شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (12)

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (12)
(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)

[12-15]
هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com

شهادة السيد الصادق المهدي حول انقلاب نوفمبر 1958م
(الجزء الثالث)

………..
• يقول السيد الصديق في الكتاب ما نصه: (إننا أيدنا هذا الوضع باعتباره وضعاً مؤقتاً لوضع الأمور في نصابها بعد أن أفسد بعض السياسيين الحكم في البلاد نتيجة لانصياعهم مع أغراض الطامعين في التدخل في شئون البلاد ولضعف الائتلاف مع حزب الشعب ولأول مرة أكشف لكما هذا السر ولمعلوميتكما الخاصة ولتعلما مقدار تأييدنا للتغيير نتيجة لما وصلت اليه الحالة من سوء فلقد اجتمع بمنزلي بأمدرمان وأكثر من مرة السادة إبراهيم عبود واحمد عبدالوهاب وحسن بشير وعوض عبدالرحمن لبحث ما آلت إليه الحالة ولنفكر في الانقلاب وكيف يتم واخيراً وبعد بحث استبعدنا فكرة الانقلاب لئلا نزج بالجيش في السياسة والحكم ثم سافرت أنا للخارج بسبب حالتي الصحية وعندما رجعت وجدت أن الانقلاب قد حدث انني أسوق هذه الحادثة لادلل بها على تأييدي في الماضي على أساس انه عمل مؤقت تدعو له الحالة اما الآن فاننا نرى كل التصرفات تهدف لاقراره ولاستدامته وهذا ما لا نوافق عليه وما لا نراه من مصلحة البلاد ) هذا هو الاقتباس الأول، كذلك جاء في الكتاب ما نصه:( ..وانما الحقيقة تقال أن الجيش لم يتولى الحكم بالقوة بل سعى لتأييد المواطنين بعد أن اتضح ضعف الائتلاف الحاكم آنذاك بين الحزبين الحاكمين بل اننا في بحثنا للحلول الممكنة للازمة في ذلك الوقت قد تعرضنا إلى احتمال تولية الجيش الحكم) هذا هو الاقتباس الثاني…
سيناريو غريب أليس كذلك؛ رئيس الحزب لديه اتصال بالجيش للترتيب لانقلاب وفي ذات الوقت الأمين العام لديه اتصال آخر في ذات الخصوص . السيد زين العابدين صالح يقول ان هذه الاجتماعات كانت تتم في حضور الاثنين. هل يمكن القول – ظناً – أنه كان هنالك اتفاق بين السيد عبدالله خليل والسيد الصديق على فكرة الانقلاب كخيار، ونوقش هذا الخيار مع القادة العسكريين في اكثر من اجتماع، وأن السيد الصديق لم يمضي مع الفكرة كثيراً بينما السيد عبدالله خليل بخلفيته العسكرية احتفظ بها كخيار ؟ وأن الاثنين كانا ضحية للفكرة نفسها لأنهما فتحا القمقم للمارد حينما لوحوا بفكرة السلطة للعسكريين الذين وقر لديهم خيار الانفراد بها بدل مشاركتها معها بأي صيغة؟ هل يوجد احتمال لهذه الفرضية.
 في رأيي كونه حدث بحث لمسألة تسليم السلطة للعسكريين فهذا صحيح.
• بمن في ذلك السيد الصديق؟
 نعم، في رأي كونه حدث بحث حول هذا الموضوع فهذا صحيح، وفي النهاية رفض الأمر. الإمام الصديق كان يفكر في حل المشكلة ببديل آخر وهو البديل السياسي المتمثل في الحكومة القومية.
• السيد الصديق كان يعمل على عدة مسارات ، كانت لديه المجموعة التي تفاوض جماعة الأزهري للحكومة القومية، وكذلك مسار الانقلاب….
 نعم، ولكن ultimately [في النهاية] كان قراره [السيد الصديق] ان تسليم السلطة للجيش خطأ، وأن خيار الحل السياسي المدني في الحكومة القومية هو الخيار الصحيح ومضى فيه. وأنا أعلم أنه ومجموعته [التيار]كانوا يعملون على اسقاط الحكومة [يقصد حكومة عبدالله خليل] يوم 17 نوفمبر 1958
• كيف يمكن لشخص يعمل على الترتيب لانقلاب وفي ذات الوقت يمضي في مسألة الحكومة القومية
 كانت مسألة خيارات ، أنا شهادتي هي أن الخيارات بُحثت وأن المسألة نوقشت واستُبعِدت وسافر السيد الصديق
• تقصد أن من احتفظ بفكرة الانقلاب هو فقط السيد عبدالله خليل…
 السيد عبدالله خليل كان لديه أسباب أخرى لذلك واصل في الموضوع، واستطاع الحصول على موافقة السيد عبدالرحمن والسيد علي، أتى بتأييد السيدين. هذه الخطوة تمت في ظهر السيد الصديق.
• بغض النظر عن الدوافع، دوافع كل طرف سواءً السيد عبدالله خليل، السيد الصديق، السيد عبدالرحمن وكذلك السيد علي. هل يمكننا حصر مسئولية الانقلاب في الثلاثة الأوائل؟ انت في كتاباتك حملت المسئولية للسيد عبدالله خليل والسيد الامام عبدالرحمن و استبعدت السيد الصديق. رغم أنه ناقش الفكرة ووضعها كاحتمال
 كما ذكرت لك ، كل قيادات حزب الأمة ناقشت الفكرة ولكنها استُبْعِدتْ…
• مسألة كل القيادات، ومسألة مجالس الحزب الرسمية ومؤسساته هذي محل جدل، لم تثبت
 أياً كان شكلها، أنا أقول لك شهادتي وأنت حقق ما تحقق وحدد من المسئول. أنا ما أعلمه أن هذه الفكرة طرحت وأنها استُبعدت. وأنه كان في فكرة بديلة هي الحكومة قومية.
• ألم تكن قاسياً على السيد يوسف التني وأنت تصف التقرير الذي كتبه بأنه “بارانويا”؟
 لا لم أكن قاسياً، لأنني أعتبر أن السيد يوسف التني استبق الظروف وأكد في التقرير أنه سيكون هنالك لقاء [يقصد اتحاد] بين الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي ليستلموا السلطة في السودان. أنا أرى أن ذلك كان وهماً ولم يكن صحيحاً.
• ولكن السيد يوسف التني ليس سفيراً عادياً؛ هو زعيم سياسي ومن مؤسسي مؤتمر الخريجين، وشارك عن الاستقلاليين في وفد الأزهري الأول إلى مصر سنة 1946م للتفاوض بشأن مستقبل السودان، دبلوماسي قدير، وشاعر مطبوع، الرجل لديه الحساسية الكافية والمقدرة على تحليل وتقييم الموقف وكتابة تقرير……
 نعم هو زعيم سياسي، أنا لا أتحدث عنه صفاته، صفاته كثيرة. أنا رأيي أنه عمل حاجة فيها تضخيم لمخاوف من لقاء الحزبين [يقصد حزب الأزهري وحزب علي عبدالرحمن] ، وهذا لعب دور في إثارة القوى الاستقلالية.
• خليفة العبيد كتب عن المحجوب أنه “سفياني”، فإذا سلمنا بالرواية المرتبكة التي كتبها الصحفي عبدالرحمن مختار عن الجلسة التي تمت في سرايا السيد عبدالرحمن وكان شاهداً عليها وحدث فيها ما حدث من نقاش لفكرة الانقلاب، والمرافعة التي أوردها على لسان المحجوب، رغم الشك في أن المحجوب حينها كان ضمن الدائرة الضيقة في مطبخ حزب الأمة، ألا تعتقد أنه غريب ألا يذكر المحجوب تلك المرافعة ودفاعه عن الديمقراطية في مذكراته، ويكتفي بكتابة كلام حالم عن أنهم كانوا قد وصلوا ليلتها لاتفاق مع مجموعة الازهري على الحكومة الائتلافية التي سوف تتشكل بعد 17 نوفمبر 1958م بناءً على المفاوضات التي كانت جارية حينها بين حزب الأمة وحزب الأزهري ، ويقول بأنه في تلك الليلة ذهب للنوم سعيداً مطمئناً مرتاح البالي على مستقبل الديمقراطية في الوقت الذي كانت دبابات العسكر تتحرك للاستيلاء على السلطة؟
 لا ، لم يكن المحجوب حالماً ، لأن رئيس الحزب كان معه في نفس الموجة، وكان يرى أن الحل هو في الحكومة القومية، ويوجد خطاب من السيد الصديق لوالده السيد عبدالرحمن بهذا المعني، بأن تُسقط حكومة عبدالله خليل يوم 17 نوفمبر ومن ثم يتم تشكيل هذه الحكومة القومية.
• كل القيادات التي سُئلت أو استوجبت بعد ثورة أكتوبر ، وتلك التي كتبت مذكراتها نفت أن يكون لهم علم مسبق بالانقلاب بمن فيهم أمين التوم، عبدالله نقدالله وآخرين. هذا يدحض الرواية بانهم ناقشوا الفكرة.
 يا أخي أنا لا أتحدث عن علمهم بالانقلاب، نقاشهم للفكرة مختلف عن علمهم بالانقلاب، أنا أقول أن الفكرة نوقشت بينهم، أنا لا أنفي أن الفكرة نوقشت واستُبْعدت. لكن زعماء حزب الأمة كلهم بما في ذلك شيوخهم إبراهيم أحمد، وعبدالرحمن علي طه، ومحمد أحمد محجوب كلهم بما فيهم الإمام الصديق فوجئوا بالانقلاب. ده الدليل على أن هذا الموضوع استُبعد تماماً. الموضوع نوقش، عبدالله خليل لم يأتي لهذا الموضوع بدون خلفية، لكن قطعاً ما حدث أن عبدالله خليل مشى في هذا الموضوع منفرداً، وهو منفرد استطاع أن يقنع السيد عبدالرحمن بتأييد الانقلاب ببيان قوي، كأنما هما [يقصد السيد عبدالله خليل والسيد عبدالرحمن] مع هذا الانقلاب ولم يفاجآ به.
• حسب علمك من كتب بيان السيد عبدالرحمن المهدي؟
 لا أعرف، لكن أنا بفتكر كتبه عبدالرحمن علي طه.
• عبدالرحمن علي طه نفسه نفى كتابة البيان وذكر أنه كان في منزله بالخرطوم يتهيأ لمغادرة العاصمة الى مدينة أربجي حينما فاجأه ملازمي السيد عبدالرحمن في بيته ومعهم نص البيان وفريق من الإذاعة وأبلغوه بطلب السيد عبدالرحمن منه أن يقوم بتسجيل البيان لأنه كان يفترض أن يدلي به السيد يحي بن السيد عبدالرحمن المهدي ولكنهم بحثوا عنه ولم يتمكنوا من معرفة مكانه. وكان السيد عبدالرحمن علي طه ممتعضاً جداً وهو يقوم بهذا الفعل، هذه روايته.
 وارد جداً، أنا لا اعلم من الذي كتب البيان.
• الباحثين قارنوا بين بيان السيد عبدالرحمن وبيان السيد علي ، وكذلك بيان عبود نفسه الذي أنهى به العهد الديمقراطي. يقولون أن بيان السيد عبدالرحمن هو في حقيقة الأمر البيان الأول للانقلاب، بيان مفصل، بيان عميق جداً، يُبرر ويُفسر للانقلاب بصورة واضحة ولم يكن فقط مباركة، وأن البيان صيغ بعبارات إما كتبها شخص متمرس في السياسية أو مجموعة أشخاص .
 صحيح ما ذكرته عن البيان، أنا لا أعرف من كتبه، ليس لدي علم. أنا في ذلك الوقت كنت موظف، فوجئت بالبيان واستنكرته واستقلت من الوظيفة وكتبت في استقالتي أنني حضرت للسودان للخدمة في حكومة ديمقراطية ولن أعمل موظف في حكومة ديكتاتورية. ده موقفي أنا.
• هل يوجد أي احتمال وبأي نسبة أن يكون السيد عبدالرحمن قد كتب هذا البيان بنفسه؟
……………………………………………
( نواصل في الجزء التالي الحلقة الرابعة من شهادة السيد الصادق المهدي)

عن هاشم عوض عبدالمجيد

هاشم عوض عبدالمجيد

شاهد أيضاً

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م [11-15]

(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)[11-15]هاشم عوض عبدالمجيدhashimkhairy@gmail.comشهادة السيد الصادق المهدي حول انقلاب نوفمبر …