Sudanile-Logo-SQ

«العربة أمام الحصان: لماذا فشلت مبادرات إنهاء حرب السودان؟»

rivernile20004@gmail.com
محمد الأمين حامد

منذ اندلاع حرب السودان، لم تتوقف المبادرات الإقليمية والدولية الساعية إلى وقف القتال وإنهاء معاناة السودانيين. مبادرة الرباعية، والوساطة السعودية، وغيرها من المساعي، اتفقت جميعها على مدخل واحد: مناشدة طرفي الحرب وقف القتال والجلوس إلى طاولة التفاوض. لكن النتيجة حتى الآن واحدة: حرب مستمرة، ودمار متفاقم، وانسداد سياسي كامل.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين تكمن المشكلة؟

لا تكمن المشكلة في نقص المبادرات، ولا في غياب الضغط الدولي فحسب، بل في منهج إدارة التفاوض نفسه. فمبادرة الرباعية – على سبيل المثال – انطلقت من افتراض خاطئ، مفاده أن وقف الحرب قرار حصري بيد الأطراف العسكرية المتحاربة، وأن دور القوى المدنية يأتي لاحقًا في مرحلة تُسمّى “العملية السياسية”.

هذا الترتيب، في تقديري، يضع العربة أمام الحصان.

صحيح أن وقف الحرب يمثل أولوية قصوى، لكن الخطأ الفادح هو الاعتقاد بأن الوصول إلى هذا الوقف يمر حصرًا عبر إرادة الجنرالات. فقد أثبت الواقع أن الأطراف المتحاربة، رغم كل الضغوط والمناشدات، إما غير راغبة أو غير قادرة على اتخاذ قرار حاسم بإنهاء الحرب، لأنها ببساطة أطراف مستفيدة من استمرارها، أو تستخدمها – في الحد الأدنى – كوسيلة لإعادة ترتيب موازين القوة.

في هذا السياق، تحولت قطاعات واسعة من القوى المدنية إلى مجرد طرف يطالب ويتوسل وينتظر، وكأن قرار الحرب والسلام شأن عسكري بحت، لا علاقة له بالإرادة الشعبية ولا بالمشروع الوطني. وهذا هو أخطر ما في المشهد.

السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو:
ماذا لو لم تستجب الأطراف المتحاربة لكل هذه المبادرات؟

هل تظل القوى المدنية رهينة الانتظار حتى “ينضج” قرار العسكر؟ أم أن عليها واجبًا تاريخيًا في انتزاع زمام المبادرة، والمشاركة الفاعلة في إنتاج الحل؟

إن الخلل الحقيقي الذي يجب إصلاحه الآن، قبل فوات الأوان، هو منهج التفاوض ذاته. فالرهان المستمر على المسار العسكري أولًا، في ظل تصلب قادة يعتبرون أنفسهم “ثابتًا” لا “متغيرًا” في معادلة السودان، هو رهان خاسر.

البديل المنطقي والضروري هو قلب المعادلة:
استباق المسار العسكري بمسار سياسي مدني واضح، وموحد، ومدعوم إقليميًا ودوليًا.

ويتطلب ذلك تحضيرًا جادًا لعقد مؤتمر دولي جامع لكل أطياف القوى المدنية السودانية، لا ليكون ساحة جديدة للصراعات، بل منصة للالتقاء حول ثوابت وطنية ومشتركات حدّية، تُنتج حلولًا واقعية وقابلة للتنفيذ. على أن تشكّل هذه الحلول خارطة طريق متكاملة لإنهاء الحرب وبناء الدولة، وتُقدَّم لاحقًا للأطراف العسكرية بوصفها تعبيرًا عن الإرادة المدنية الجامعة، لا مجرد مقترحات نخبوية معزولة.

حينها فقط، سيتحول العسكر من صُنّاع قرار إلى أطراف واقعة تحت ضغط القبول بحل لم يصنعوه، لكنه يحظى بشرعية داخلية ودعم خارجي.

إن انتظار أن يُنهي أمراء الحرب حربهم طوعًا هو وهم مكلف. والطريق الأقصر لوقف الحرب قد لا يمر عبر البنادق، بل عبر استعادة السياسة من قبضة السلاح.

فهل تمتلك القوى المدنية الشجاعة لتقديم نفسها بصفتها صاحبة مشروع وطني، لا كضيفٍ مؤجَّل على طاولة تفاوض لم تصنعها؟

بقلم: محمد الأمين حامد

عن محمد الأمين حامد

محمد الأمين حامد