عجب الفَيا “.. وعندي أن المعنى العميق للأسلوب، المعنى الذي يجب أن تعنيه …