شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م العسكري في السودان

بسم الله الرحمن الرحيم
زيارة للتاريخ: شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م العسكري في السودان
[10-15]
هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com

شهادة السيد الصادق المهدي حول انقلاب نوفمبر 1958م*
(الجزء الأول)
*جرت هذه المقابلة بتاريخ 23/12/2017م

• أعمل في دراسة تاريخية وأرغب أن أعود بك للعام 1958م . لقد قرأت كتابك ” ميزان المصير الوطني في السودان” وهو آخر الكتابات التي تتناول فيها بعضاَ من التاريخ الوطني المعاصر، بالإضافة لأنني قد اطلعت على التوثيق التاريخي الذي أجريته في برنامج “شاهد على العصر” في قناة الجزيرة . ذكرت في هذه المظان أن مجلس إدارة حزب الأمة سنة 1958 قد أجتمع ليناقش توصية السيد عبدلله خليل بأن يدعم حزب الأمة تسليم السلطة للجيش ، وأن المجلس بأغلبية 13 عضو مقابل عضوين رفضوا هذه التوصية وصوتوا ضدها من جملة 15 عضواً في المجلس. لقد بحثت حول هذا الموضوع ولم أجد وثيقة أو مصدر يشير لهذا الاجتماع والتصويت، كما أنني لم أجد في الكتاب المذكور أو في حديثك لقناة الجزيرة إشارة لمرجع أو مصدر، لذلك أرغب بالرجوع إلى ذاكراتك لمعرفة حقيقة هذا الموضوع.
 نعم، الحقيقة أن الشهادة الثانية في هذا الموضوع هي شهادة السيد أمين التوم والتي تطرقت لهذا الموضوع. أن فكرة تسليم السلطة انبت على التقرير الذي أورده سفير السودان في القاهرة حينها يوسف التني….
• ولكن الراحل أمين التوم نفى أن يكون قد اطلع على هذا التقرير.
 ما ذكره عبدالله خليل أنه ورده تقرير من السفير يوسف التني، مفاده أن المصريين يرغبون في دعوة الاتحاديين ليتحدوا [تجميع الأحزاب الاتحادية] وأن مخاوف عبدالله خليل من حدوث ذلك كانت من الأسباب التي دعته لهذه التوصية. أنا رأيي أن السبب الحقيقي الذي جعل السيد عبدالله خليل يفكر في تسليم السلطة أنه في حزب الأمة نشأ [حينها] تيار قوى جداً يقوده الإمام الصديق نفسه رئيس الحزب ومعه آخرين مثل عبدالرحمن النور، ومأمون حسين شريف، وهؤلاء كانوا يرون أن لقاء السيدين [السيد عبدالرحمن والسيد علي الميرغني] من حيث هو كان خطأ، وكان يجب أن يُحصر في المسائل الدينية والاجتماعية. أما في المسائل السياسية فأقرب حزب لحزب الأمة هو الحزب الوطني الاتحادي بقيادة السيد إسماعيل الأزهري، باعتبارهما يمثلان الوسط وباعتبارهما أكثر صدقاً في الاستقلال. وأن حزب الشعب الديمقراطي بقيادة علي عبدالرحمن الضرير حليفهم حينذاك [الحزب الشريك في حكومة عبدالله خليل حينها] كان أقرب لتنسيق مواقفه مع السفارة المصرية. وأن حزب الشعب الديمقراطي من المستحيل أن يسمح بإجازة الدستور الدائم لسبب حقيقي وهو ظنهم أنه إذا أجيز الدستور سيصبح السيد عبدالرحمن المهدي رئيس الجمهورية، وبالفعل كانت هنالك فكرة من هذا النوع ؛ وهي أن يُجاز الدستور ويكون بموجبه السيد إسماعيل الأزهري رئيساً للوزراء، و السيد/ عبدالرحمن رئيساً للجمهورية، دي المسائل التي كانت تتم حينها في المطبخ السياسي لحزب الأمة……
• حينها كانت هنالك لجنة مشكلة لصياغة الدستور ضمن عضويتها السيد علي عبدالرحمن وآخرين
 كان واضح أنهم لن يقوموا بإعداد الدستور، المهم أن عبدالله خليل كان قلق جداً من هذا التطور، وفي رأيه أن هذا التطور فيه خطورة على مركزه. بالإضافة إلى ذلك وفي ذات الوقت كان هنالك [داخل حزب الأمة]مشروع تفاهم مع المصريين [ اتفاقية بين السيد عبدالرحمن المهدي والرئيس جمال عبدالناصر]، الكلام ده لا توجد به وثيقة مكتوبة، ولكن وثق له السيد عبدالفتاح المغربي ونشره لاحقاً. في ذلك الوقت وصل إلى علم عبدالله خليل وجود مسودة هذه الاتفاقية بالمصادفة من السيد عبدالفتاح المغربي ولم يعلم بها عن طريق السيد عبدالرحمن المهدي مباشرة، هنا أصبح وضع عبدالله خليل قلق لأنه لم يكن متحمساً لعلاقة خاصة مع مصر، ومن جانب آخر متخوف من إتمام اتفاق بين حزب الأمة والأزهري على حساب رئاسته للوزارة. استطاع عبدالله خليل أن يتحدث مع السيد عبدالرحمن مستغلاً سفر السيد الصديق إلى أوروبا لبيع أقطان مشاريع الدائرة الزراعية.
انتهز عبدالله خليل فرصة غياب السيد الصديق المهدي ليقنع السيد عبدالرحمن المهدي برأيه [بشأن تسليم السلطة للجيش]. لأن السيد الصديق قبل سفره عمل ترتيبات مع المجموعة [التيار] التي ذكرتها لك والتي ترغب في التغيير أن يتم تصويت بالتنسيق مع نواب الحزب الاتحادي في الجمعية التشريعية يوم 17 نوفمبر لإسقاط حكومة عبدالله خليل [بغرض تكوين حكومية ائتلافية مع الحزب الوطني الاتحادي برئاسة الأزهري] وكان مرتباً أن يتم هذا التغيير في غياب السيد الصديق المهدي. هذه الغيبة مثلما كانت مرتبة لإحداث تغيير في الجمعية التشريعية، فإنها مثلت سانحة للسيد عبدالله خليل للانفراد بالإمام عبدالرحمن ويعمل اتفاق مع السيد عبدالرحمن بالآتي [..هنا استطر د السيد الصادق في حديثه وتناول جزئية أخرى ذات صلة] كان السيد الصديق خلال رحلته إلى أوربا قد أرسل إلى والده السيد عبدالرحمن رسالة وهي موجودة وموثقة، تتضمن ما مفاده أن الحل للوضع السياسي المضطرب حينها يكمن في تشكيل حكومة قومية، برئاسة الأزهري، هذه كانت الفكرة.
المهم أنه في وثيقة صدرت سنة 1951م تحدد دور السيد عبدالرحمن في قرارات حزب الأمة، وذلك بعد جدل ثار حول دوره في قرارات حزب الأمة. هذه الوثيقة هي الأساس الذي استند عليه السيد الصديق بوصفه رئيس الحزب في مخاطبة والده السيد عبدالرحمن [كان مسماه حينها راعي الحزب] لإرسال الخطاب الذي يوضح فيه موقفه بشأن ضرورة قيام الحكومة القومية الذي ذكرته لك وهي تذكير غير مباشر من السيد الصديق لوالده الإمام عبدالرحمن بأنه ما عنده role [دور] في قرارات الحزب، هذه التفاصيل أنا ذكرتها في كتاب عنوانه “الانشقاق”، ويمكنهم [يقصد مكتبه الخاص] تزويدك بنسخة منه.
المهم، أنا في رأيي أن حجة السيد عبدالله خليل التي اتخذها في هذا الموضوع [تسليم السلطة للجيش] أن الأحزاب غير موثوق بها، وأن أحسن طريقة هي الاتفاق مع العسكريين، أولاً: لكي نتقى بها أي مؤامرة مصرية، وثانياً: أن يستلم العسكريين السلطة لمدة ستة شهور، وبعدها يعيدوا الحكم بعد أن يكونوا قد وضعوا الدستور. هنالك عامل مهم وهو أن العلاقة بين السيد عبدالرحمن والسيد الصديق دائماً كانت مميزة جداً ، ولكن رغم ذلك فإن السيد عبدالرحمن في هذا الموضوع [تسليم السلطة للجيش] بالذات اتخذ مخالفاً لرأي أبنه السيد الصديق
• هل هذا بسبب العلاقة المميزة أيضاً بين السيد عبدالرحمن والسيد عبدالله خليل والصداقة التي كانت تجمعهما وأنهما أنداداً في العمر؟
 أنا في رأيي أن الإمام عبدالرحمن من شدة حرصه أن يكتب دستور للسودان تجاوز حقيقة أنه كان يجب أن يتحدث مع الإمام الصديق قبل اتخاذ قرار في هذا الشأن
• في منظور آخر وهو أن السيد عبدالرحمن كان حريصاً على مسألة رئاسة الجمهورية
 كما ذكرت لك فإن هنالك عوامل ذاتية لكل طرف دافعة لهذا القرار، أنا ما كنت في المطابخ دي، أنا استشهد بالوقائع دي، أنا كنت ما زلت طالباً …..
• كنت قد تخرجت من الجامعة واشتغلت في وزارة المالية وتسعى للسفر في بعثة إلى كالفورنيا لدراسة الزراعة.
 نعم، لكن الحصل أن الوالد حينما سمع بالانقلاب قطع رحلته وعاد. أنا ما كان مفروض أكون في استقباله، بالصدفة كنت متواجد في المنزل وهو اتصل بالهاتف من المطار وأنا رديت على الهاتف، قال لي:( الصادق أنا جيت وما كلمت أحد لأني قطعت رحلتي، تعال وصلني). قدت سيارة وذهبت إليه، وأول ما قابلته قال لي : ( ده شنو ده يا الصادق العملوهو ده). كان مستنكراً جداً ما حدث. قلت ليه أنا ذاتي مستنكر ما حدث، لأنه دي جريمة كبرى في حق السودان، خصوصاً إنها مربوطة بينا [يقصد حزب الأمة وكيان الأنصار] . سألني عن مكان تواجد السيد عبدالرحمن فأبلغته أنه في السرايا، فطلب مني أن أوصله إليه، وصلنا السرايا ووجدنا الإمام عبدالرحمن في غرفة علوية مع بعض الأشخاص، فبادره الإمام الصديق بإقدام شديد: (ده شنو يا سيدي العملتوهو ده) فرد عليه الإمام عبدالرحمن:( يا صديق الأمور اتلخبطت.).فقاطعه السيد الصديق:( ياسيدي الأمور نشيلها من يدنا نعطيها لغيرنا، هل هو أقدر منا؟) حدثت مجادلة أمامنا…..
• هل تذكر التفاصيل الكاملة لهذه المجادلة؟
 قال له السيد عبدالرحمن: (الأحزاب غير جادة، لذلك صار في ضرورة لإيجاد طريقة أخرى.) رد عليه السيد الصديق: (يا سيدي حاجة في يدنا نديها لي غيرنا ، هل بخدمها أكثر مننا؟ ) هنا لم يرد عليه الإمام عبدالرحمن وإنما أخذ بيده إلى داخل غرفة أخرى، ولكن السيد الصديق استمر في القول: (الانقلاب ده لازم يقيف هسة [الآن] وينقضو) ……
• هل يفهم من هذه العبارة الأخيرة أنهم كانوا قادرين على وقف الانقلاب؟
 على أي حال، نسحب تأييدنا [ قام السيد الصادق بتفسير عبارة السيد الصديق] لأنه الإمام عبدالرحمن طلع بيان قوى جداً تأييداً للانقلاب. في رأيي أن السيد عبدالرحمن على طه ذهب لقراءة هذا البيان وهو ممتعض جداً، لأنه افتكر [يقصد الأستاذ عبدالرحمن علي طه] أنه عبدالله خليل مشى في مسألة عسكرية…..
• سوف أناقشك لاحقاً في مسألة البيان لأنك تجاوزت محاوري. أنا أرغب التركيز على موقف الإمام الصديق من الانقلاب والذي كنت أنت شاهداً عليه. لقد قمت لاحقاً بالتوثيق مع السيد زين العابدين الخليفة شريف لمذكرات السيد الصديق ” جهاد في سبيل الديمقراطية”. أنت حررتها وقام بالتقديم لها السيد زين العابدين، في هذه المذكرات توجد إشارة لوثائق مهمة جداً من ضمنها وثيقة يذكر فيها السيد الصديق المهدي أنه شارك في تدبير الانقلاب، هل تذكر هذه الوثيقة أو هذا الكلام؟
 لأ ، ما أذكره هو العبارة الأخيرة التي ذكرتها لك على لسان السيد الصديق: (هذا الانقلاب لازم يُنقض)
• دعني أنشط ذاكرتك بأنه جاء في مذكرات السيد الصديق أنه في سبيل سعية لاستعادة الديمقراطية واستعادة الحكم المدني قام بعقد عدة اجتماعات مع بعض أعضاء المجلس العسكري الحاكم فيهم اللواء المقبول الأمين الحاج وآخرين، حوالي ثلاث اجتماعات، فكان يذهب لهذه الاجتماعات بمذكرة ثم يعود ليكتب ويوثق ما دار بينه وبين هؤلاء القادة العسكريين ليطرحه على من حوله. هذه الوثائق يقول فيها السيد الصديق أنه ذكر للعسكريين أنه (أنا شاركت في اجتماعات للترتيب للانقلاب) هل هذا صحيح؟
 أنا لا أقدر أن أقول لك أكثر مما أعرف
• كذلك الفريق عبود في أقواله أمام لجنة التحقيق التي شكلت بعد ثورة أكتوبر ذكر أنه قبل الانقلاب اجتمع وآخرين مع السيد الصديق في منزله ولكن لمناقشة مقترح السيد الصديق حول تعيين وزير دفاع من العسكريين. بينما السيد الصديق في مذكراته يقول أننا اجتمعنا للتفكير في الانقلاب، ونفكر في كيفية قيامه، ولم نصل لنتيجة وتخلينا عن الفكرة. هل كان هنالك ترتيب آخر في مطبخ حزب الأمة للانقلاب بخلاف ما هو معلوم عن دور ودوافع السيد عبدالله خليل؟ لأن هنالك تناقض حيث كافة الروايات محصورة فقط في دور ودوافع عبدالله خليل.
 يجوز جداً ، لأنه احتمال الانقلاب كان وارد أصلاً.

( نواصل في الجزء التالي الحلقة الثانية من شهادة السيد الصادق المهدي)

عن هاشم عوض عبدالمجيد

هاشم عوض عبدالمجيد

شاهد أيضاً

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (12)

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (12)(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة …