محمد أحمد محجوب يحكي عن ثورة اكتوبر ١٩٦٤

عبد المنعم عجب الفَيا
كتب محمد أحمد محجوب* :
“تميزت ثورة اكتوبر بعنصر رئيس، ربما فريد في نوعه، وهو أن الثورة حدثت بصورة عفوية من أجل إعادة الحكومة المدنية بعد ست سنوات من الحكم العسكري السيء. فلم تكن لدينا خطط سرية، ولا مؤامرة موقتة من أجل قيام حركة عصيان، ولا رموز للعمليات ولا وحدات من الجيش مع مصفحات تنتظر الإشارة لبدء العمل، ولا وحدات كوماندو للاستيلاء على الأبنية الاستراتيجية. لقد كانت ثورة جماهيرية للناس العاديين ضد سنوات من الاضطهاد.
وقد ارتفعت غضبة الشعب الي درجات محمومة اثر مقتل الطالب الجامعي على أيدي الشرطة في يوم الأربعاء ٢١ أكتوبر.
وفي ظهر يوم الخميس اجتمعنا نحن المحامين في مكتب نقيب المحامين، اقترحت ان نعقد اجتماعا أوسع يحضره حرفيون آخرون ونعلن الإضراب العام والعصيان المدني.
في هذه الاثناء كان الشعب قد نزل الي الشارع. فطافت التظاهرات في جميع أنحاء المدينة، وامتلات الشوارع بالجماهير الساخطة الهاتفة التي كانت تحتشد في مكان ما، تفرقها الشرطة بالقنابل المسيلة للدموع، فتعود الي التجمع في مكان آخر. وفي اليوم التالي استؤنفت التظاهرات منذ الصباح الباكر، ووقعت معارك مستمرة بين الجموع والشرطة طوال النهار.
ويوم السبت تجمع المحامون والأطباء وأساتذة الجامعات والمعلمون وافراد الطبقات المهنية، امام المحاكم، وبداوا مسيرتهم نحو القصر الجمهوري، لتسجيل احتاجهم، فظهر رجال الشرطة والجنود، وأطلقوا قنابل الغاز وهددوا بإطلاق النار.
وفيما كان الغاز المسيل للدموع يرتفع امام مبنى المحكمة، توجهت إلى مكتب (رئيس القضاء) أبو رنات طالبا منه التوسط مع المجلس العسكري الأعلى للسماح بالمسيرة، فاتصل هاتفيا وحصل على موافقة بمقابلة وفد من المتظاهرين من خمسة أشخاص فقط.
وكنا خلال ذلك استولينا على قاعة محكمة الاستئناف حيث اجتمع أصحاب المهن الحرة وقرروا اعلان الإضراب العام والعصيان المدني، وتلى القرار على الجماهير المحتشدة امام المحكمة، فردت هاتفة بالموافقة.
قاومت الحكومة القرار بوضع القاضيين الكبيرين، بابكر عوض الله وعبد المجيد امام، اللذين وقعا على عريضة الاحتجاج مع اعضاء المهن الحرة، في الإقامة الجبرية. وأعلن منع التجول خلال الليل في المدينة، وانتشرت اشاعات بأن السلطات عازمة على اعتقال قادة اتحادات المهن الحرة الذين أعلنوا العصيان المدني واحالتهم على المحكمة العسكرية.
ايام السبت والأحد والاثنين ظلت التظاهرات مستمرة، وتضامن المزارعون في المناطق الريفية القريبة من المصانع ومعلموا المدارس والطلاب والأساتذة وموظفو الحكومة والمحامون والقضاة. ونزل الي الشارع كل من كان قادرا على السير على قدميه. وكان البعض من المتظاهرين، يحملون العصي واغصان الشجر، وما عدا ذلك لم يكن أحد مسلحا، بل كان سلاحهم الأوحد إيمانهم القوي بالاحتجاج.
ولكن الجمهور كان ضعيفا جدا عندما ظهرت دبابات الجيش والجنود بالرشاشات في الشوارع. ومن حسن الحظ ان العناصر الحكيمة في الجيش سارعت إلى التدخل، وهرع بعض ضباط حامية الخرطوم إلى القصر الجمهوري وجابهوا المجلس الأعلى وطلبوا إلى اعضائه تقديم استقالاتهم، فرفض المجلس المطلب، فاستدعى الضباط مصفحاتهم وتمت محاصرة القصر الجمهوري.
وعبر هذا الطوق من الدروع، قدمنا نحن المدنيين شروطنا الي المجلس الأعلى. وتلت ذلك ساعات من الانتظار المشوب بالتوتر. ثم اعلن المجلس العسكري الأعلى في الساعة التاسعة مساء الاثنين ٢٦ أكتوبر ١٩٦٤ انه سيتخلى عن السلطة ويقيل مجلس الوزراء، وسيحل المجلس المركزي.
وبعد ربع ساعة من اعلان ذلك تجمع الوف من الناس الذين كانوا يتظاهرون في الشوارع، امام منزلي يهزجون ويهتفون مهنئين. لقد سجلنا انتصارا حاسما ولكن الحرب لم تنته.
وبدأت المفاوضات الشاقة مع الجيش حول كيفية تشكيل الحكومة الجديدة. وفي صباح الأربعاء دخل أحدهم إلينا في الاجتماع الذي كنا نعقده في الجامعة، وقال لاهثا: “هناك اشاعات بأن المجلس العسكري الأعلى قد سحب قراره،. وهو عازم على البقاء في السلطة”.
فظهرت الجماهير فجأة وأخذت تسير نحو القصر الجمهوري. وعلت هتافات: ” إلى القصر.. حتى النصر”.
وأمام القصر دوى ما بدا انه عيار ناري من مسدس، ولعله لم يكن في واقع الأمر سوى كاتم سيارة محقون. ولكن أحد الحراس العسكريين فقد اعصابه واصدر الاوامر بإطلاق النار فدوت الرشاشات فورا موجهة النار نحو المتظاهرين. فقتل كثيرون على الفور واصيب آخرون جروح بلغية.
وفي مساء ذلك اليوم اجتمعنا في منزلي، اتصلت بأحد الضباط الذين اعرفهم يقفون الي جانبنا واطلعته على الإشاعات التي قادت الي المذبحة امام القصر الجمهوري، فجاء الضابط فورا إلى منزلي، وطماننا إلى أن الإشاعات عارية من الصحة،. ربما كان هدفها نشر الفوضى :”هل قتل كل هؤلاء الضحايا من أجل لا شيء. لن نعرف ذلك ابدا”.
ولكن الضابط اقترح متابعة المفاوضات بالرغم من الاصطدام المؤسف، وفعلا استمرت المفاوضات ليل الاربعاء وطوال يوم الخميس. وفي الساعة الثامنة مساء الخميس اجتمع الحرفيين في منزلي للاتفاق على حجم الحكومة وشانها، وقدمنا الاقتراح للجيش.
واستمرت المفاوضات. وفي الساعة الرابعة من صباح الجمعة جاء الي منزلي الصادق المهدي واحمد المهدي، اللذان مثلا حزب الأمة في المفاوضات، حاملين نبا اختيار سر الختم الخليفة رئيسا للوزارة. لم يكن لي مأخذ على الخليفة، إذ كنت اعرف انه أحد افضل المربيين في البلاد. وقد ابلغاني أنهما في الحقيقة رشحاني لرئاسة الوزارة، ولكن الجيش رفض. وكان تعليقي: “أنني مدهوش من قبولهم تعييني في اي منصب وزاري”.
لم يكن سر الختم الخليفة سياسيا. بل سبق وعمل مساعدا لوكيل وزارة التربية في المحافظات الجنوبية، ثم عمل مديرا للمعهد الفني في الخرطوم. وقد تم اختياره على اعتبار انه سيتمكن من اتخاذ موقف محايد في الثورة السياسية التي لا تزال قائمة.
وبعد مضى أربع ساعات، اذاع رئيس الوزراء الجديد بيانه السياسي، وعين مجلس وزراء جديدا. وقد عينني وزيرا للخارجية، ومبارك زروق وزيرا للمال. أما الوزراء الآخرون، فلم يكن لهم خبرة سابقة في الوزارات. وتم تعيين ثلاثة وزراء من الجنوب بينهم كلمت امبورو، نائب حاكم دارفور وزيرا للداخلية.
وكانت مهمة مجلس الوزراء الجديد، إعادة الحكم المدني المستقر، وتسوية قضية الجنوب السودان، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وانتخاب مجلس تأسيسي يتولى وضع دستور دائم.
واول أمر اصدرناه كان الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين. وبعد أسابيع تم الإفراج عن جميع العسكريين الذين اعتقلتهم حكومة عبود، بمن فيهم البريغادير شنان والبريغادير محي الدين، اللذين كانا محكوما عليهما بالسجن المؤبد لثورتهَا القصيرة الأمد عام ١٩٥٨.
قد نجحت ثوراتنا الاكتوبرية، وانتهت ست سنوات بائسة من الحكم العسكري، غير انه لم يكن ممكنا ازالة ما خلفه هذا الحكم من توتر وهواجس وشكوك في لحظة واحدة. وكانت البلاد في حالة عصيبة.
فمثلا سرت في ٩ نوفمبر، إشاعة تقول ان بيانا اذيع من راديو ام درمان، معناه ان الجيش قد تحرك لاسقاط الحكومة. وكنت في ام درمان عندما سمعت الاشاعة، وعدت فورا إلى الخرطوم، فالفيت الناس في العاصمة قد نزلوا الشوارع، واقاموا المتاريس في كل مكان. وقد سمحوا لي بالمرور بعد أن تعرفوا علي وعلى سيارتي، فاتجهت إلى وزارة الداخلية حيث اتصلت بقيادة الجيش، فقيل لي ان الإشاعات غير صحيحة واذاع رئيس الوزراء بيانا على الشعب معلنا ان الاشاعة خاطئة.
وفي اجتماع مجلس الوزراء في اليوم التالي، قررنا اعتقال جميع أعضاء المجلس العسكري الأعلى السابق فتم اعتقالهم بسرعة وبهدوء فجر ١١ نوفمبر ونقلهم بالطائرة إلى زالنجي الواقعة في جزء معزول غرب السودان.
وفي ١٥ نوفمبر، تخلصنا من الرئيس عبود، آخر رمز للحكم العسكري في السودان. فقد اعددنا له بيانا موجها الي الأمة من الاذاعة ففعل. وتوجه جميع أعضاء مجلس الوزراء (الجديد) الي القصر لوداعه.
وكانت رغبته الأخيرة التقاط صورة له مع الوزراء، فتم ذلك. وتقدم بطلب آخر : ابنه يتلقى العلوم في لندن ويقيم مع سفيرنا هناك، فهل يمكنه البقاء مع السفير، وطماناه إلى ذلك.
وبعد ذلك طرح عبود قضية راتبه التقاعدي أو اكرامية: قال إنه رجل فقير وبحاجة إلى مساعدة مالية لبناء منزل. فخيره وزير المال بين مبلغ مقطوع لبناء المنزل أو دفع راتب تقاعدي شهري مدى الحياة، فاختار الراتب التقاعدي. وهو لا يزال يتقاضى الراتب ويقيم بدار صغيرة في الخرطوم دون مضايقة..”.

هوامش:

  • من كتاب (الديمقراطية في الميزان)، محمد أحمد محجوب، دار جامعة الخرطوم للنشر، طبعة ١٩٨٦, ص ١٩٢
    وكان الكتاب قد صدر في الأصل باللغة الإنجليزية سنة ١٩٧٤ م تحت عنوان:
    Democracy on Trial, Reflections on Arab And African Politics,
    Introduction by Lord Caradon. London, 1974.

عبد المنعم عجب الفَيا
١٦ ديسمبر ٢٠٢٥

abusara21@gmail.com

عن عبد المنعم عجب الفيا

عبد المنعم عجب الفيا

شاهد أيضاً

في أساليب الكتابة

عبد المنعم عجب الفَيا “.. وعندي أن المعنى العميق للأسلوب، المعنى الذي يجب أن تعنيه …