الجامعات تهب للمساهمة في إعادة الإعمار ودرء آثار الحرب في السودان

safeelawad@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم

د. سيف الدين حسن العوض

سعدت أيما سعادة وأنا ألتقى خبراً مفاده بأن جامعة أفريقيا العالمية رائدة الجامعات السودانية والأفريقية بصدد تنظيم مؤتمراً دولياً حول دور الجامعات في إعادة إعمار ما دمرته النزاعات والحروب، لما لهذا الموضوع من أهمية قصوى في ظل التحديات التي تواجه العديد من الدول، ولما أثبتته الجامعات عبر التاريخ من قدرة على احتضان الأفكار الخلاقة والمبادرات البناءة التي تساهم في استعادة الحياة للمناطق المتضررة والمجتمعات المتأثرة.

بادئ ذئ بدء دعوني أحيي جامعة أفريقيا العالمية الفتية، وأركان سلمها، على مبادرتهم هذه وعلى تنظيم وعقد مثل هذا المؤتمر المهم، بعنوان: دور الجامعات في إعادة الإعمار عقب الحروب والأزمات، وذلك بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية، من 6 إلى 8 من يناير 2026م، وعلى دعوة كل الناس، والعلماء، والباحثين، والطلاب، للمشاركة في هذا المؤتمر الفريد من نوعه، والذي يأتي في وقته تماماً، وحتما سيشجع هذا المؤتمر الجامعات الأخرى والمؤسسات والمنظمات لكي تحذو حذوها في هذا الشأن، فبعيداً عن قاعات المحاضرات، توفر المؤتمرات بيئة مثالية للتواصل المباشر وغير الرسمي بين الباحثين من مختلف التخصصات والمؤسسات وحتى الدول، هذا التواصل قد يؤدي إلى خلق وابتكار أفكار مشتركة، وتأسيس فرق عمل متعاونة، وتوقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية، مما يعزز من قوة البحث وتأثيره.

كذلك دعوني في هذه العاجلة اتناول ما يجب أن تساهم به الجامعات عقب النزاعات والحروب، فإن العدوان على السودان شعبه قبل جيشه منذ 15 أبريل 2023م وحتى يومنا هذا، خلف دماراً شاملاً للبنية التحتية وهدماً غير مبرر للمستشفيات والمساجد والمنازل والبيوت والجامعات والمدارس، بجانب أنه مزق النسيج الاجتماعي والاقتصادي للسودانيين، وجعل ملايين السودانيين يعيشون في ظروف إنسانية مأساوية، مع خوف وظلم وعدم إنصاف بطرق عنفية، فضلاً عن أنه ترك ملايين السودانيين يعانون من صدمات نفسية عميقة، نتيجة فقدان الأحبة، أو التعرض للعنف، أو النزوح القسري فكثير من السودانيين يعانون إلى يومنا هذا من اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة.

كل ذلك يجعلنا نقف ونفكر في ضرورة وضع آليات واضحة لضمان إدماج مشاركة كافة مؤسسات المجتمع السوداني عامة، والجامعات خاصة وتحقيق تطلعاتهم في عملية إعادة إعمار السودان مع التأكيد على ضرورة إزالة العقبات والتحديات التي تحد من مشاركة كافة الجهات الفاعلة في المجتمع. فمهمة إعادة إعمار وإصلاح ما دمرته وخربته الحرب على السودان وشعبه ليست بالسهلة ولكنها ليست بالصعبة وخاصة إذا تبنتها جهات فاعلة كالجامعات التي تملك من الامكانات الكثير. والسؤال المهم الذي يطرح نفسه ما مدى أمكانية اسهام الجامعات في عملية إعاد إعمار السودان؟ وما هو دور الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة في توفير فرص المشاركة الفعالة والحقيقية في دعم عمليات بناء السلام وتجاوز آثار الحرب في السودان، وفي حال عدم دعم وإعطاء الجامعات الدور الحقيقي ومساندتهم في عملية إعادة الإعمار نتسأل ما هي الآثار السلبية المترتبة على ذلك؟

وتعتبر قضية إعادة إعمار السودان واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتشابكاً في المنطقة العربية والأفريقية، خاصة بعد مرور ما يقرب من ثلاثة سنوات على اندلاع الحرب في السودان التي خلفت دماراً هائلاً في البنية التحتية والاقتصاد والمجتمع. وقال مختصون أن فاتورة الحروب الحقيقية فى السودان في صورتها النهائية لن تتضح إلا بعد توقف الحرب تماماً وتسليم المليشيا المتمردة لاسلحتهم، وأكدوا أنها قد تكون أكبر بكثير من كل التوقعات لتجد البلاد نفسها في مواجهة مهمة شاقة لإعادة الإعمار والبناء على كل المستويات، واضافوا أنه في حال التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب فى البلاد فإن خيارات الإصلاح والإعمار تبدو أمراً غاية فى الصعوبة والتعقيد، إذ أن الخبراء قدروا فقط تكاليف إعادة إعمار السودان بأكثر من 300 مليار دولار، وتشمل هذه التكلفة إعادة بناء المدن المدمرة، وإصلاح البنية التحتية من طرق وجسور ومطارات، بالإضافة إلى إعادة تأهيل القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والطاقة، وذلك حسب تصريحات للسيد وزير التنمية العمرانية والطرق والجسور السوداني صلاح حامد إسماعيل (قناة العالم الفضائية، 2025م).

ولا يمكن فصل عملية إعادة الإعمار عن عملية بناء السلام والتي تتضمن مجموعة واسعة من الجهود التي تبذلها مختلف الجهات الفاعلة في الحكومة والمجتمع المدني على المستويات المجتمعية والوطنية والدولية، لمعالجة الأسباب الجذرية للعنف، وضمان تحرر المدنيين من الخوف، والتحرر من الفاقة، والتحرر من الإذلال قبل الصراع العنيف وخلاله وبعده.

على الصعيد الإنساني، فإن عملية إعادة الإعمار لا تقتصر فقط على إعادة بناء المباني والطرق، وبناء السلام، بل تشمل أيضاً إعادة تأهيل المجتمع السوداني الذي عانى من ويلات الحرب، من خلال تجاوز آثار الحرب، ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فإن 6.7 مليون سوداني لا يزالون نازحين داخلياً، بينما يعيش 5.6 مليون لاجئ في دول الجوار، خاصة في مصر، والسعودية، وقطر، والامارات، وتركيا، وسلطنة عمان، وبعض الدول الأفريقية. هذه الأعداد الهائلة من النازحين واللاجئين تشكل عبئاً كبيراً على عملية إعادة الإعمار وبناء السلام ودرء آثار الحرب، حيث تتطلب إعادتهم إلى ديارهم توفير ظروف معيشية آمنة ومستقرة، بما في ذلك فرص العمل والخدمات الأساسية.

إن إعادة إعمار السودان ليست مجرد عملية هندسية أو اقتصادية لترميم ما دمرته الحرب، بل هي قضية حقوق إنسان بامتياز، فالحرب التي استمرت لأكثر من عامين لم تدمر فقط البنية التحتية، بل مزقت النسيج الاجتماعي والاقتصادي للسودانيين، وتركت ملايين البشر يعيشون في ظروف إنسانية مأساوية، ويجب أن ننظر إلى إعادة الإعمار كفرصة لإعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع السوداني، فالحرب لم تدمر فقط البنية التحتية، بل دمرت أيضاً العلاقات الاجتماعية بين الناس، حيث أدت إلى انقسامات عميقة على أساس طائفي أو سياسي أو جغرافي، وبات كثير من السودانيين يشعرون بأن الحرب قد زادت من حدة الانقسامات الاجتماعية، ما يجعل عملية المصالحة المجتمعية أمراً بالغ الصعوبة، لذلك، فإن أي عملية إعادة إعمار يجب أن تشمل برامج لتعزيز الحوار المجتمعي، وإعادة بناء الثقة بين الأفراد، وتشجيع التعايش السلمي بين مختلف المكونات الاجتماعية.

كما يجب أن تراعي عملية إعادة الإعمار التأثير النفسي والاجتماعي للحرب على الأفراد، فالحرب تركت ملايين السودانيين يعانون من صدمات نفسية عميقة، نتيجة فقدان الأحبة، أو التعرض للعنف، أو النزوح القسري وكثير من السودانيين يعانون من اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، لذلك، فإن أي عملية إعادة إعمار يجب أن تشمل برامج لدعم الصحة النفسية، وتوفير الرعاية اللازمة للناجين من الصدمات، ومساعدة الأفراد على تجاوز آثار الحرب النفسية.

يجب في مرحلة عملية إعادة الإعمار مراعاة دور الجامعات في بناء المستقبل، ولا يغيب عن فكر أحد الدور المهم الذي تؤديه الجامعات في إعادة الإعمار لأن الجامعات هي أرفع المؤسسات التعليمية، حيث يؤدي البحث والتطوير الذي تنفذه الجامعات ومؤسسات التعليم العالي دوراً أساسياً في منظومة إعادة الإعمار في أي بلد من البلدان التي تنشد الرقي والتقدم، مما يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الجامعات والمؤسسات المختلفة للوقوف على قدرات الجامعات العلمية والتقنية من جهة، والتعرف على حاجات مؤسسات المجتمع المختلفة بعامة، والمؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بخاصة من جهة أخرى، بهدف تحديد مسارات بحثية واضحة يمكن أن تسهم في إعادة الإعمار وأخرى في بناء السلام وثالثة في درء آثار ما خلفته الحرب، والتنسيق فيما بينها لتحقيق غايات وأهداف مشتركة، تعود بالفائدة والمنفعة على جميع الأطراف ذات العلاقة، ومن هذا المنطلق فيجب أن تولي الجامعات في السودان برامج البحث والتطوير الخاصة بإعادة الإعمار وبناء السلام وتجاوز آثار الحرب، اهتماماً خاصاً، وذلك بتوفير البيئة العلمية المناسبة التي يمكن أن تنمو فيها البحوث العلمية وتزدهر.

وفي المقابل يجب على الحكومة والمنظمات الوطنية والأقليمية والدولية أن ترصد للجامعات لهذا الغرض الأموال اللازمة لتوفير الأجهزة المختبرية والمعدات العلمية التي تحتاجها الجامعات والباحثون بتخصصاتهم المختلفة، فالبحث العلمي يعد إحدى أهم وظائف الجامعات الأساسية، وبدون بحث علمي تصبح الجامعة مجرد مدرسة تعليمية لعلوم ومعارف ينتجها الآخرون، وليس مركزا للإبداع العلمي وإنماء المعرفة وإثرائها ونشرها والسعي لتوظيفها لحل المشكلات المختلفة التي يواجهها المجتمع.

فى حال توقف الحرب واقرار إعادة إعمار مادمرته الحرب، بالضروة اشراك الجامعات فى التنفيذ، فالجامعات كانت وما تزال وستظل تؤدي دوراً كبيراً في خدمة المجتمع والمساهمة في المشروعات القومية بإعتبارها تمثل بيت خبرة كبير في أي دولة من دول العالم، يضم كل التخصصات والخبرات القادرة والمؤهلة لإعادة إعمار مادمرته الحرب، بجانب بناء السلام وتجاوز آثار الحرب، وذلك بالتنسيق والتعاون مع الجهات المعنية في الدولة في معالجة كل المشاكل الناجمة عن الحروب وإعادة إعمار مايمكن إعماره ليس في الجامعات فقط وإنما في كل مؤسسات الدولة التي طالها الخراب والدمار. ويجب إبقاء الجامعات محوراً أساسياً في تلك الجهود، بل يجب أن تكون في مقدمة جهود إعادة الإعمار، باعتبارها المحرك الرئيس لكافة المبادرات والمشاريع المستقبلية، ولابد كذلك من التأكيد على اسهامات طلاب الجامعات، والكوادر التدريسية فيها، في المساهمة الفاعلة بإعادة الإعمار.

التحية لجامعة إفريقيا العالمية وهي تعقد مؤتمراً دولياً فريداً من نوعه في السودان (6-8 يناير 2026م) حول دور الجامعات في إعادة الإعمار بعد الحروب، ليس بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية فحسب، وإنما بالتعاون مع أساتذة وعلماء السودان في الداخل والخارج، وبالتعاون أيضاً مع خريجي هذه الجامعة الفتية في جميع أنحاء العالم، مع تمنياتنا لهم بالتوفيق والنجاح في مؤتمرهم هذا والمؤتمرات القادمة بإذن الله تعالى.

عن سيف الدين حسن العوض

سيف الدين حسن العوض

شاهد أيضاً

جامعة إفريقيا العالمية تنظم مؤتمراً دولياً حول دور الجامعات في إعادة الإعمار

safeelawad@gmail.comبسم الله الرحمن الرحيمد. سيف الدين حسن العوضإن المؤتمرات العلمية ركيزة أساسية للتقدم المعرفي والتطور …