د. سيف الدين حسن العوض
safeelawad@gmail.com
تختتم صباح اليوم الأربعاء 7 يناير 2026م ببورتسودان وأسفيريا كذلك أعمال المؤتمر الدولي الأول حول دور الجامعات في إعادة الإعمار عقب الحروب والأزمات، وهو من تنظيم جامعة أفريقيا العالمية بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية، وبمشاركة لفيف من العلماء والخبراء من داخل السودان ومن خارجه، بهدف تجميع الموارد البشرية والمادية والعلمية، وضمان لمبادرات وآراء شفافة، ووضع خارطة طريق شاملة تتيح إعادة بناء البنية التحتية، وخلق شروط الاستقرار، وتهيئة البيئة اللازمة لعودة السودان إلى ما كان عليه قبل الحرب بل وأفضل من ذلك بإذن الله تعالى. ولاشك أن مخرجات وتوصيات هذا المؤتمر ستجد حظها من التنفيذ وفق خطة عمل تتفق عليها الجامعات السودانية كافة والجهات المعنية في الدولة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الأسباب التي تدفع الجامعات السودانية للأهتمام بعملية إعادة الإعمار في المجتمع السوداني؟ ونجيب على هذا السؤال بقولنا أن الجامعات تعتبرهي ركيزة أساسية للتنمية والمجتمع، وأنها هي الأساس في تحقيق الأمن الاجتماعي، وبناء المجتمع، ونهضته وتطوره، وأن دورها المنوط بها ومسؤوليتها تجاه المجتمع تجعلها محورية، لأن فلسفة قيام الجامعات ترتكز على خدمة المجتمع، كما تعتبر الجامعات جزءاً لا يتجزأ من المجتمع، وواجب المسؤولية المجتمعية هو أحد مهامها الأساسية، بجانب خدمة المجتمع.
إن الجامعات هي مراكز فكرية وتنموية، وهي ليست مجرد مؤسسات تعليمية، وتتحمل مسؤولية المساهمة في استقرار المجتمع بعد الأزمات، وتمتلك القدرات العقلية الحكيمة والر شيدة والخبرات الأكاديمية والإدارية والعلمية لإدارة الأزمات وحلها، وللجامعات دورها الريادي والقيادي، فهي مناط بها توعية المجتمع وقيادة جحافل التنمية؛ فلا تنمية ولا تطور بدون تعليم جامعي، لأنها تضم كوادر مؤهلة في مختلف التخصصات، مما يجعلها رائدة في البناء والإعمار، وتمتلك القوة البشرية والخبرات اللازمة، وتتمتع بمكانة محترمة، وتخصصاتها في كل المجالات.
كما أن الجامعات هي محرك للبحث العلمي لإعادة الإعمار، والبحث العلمي الذي تقوم به الجامعات هو اللبنة الأولى في البناء والتعمير، وتعتبر الجامعات بيوت خبرة تسعى للاهتمام بما دمرته الحرب وإعادة الإعمار، ووجود خبراء اقتصاديون ومهندسون يمكنهم وضع دراسات علمية لإعادة الإعمار بأقل تكلفة، وهي بجانب ذلك تعد فيصل أكاديمي أساسي في إعادة الإعمار، فهي توفر البحوث العلمية وتشجع الكوادر الأكاديمية المؤهلة، بل وتتفرد الجامعات بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، فلها دور وطني ومسؤولية اجتماعية تجاه الوطن، وتتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه مجتمعها، ولها أدوار تاريخية وقرب من المجتمعات وتأثير في الحياة السودانية منذ نشأتها، ويمكن للجامعات من الاستثمار في الكوادر، فنقص الموارد يستدعي الاستثمار في تأهيل أعضاء هيئة التدريس، فهم القدوة لبناء المجتمع، ويجب دوماً الاستعانة بأصحاب العقول والخبرات من مختلف الحقول والتخصصات.
بجانب ذلك فإن الجامعات هي أساس للسلام المجتمعي، فهي تساهم في السلام الاجتماعي من خلال نشر الوعي الفكري، المصالحة، والتسامح، وهدفها السامي هو تحقيق هذا السلام الاجتماعي على أرض الواقع.
فضلاً عن ذلك فإن الجامعات لديها القدرة على الاسهام في إعادة إعمار ما دمرته الحرب لأنها تمتاز بريادتها للفعل العلمي المنهجي، كما أن لطلابها وخريجيها دوراً سياسياً، اقتصادياً، واجتماعياً، من خلال مشاركة الجامعات ومنسوبيها في المبادرات الكبرى والمشروعات الوطنية، من خلال الاهتمام بتعزيز وتحسين الضلع الثالث من مهام الجامعة وهو خدمة المجتمع، فالتعليم هو أقوى سلاح لتغيير العالم ونهوض المجتمعات.
أما عن المتطلبات اللازمة للجامعات للقيام بدورها في عملية إعادة الإعمار وبناء السلام وتجاوز آثار الحرب في السودان بكفاءة وفعالية، فأنه يجب أن تتوفر للجامعات عدة متطلبات لعل أولها دور صانع القرار والسياسات الوطنية وذلك من خلال إشراك الجامعات واستصحابها من قبل صانع القرار، والنهوض بالجامعات وإشراكها في اتخاذ القرارات، ووضع خطط طويلة الأمد لإعادة الإعمار تتكامل مع السياسات الوطنية، والاعتراف بدور الجامعات ودعمها.
وثانيها تأهيل وتطوير الجامعات وكوادرها عبر إعادة تدوير البيئة والموارد ورفع كفاءات الجامعات، وتأهيل الجامعات وتدريب الكوادر، وتأهيل كوادرها (مهندسين، اقتصاديين، إلخ) للقيام بدور إعادة الإعمار، مع الاهتمام بالبحث الأكاديمي والبحث المشترك بين الكليات المختلفة، بجانب ضرورة تصحيح وضع الأستاذ الجامعي لأنه ركيزة النهضة، فضلاً عن تأهيل المعامل والورش والقاعات، وتأهيل البنية التحتية، وإعادة الثقة في الجامعات وكوادرها بعد التحديات، وتهيئة البيئة الجامعية وعودة الأدوار الأكاديمية الطبيعية والاستقرار.
وثالثها التمويل والموارد بتوفير التمويل والميزانية الكافية للجامعات للقيام بدورها، وتوفير الإمكانيات المادية والبشرية، والمبادرة وتوفير الدعم المالي، بجانب البحث العلمي والتخطيط وذلك من خلال القيام بالمزيد من البحث العلمي، والاعتماد على مخرجات البحوث العلمية في كل مناحي الإعمار، وإعداد دراسات الجدوى ووضع الخطط والبرامج الفنية والاستراتيجيات، وتسخير البيئة الأكاديمية لعمل الدراسات حول المتغيرات بعد الحرب والتنبؤ بالمستقبل، وتبني أطروحات أكاديمية تصب في مصلحة الوطن والإعمار.
فضلاً عن ذلك فإن المبادرات والتكامل بين الجامعات مطلوب وذلك بأن تضع كل جامعة تصوراً لإعادة إعمارها أولاً، ثم ترتيب عودة الطلاب وصياغة برامج الإعمار، وعدم الانفصام عن الواقع بالمبادرات والمشاركة عبر الكوادر والطلاب، بجانب القيام بزيارات ميدانية للتوثيق والمشاركة في الإصلاح، ووضع خطة استراتيجية محكمة، مع ضرورة التركيز على الجانب المجتمعي والإعلامي وذلك عبر اصطحاب الإعلام الشعبي والرسمي، والتصالح الداخلي ونبذ الصراع السياسي والشعور بهموم المواطن البسيط. واخيراً وليس آخراً فالشفافية والمحاسبة تعتبر من المتطلبات الاساسية وذلك عبر تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد والمشاريع.
ودائماً ما تمتلك الجامعات مرونة أكبر من أي قطاع آخر في أي بلد من البلاد، فهي سرعان ما تعيد هيكلة نفسها وتفعيل دورها للعمل بأقل الإمكانيات، وذلك لأن جذور تأسيس المستقبل تبدأ من الاستثمار في التعليم الجامعي، انطلاقاً من التعافي النفسي ووصولاً لتخفيض نسبة البطالة، وتتضح أهمية الجامعات في تعزيز السلام والتماسك الاجتماعي، إذ يمكن للجامعات أن تبادر بالمساهمة في ذلك من خلال معالجة الأسباب الجذرية للصراع وتعزيز التفاهم بين الجماعات المختلفة، بجانب تلبية الاحتياجات النفسية والاجتماعية للمواطنيين، إذ تساعد الجامعات من خلال بحوثها ودراساتها في إجراء دراسات عن التعافي النفسي والاجتماعي الناتج عن الحرب من خلال توفير الشعور بالاستقرار، وهو أمر ضروري للمواطنيين المتضررين من الصراعات، بجانب أن الجامعات تسهم في منع تطرف الشباب الجامعي عبر الاستراتيجيات المهمة في إعادة الإعمار والتي من أبرزها استراتيجية استئناف التعليم للشباب النازحين لمنع انخراطهم في الجماعات المتطرفة، فقد كان هناك عدد كبير من الشباب ملتحقين بالجامعات قبل الحرب، لذا فإن استئناف التعليم الجامعي رغم الحرب التي كانت تدور رحاها في الخرطوم وفي عدد آخر من الولايات وتوفير الفرص التعليمية لهؤلاء الشباب منعهم من الانجراف نحو جماعات تؤدي بهم إلى مستقبل يبدو بلا أمل، لأن الفراغ الكبير والجهل يمكن أن يسبب أخطر من ذلك. فضلاً عن كل ذلك فقد ساهمت الجامعات في التنمية الاقتصادية، والمساواة الاجتماعية لتقليل مخاطر الصراعات، من خلال تزويد الأفراد بالمهارات والمعرفة وتقليل البطالة بزيادة فرص التوظيف والإنتاجية الاقتصادية كل ذلك ساهم وسيساهم في إعادة بناء الاقتصادات في البيئات ما بعد الصراع، كما أن الجامعات قد ساهمت أثناء الحرب وستساهم بعيد الحرب في دعم البرامج الجامعية التي تشمل تعليم السلام وغرس جهود المصالحة من خلال تعليم مهارات حل النزاعات وتعزيز ثقافة اللاعنف.
تعد الجامعات بمثابة ركيزة أساسية في إعادة الإعمار وأهم آليات بناء السلام، فهي تسعى عبر بحوثها ودراساتها خلق بيئة أمنية مستقرة وبعث التنمية المستدامة والقضاء على الفوضى لمنع العودة إلى حالة الحرب مرة أخرى، وتستند عملية اعادة الاعمار على مجموعة من المؤسسات والمنظمات الدولية كمنظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي، والمنظمات الإقليمية كالاتحاد الإفريقي، وكذلك الدول في تمويل مختلف مشاريع إعادة الإعمار، إلا أن اسهام الجامعات مقدم على كل ذلك.
إن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي تشكل أهمية قصوى في عمليات إعادة الإعمار وبناء الدول بعد الصراعات والحروب، لأن الجامعات تمثل بيوت خبرة تضم كل التخصصات وهي قادرة ومؤهلة لإعاد إعمار مادمرته الحرب في السودان، ويمكن أن يسهم طلاب الجامعات، والكوادر التدريسية فيها، بصورة فاعلة بإعادة الإعمار في السودان، عبر النهوض بالبحث العلمي وأثره علي عملية إعادة الإعمار في السودان.
كما تسهم المبادرات الخاصة لبعض الجامعات السودانية (جامعة الخرطوم وجامعة أفريقيا العالمية) في مواجهة التحديات والمشاكل التي تواجه الإعمار بعد الحرب وطرح الحلول لمعالجتها. وإن السودان يمتلك موارد بشرية يمكنه استخدامها في عملية إعادة الإعمار، نظراً إلى الكم الهائل من الجامعات وخريجيها في مختلف التخصصات، فإذا اسندت عمليات بناء السلام وتجاوز آثار الحرب في السودان للجامعات السودانية فسيتمكن السودان على الأرجح من استغلال موارده البشريه من أجل تحقيق عملية إعادة إعمار ناجحة بالأضافة لمعالجة مشاكل مؤسساتية رئيسة.
كما أكدت الكثير من الدراسات أن الجامعات السودانية أفضل من يسهم في تعزيز المصالحة المجتمعية وتشجيع البحث العلمي في بيئات أكاديمية متنوعة، فالجامعات، عندما تؤخذ من الناحية الاستراتيجية، لديها القدرة على تقريب فئات المجتمعات المنقسمة من بعضها البعض، بالرغم من خلفياتهم العرقية والدينية المتنوعة، بجانب انها تعزز الحوار المجتمعي، وتعيد بناء الثقة بين الأفراد، وتشجع التعايش السلمي بين مختلف المكونات الاجتماعية، كما تؤدي الجامعات دوراً كبيراً في خدمة المجتمع والمساهمة في المشروعات القومية بإعتبارها أكبر بيت خبرة في أي دولة لمعالجة كل المشاكل الناجمة عن الحروب وإعمار مايمكن إعماره، ذلك أن الجامعات لها فرصة الانخراط في إجراء بحوث مهمة وأساسية في أجواء جامعية مفتوحة ومتنوعة في اطار بناء السلام، كما تسهم الجامعات في النهوض بالبحث العلمي وأثره علي عملية بناء السلام في السودان، وعلى تجاوز آثار الحرب، وتقديم خدمات الإغاثة الإنسانية بسرعة بعيد الحرب، وتستطيع الجامعات السودانية بطلابها وهيئتها التدريسية أن تؤدي دوراً مقدراً في بناء السلام والمصالحة في فترة ما بعد الحرب، إلا إن إعادة بناء الجامعات يتطلب جهوداً مشتركة من جهات فاعلة متعددة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
في ختام سلسلة مقالاتنا هذه حول أسهامات الجامعات في إعادة الإعمار وبناء السلام وتجاوز آثار الحرب في السودان، يمكن صياغة عدد من المقترحات او التوصيات التي يمكن ان تسهم في تفعيل اسهام الجامعات بصورة مثلى وهذه المقترحات تتمثل في أنه يجب ان نبدأ أولاً بإعادة إعمار وبناء الجامعات التي عانت من آثار الحرب، إذا اردنا للجامعات ان تساهم في اعادة إعمار ما خبرته الحرب وبناء السلام وتجاوز آثار الحرب، كما يجب وضع الجامعات في صلب أجندة إعادة البناء، وذلك لتلبية الطلب المتزايد على المهارات المتخصصة في قطاعات حيوية مثل الصحة والهندسة والتعليم.
وفي جهود إعادة إعمار السودان الذي مزقته الحرب، يجب أن لا يتجاهل صناع السياسات والمخططون، الجامعات السودانية باعتبارها واحدة من أقدم المؤسسات في المجتمع المعاصر، كما يجب إبقاء الجامعات محوراً أساسياً في جهود اسهامات إعادة الإعمار وبناء السلام، وتجاوز آثار الحرب في السودان، ذلك أن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي يجب أن تكون في مقدمة جهود إعادة الإعمار، باعتبارها المحرك الرئيس لكافة المبادرات والمشاريع المستقبلية، كما يجب إدخال تعليم السلام وغرس القيم كجزء أساسي من المناهج الوطنية في المقررات الجامعية ومقررات المدارس الثانوية كذلك، مع ضرورة تبني الحكومة السودانية برنامج التعليم من أجل السلام المستدام في السودان، والذي يهدف إلى إدماج تعليم السلام في النظام التعليمي الوطني وتركيز البرنامج على تعزيز مهارات مثل التعاطف والتفكير النقدي وتحمل المسؤولية وبناء الثقة وذلك من خلال اعتماد أساليب تعليمية تفاعلية ومبتكرة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم