Sudanile-Logo-SQ

تحيزات السَّرد وتمثيلات القبيلة في أعمال أمير تاج السر

يُعدُّ أمير تاج السِّر من الروائيين السودانيين الذين حازوا تقديراً لافتاً على المستوي العربي؛ إذ وصلت روايتاه (صائد اليرقات) و(زهور تأكلها النار) على سبيل المثال إلى القائمتين القصيرة والطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، فضلاً عن حضوره الكبير في المنابر الإعلامية. غير أنَّ هذا الحضور البارز لا يعفي خطابه السَّردي من المساءلة النقدية حول التحيُّزات الثقافية التي تتكرر في عدد من أعماله. يتجاوز هذا الأمر حدود نصٍّ بعينه أو شخصية روائية بذاتها، بل تكشف قراءة أعماله عن اتساق هذه التحيزات في لغة الخطاب السردي، ومن ثمَّ لا يمكن ردها إلى سياق حكائي جزئي، بل على الأرجح إلى مرجعيات ثقافية يستند إليها الخطاب الروائي.

تسعى هذه القراءة إلى مقاربة هذه التحيُّزات من خلال بعض أعمال أمير تاج السِّر مع التركيز على كتابه (سيرة الوجع)، لأنَّ العمل يندرج ضمن كتابة السيرة الذاتية، متناولاً تجربة الكاتب خلال فترة عمله طبيباً في أرياف البحر الأحمر بما يتيح رصد العلاقة المباشرة بين الذات الكاتبة وصوت السَّارد؛ بالإضافة إلى الكثافة اللافتة لحضور هذه التحيزات الثقافية في سيرة الوجع مقارنةً بأعماله الأخرى التي تناولتها هذه القراءة.

يسرد الراوي في سيرة الوجع تفاصيل حياته اليومية بقرية في أرياف البحر الأحمر بشرق السودان؛ حيث يلتقي فيها بأشخاصٍ مختلفين، بعضهم من المكونات الإجتماعية الراسخة في هذه المنطقة والبعض الآخر من الوافدين إليها من مناطق أخرى. يبدو الكتاب كمزيجٍ من أدب السيرة الذاتية والقصة القصيرة، فقد وضعت على الغلاف الخارجي للكتاب كلمة (سِيرة) لتصنيف العمل الأدبي، كما يرد في نصوصه ما يعزِّز من ثيمة السيرة؛ مثلاً في نص (سكينة العشوائية) يقول الراوي بأنه استلهم شخصية (سعدية شاشاي) في رواية (نار الزغاريد) من سكينة العشوائية وهي إحدي الشخصيات التي التقى بها الراوي في هذه البلدة.

سُمِّي الكتاب (سيرةُ الوجع)؛ هي سيرة باعتبار الكتاب يرتبط بأدب السيرة، لكن لم هي سيرة وجع؟ هذا ما سوف تكشف عنه النصوص، مثل نص (الخروج الكبير) حيث يقول الرَّاوي: “هذا يوم خروجي من لحمها، بمناسبة انتهاء عذابي الذي دام عاماً ونصف العام”، غير أن هذا العذاب لا ينبعث فقط من معاناة قادمٍ من المدينة إلى أريافٍ مهمَّشة، بل يتأسس على رؤية قيمية تنظر إلى المكان وسكَّانه من موقع تعالٍ ثقافي؛ إذ ينظر إلى هذه المناطق باعتبارها مأهولة بقبائل بدائية، ذات مستوى ثقافي واجتماعي متدنٍ، هنا يصبح الوجع نتيجة العجز عن تقبل ثقافة الآخرين وعن فهم قضايا هذه الهوامش المنسية.

تكمن تحيزات السرد في سيرة الوجع في الكيفية التي ينظر بها الراوي إلى بعض القبائل القاطنة بشرق السودان، هذه النظرة التي تسخر من ثقافة هذه القبائل، من عاداتها، ومن اللغة التي تتحدث بها، حيث يسمهم الكتاب بالدونية مقارنة بقبائل أخرى. ينهض الكتاب على تنميط واضح لسكان المنطقة، إذ يعجز الراوي، على امتداد النصوص، عن تقديم أي وصفٍ إيجابيٍّ أو إنسانيٍّ للشخوص، أو الإشارة إلى ما يمكن أن يكشف عن ثراء ثقافاتهم مما جعل السرد محكوماً بمنظور تحقيري يختزل المجتمعات في صورٍ تنميطيةٍ مشوهة. يتجلى هذا التنميط بوضوح في تمثيل الشخصيات المنحدرة من جبال النوبة على سبيل المثال، إذ يطلق الكاتب على هذه الشخصيات أسماء مثل (حقَّار شجر الغابات)، (حلُّوف هيثم)، و(شنطة عكَّاز)، وهي تسميات تنطوي على قدرٍ من الاستخفاف وتعكس قلة العناية الفنية. حقَّار شجر الغابات تقدم لوظيفة ممرضٍ بالمستشفى متوكئاً بحسب الراوي على “عكازه الاجتماعي الذي هو عدة أغنياتٍ بالغة الأسى شدا بها في ليل الحدود وهو سكران، وعكازه البدني الذي هو عضلات تصلح لرفع شاحنة لا لحقن حقنة”. على هذا النحو يُمثَّل المنحدر من جبال النوبة في سماتٍ جسدية، وأسماءٍ اعتباطية، مع نفيٍ لأي كفاءة أو أهلية لا تقوم على القوة البدنية، كما أن الكاتب لا يتحدث عن مؤهل مهني يبرر الحصول على الوظيفة بل يستعيض عن ذلك بمفهوم العكاز الاجتماعي ثم يقوم باختزال هذا المؤهل الاجتماعي في السُّكر. قد يجادل القارئ بأن هذه شخصية وظفت لخدمة النص، لكن بتتبع مثل هذه التمثيلات بامتداد الكتاب يُكشف عن رسوخها واتساقها على نحوٍ يصعب تجاهله.

يكشف الكتاب بجلاء عن كيف ينظر الرَّاوي إلى سكاَّن تلك الأرياف، يُطلق عليهم تسمية (المحليِّين)، ويشار إلي الفرد منهم بوصفي (محلِّي)، أو (قَبَلي)، من أمثلة ذلك قوله: “حين رأيت القَبَلي لأول مرَّة أرعبتني أناقته الشديدة”، “بعد ذلك بدأ القَبَلي يأتي بكثرة”، “تلكؤ المحلِّيين على وجهي”. تثير هذه التسمية أسئلة دلالية مهمَّة: لماذا تم وصفهم بالمحليين أو القبليين وإلى ماذا يشير هذا الوصف؟، هل يقصد الكاتب ببساطة سكان البلدة؟ لو عني ذلك لأشار إليهم بالقرويين مثلاً لا المحليين أو القبليين، لكن الكاتب بوعيٍ أو بدون وعي يستلف مفردات خطاب الاستعمار في توصيف الشعوب المُستعمرة. هذا المعنى يشير إليه محمود ممداني بقوله “في المُستعمرات، يُحوَّل التمييز الدائم بين الأغلبية والأقلية إلى انقسامٍ بين الأمَّة وغير المتحضِّرين، أولئك الذين يُشار إليهم باسم السكان الأصليين”. يمكن إذاً فهم اشارة الراوي لهؤلاء السكان بالمحليين أو القبليين باعتبارهم السكان الذين هم خارج الأمة المتحضِّرة التي ينتمي إليها الراوي. وصف هذه المكونات من سكَّان شرق السودان بالقبليين لا يقتصر على سيرة الوجع بل يتكرر في أعمال أخرى لأمير تاج السر .

تذخر سيرة الوجع بالعبارات التي تحط من هؤلاء السكان ومن ثقافاتهم، إذ يُقدَّم المحليون دائماً كأناسٍ لئيمين، فقيري الخيال، متطفلين ولا يصلحون لشيءٍ ذي بال، من تعلم منهم قليلاً أو حظي ببعض المال يصبح محض (محلِّي متفاخر). ينظر الراوي أيضاً إلى لغاتهم لا بوصفها لغاتٍ مكافئة للعربية بل يزدريها، يسمِّيها رُطانة، هذه الرطانة ترد في الكتاب كنقيضٍ للحضارة وكعلامةٍ على تدني المكانة الاجتماعية، هنا يُعلي الكتاب من الهوية العربية مقابل الهويات الأخرى، فقبيلة (التكارنة) مثلاً بحسب تسمية الرَّاوي تُقدَّم طريقة نطقها بوصفها مُفسدة للأسماء العربية: “كان اسمه أبَّكر، وكان يمكن أن يكون اسمه أبا بكر لولا أنه وُلد في تلك القبيلة التي تكن عداءً لذلك الحرف المكمل للاسم، تتلذذ بقمعه واستبدال شدَّة تافهة به حتى يبقى الاسم واقفاً على قدمين”. يثير هذا سؤالاً حول ما الذي يجعل نطق (أبي بكر) لغة عالية، بينما يصبح نطقها (أبَّكر) تافهاً؟، يعكس هذا الأمر تصوراً أيديولوجياً يقوم على حضارة الذات الناطقة بالعربية مقابل تحقير الآخر الناطق بغيرها.

يفرط الكتاب في التركيز على الانتماء القبلي، فالراوي يتمثَّل ذاته ضمن إطارٍ قبليٍّ محدد، ويموضع الآخرين وفق هذا المنظور، حيث يُنسب كل شخص إلى هوية ضيقة حدودها القبيلة؛ فالرَّاوي هو الطبيب الشايقي، والشخص الآخر هو الهدندوي وهكذا، حتى الفاضل سعيد حينما ورد ذكره في أحد النصوص عُرِّف باعتباره الممثل الشايقي العظيم: ” كان أيضاً مخرجاً لسلسلة من التمثيليات الساذجة التي يؤديها صبية متسخون لم يسمعوا بعمر الشريف ورشدي أباظة ولا حتى بالفاضل سعيد الممثل الشايقي العظيم”. يكشف هذا الأمر عن آلية تمثيل تجعل من القبيلة محدداً لتراتبية ثقافية واجتماعية متوهمة، كما أن الكاتب لا يكلف نصوصه عناء طرح أسئلة جوهرية حول الكيفية التي انتهى بها هؤلاء الصبية إلى هذه المصائر، أي الشروط الاقتصادية والتعليمية التي أنتجت واقعهم، بل يقدمهم ببساطةٍ كرمزٍ للجهل المتأصل مقابل عظماء لم يسمع بهم أحد في تلك النواحي.

على نحوٍ مماثل يوظف الراوي شخصية تماضر- الموظفة غير المنتمية إثنياً للمنطقة لكنها تعيش فيها- كمقابلٍ لسكان البلدة المحليين، وذلك لإبراز الفجوة بين الحضارة واللغة الدالة عليها ممثلتين في تماضر وبين البدائية ورطاناتها، يتجلى هذا بوضوح في قوله: “كان وجه تماضر، الموظفة في مؤسسة الزراعة لافتاً للنظر بصورة مؤسفة، إنه الوجه الحضاري الراقي في وسط بيئة الرطانة، ولعله الوجه الذي جرَّ عديداً من الغرباء إلى عشق وبكاء وخطوبات ومشاريع زواج متهورة وبعيدة عن الوعي انتهت إلى لا شيء، كانت الحضارية متصارعاً عليها من قبل ثمانين خاطباً محلياً يحملون في دمهم مُدىً وعكاكيزْ”. هنا يختزل المجتمع المحلي في صورة نمطية لرجالٍ حاملين للعنف والبدائية، وبالتالي فهم غير جديرين بهذه القادمة من منابت الحضارة.

يثير الكتاب دهشة القارئ في الكيفية التي يصور بها الثقافات المحلية لسكان تلك المنطقة وفي الطريقة التي يسرد بها تاريخهم، (فالتكارنة) في الكتاب قدموا إلى هذه النواحي كمحض أشخاصٍ فارِّين أو مغامرين أو (أتباعٍ) في قوافل عربية عظيمة:” كنت معجباً بالحي الذي تسكنه قبيلة التكارنة……..والمرجح أنهم نزحوا كأفراد مغامرين، أو فارين، أو أتباعٍ في قوافل العرب التي أناخت في ذلك المكان وهي تحمل الدين والنخوة وعادات الجزيرة”. تقوم هذه الصياغة على مقابلة دلالية واضحة بين الدين والنخوة بوصفهما صفتين عربيتين من جهة، وبين الفرار والمغامرة والتبعية المنسوبة إلى التكارنة من جهة أخرى، كما يبرز سؤال حول دلالة لفظة (أتباع) التي استخدمها الراوي. المستقر تاريخياً أن الكثير من المجموعات السكانية المنحدرة من غرب إفريقيا قد استقرت بالسودان عبر قوافل الحجيج من غرب إفريقيا إلى الحجاز منذ القرن الحادي عشر الميلادي. لا يختلف تمثيل قبيلة الهدندوة عن هذا المنحى فيصفهم الكاتب بأنهم من أكثر القبائل عنفاً في التاريخ الوطني للقبائل، ولا أعرف كيف وصل إلى نتيجةٍ من هذا القبيل، لكنها سمة الكتاب في إطلاق هذه الصفات السالبة بسهولة على قاطني تلك الأرياف: يقول “كان أحمد القاش هدندوياً أصلياً…كانوا عشاقاً للقهوة والرحيل والتسكع في أكثر الأسطر عنفاً في التاريخ الوطني للقبائل ولعل ميزة العنف إضافة إلى نخوة خاصة جعلت من الهدندوي الشهير عثمان دقنه فارساً في الشرق”. يمكنك ملاحظة أن الراوي تجنب استخدام كلمة مثل (شجاعة) أو (ذكاء) في وصف عثمان دقنه وقد اشتهر بهما، بل استخدم كلمة (عنف)، وهو حين يصفه بالنخوة يمنحها له كاستثناءٍ فقط لا يشمل بقية من ينتمي إليهم من الهدندوة وذلك بجعلها (نخوة خاصة).

يتكرر في صوت الطبيب الراوي هذا المنظور الذي ينطوي على استعلاء تجاه من لا يتحدث لغته أو لا ينتمي إلى أفقه الثقافي. فحين يصف الراوي إحدى الشخصيات البجاوية بحسن الضيافة وسعة العيش، يضيف بأن سعة العيش هذه مكنت هذا الرَّاطن المحظوظ من الارتقاء من قاع محليته ليصاهر أسرة من الشمال، وكأن محض الاقتران بأسرة شمالية كفيل برفع قيمة هذه القبائل المتدنية لدى الكاتب: “أيضاً كان هاشم مضيفاً شهيّّ الضيافة…كان من إحدى القبائل المحلية، امتلك سعة في العيش خفَّضت كثيراً من محليته الراطنة وأهلته ليصاهر إحدى أسر الشمال المهاجرة إلى البلدة”. يستمر الراوي في تمثيل المهاجرين من الشمال على نحو مغايرٍ تماماً باعتبارهم حملة ثقافة رفيعة كالمدرس الوافد (سيد أحمد): “حين جاء سيد أحمد إلى البلدة البعيدة منقولاً من إحدى قرى الشمال، لعلها نوري أو القرير أو العفاض، أو أي قرية من تلك القرى المغروسة على شريط النيل، جاءت ترافقه إرادة عظيمة، فهو من الذين ارتووا من ماء النيل وسبحوا فيه دميرة وضحلاً، ومن الذين تسلقوا النخيل وأكلوا الدفيق؛ أي التمر في بداية نضوجه إلخ”. يتكرر هذا في حديث الراوي عن (سر الختم): “كان اسماً شايقياً خالصاً يجاور النيل والنخيل، وينادي بأصوات تلك المنطقة الخصبة في الوطن، ولم أكن أتوقع أبداً أن أصادف ذلك الاسم في تلك البيئة المغبرة ينادي بأصوات الرطانة العرجاء”. الاحتفاء الظاهر بديار الشايقية يحمل معه حكماً على أصوات الآخرين غير العربية بالعرج. يكشف هذا التمثيل المتفاوت عن بنيةٍ فكريةٍ تقوم على تراتبية ثقافية تعلي قيمة من ينحدرون من الشمال بثقافتهم العربية وبين من ينتمون إلى قبائل الشرق بثقافتهم الهجين. يعيدنا هذا المنطق إلى مقولة الفرنسي جول هارمان التي استشهد بها إدورد سعيد “أنه من الضروري أن نقبل كمبدأ ونقطة انطلاق حقيقية أن ثمة تراتبية بين الأعراق والحضارات وأننا ننتمي إلى العرق والحضارة المتفوقين”، هنا لا نعني بأن الكاتب مستعمِر لكنه مُستشرِق داخلي يتمثل خطاب المستعمِر حول التراتبية الثقافية والعرقية.

يمضي الكتاب على هذا النحو المثقل بحمولات اجتماعية مشوَّهة، الأمر الذي يثير تساؤلاً مشروعاً حول ماهية أزمة سيرة الوجع مع القبائل التي تتحدث بلغاتٍ مغايرةٍ للغة الكاتب، فهذه المجتمعات الريفية بشرق السودان، من حيث بنيتها الاجتماعية وحياتها اليومية، لا تختلف جوهرياً عن غيرها من المجتمعات الريفية في السودان، ومع ذلك يقدِّمها الراوي كمجتمعات متدنية للغاية دون محاولة فهم ثقافاتها وشروط حياتها أو حتى تشريح مشكلاتها الإجتماعية، يقول الراوي: “الذين شيدوا البلدة شيدوها بمزاج عشائري متعكر…فلم يجهد المشيدون أنفسهم ويبحثوا عن أسماء كالنسيم والإفرنجي والنصر، كانت البيئة لا تسمح بذلك وأدمغة القبائل شحيحة الاستيعاب”، ويضيف “كان التاريخ مشلولاً وأخرس، يتوكأ على عكاكيز القبائل الكحيانة، يتحدث برطانتها إن تحدث”، وهنا يحقُّ للقارئ أن يتساءل: ما هي علاقة أسماء كالإفرنجي بثقافة أرياف البحر الأحمر، وما الذي تعنيه عبارة “القبائل الكحيانة” في وعي الكاتب؟ هنا يتضح عجزه عن فهم ثقافة السكان مفضلاً الانغلاق داخل أوهام التفوق الثقافي. تتكرر ثنائية أدمغة القبائل شحيحة الاستيعاب مقابل أدمغة الوافدين المستنيرة بصيغٍ مختلفةٍ في عدة نصوصٍ من الكتاب من بينها نص (خطبة الجمعة): “كان بالبلدة ثلاثة مساجد شيدتها الدولة وجهود الأهالي، زودتها بأئمة ذوي أدمغة شبعانة ومستنيرين إذا ما قورنوا بجوع الأدمغة المحلية”.

من الكوميديا الموجعة في الكتاب والتي تكشف عن غياب الحس الإنساني لدى الراوي طريقته في وصف ارسال دعوة عرسٍ إليه، فالراوي يشحن الواقعة بدلالات طبقية وثقافية فادحة، إذ يقدم نفسه كطبيبٍ وجيهٍ في تلك الناحية مما رفع عنه عناء أن ترسل إليه الدعوة عبر صبيٍّ (مبهدلٍ وراطن): “كنت صاحب حظوة بصفة الوجاهة التي ألبسني إياها الريف، لم يرسل إليَّ صوت صائح، ولا لسان راطن، ولا صبيٍّ مبهدل حيث سرق والد العروس عدة دقائق من مشاغله وجاء إلى بيتي داعياً”. الراوي لا يرى في طقوس الأعراس هناك سوى بدائيةٍ وعنفٍ غرائزي، متجاهلاً ما تحمله من دلالات ثقافية وموروثات تاريخية، ففي حديثه عن (أحمد القاش) يصف كيف أن أمعاءه تمزقت في شجار خنجري في أحد الأعراس البدائية عندما رقص بسيفه أمام حسناء.

تأتي سيرة الوجع على النقيض من سرديات إفريقية عظيمة كشفت للعالم عن الثَّراء الاجتماعي والثقافي الذي تمور به المجتمعات الإفريقية في مدنها وأريافها، كما في أعمال نغوجي واثيونغو، تشِنوا أتشيبي، ستيلا قايتانو، وغيرهم حيث تقدَّم المجتمعات الإفريقية بوصفها فضاءً نابضاً بالتاريخ والقيم، لا هامشاً معطوباً تسكنه قبائل همجية. في المقابل، تأخذ سيرة الوجع قارئها إلى أفقٍ تمثيلي يذكِّر بنصوص كولنيالية كلاسيكية مثل قلب الظلام لجوزيف كونراد حيث “المستنقعات، والمتوحشون، والقليل من الطعام الذي يليق برجلٍ متمدِّن.”يمكن قراءة هذا التمثيل المشوه في ضوء ما طرحه فانون من أن العنصري هو الذي يخلق الآخر الذي هو أدنى منه، وهو ما يتجلَّى في سيرة الوجع عبر اختزال سكان الريف في سمات ثقافية وضيعة، مقابل تمركز الراوي في موقع الذات صاحبة الحضارة. بهذا المعنى، لا تنخرط كتابة أمير تاج السر في مشروع السرد الأفريقي المضيء لثقافات القارة، بل تستعيد التمثيل الذي رسَّخه الخطاب الكولنيالي.

أورد الراوي في سيرة الوجع مقطعاً يتضمن وصفاً لسكان سواكن البجاويين بما يمكن اعتباره خلاصةً للخطاب العشائري الذي يسري في الكتاب حيث يقدمون كهامش بشري يشوه المكان لا كجزء أصيل من تاريخه: “حتى سواكن الميناء القديم الذي كان معافى لسنوات طويلة، يستقبل ويودع ويعيش ويتعايش، ثم مرض فجأة وأصبح قبلة لعشاق الآثار ومدارس الرحلات والسياح الأجانب بكاميرات الزينث واليوساكا، وعيون الهمج التي تلحس كل شبرٍ فيه وتضيفه إلى ذكريات الرحلات والمشقة والثرثرة في الصوالين البعيدة”.

لا يقتصر هذا المنظور القبلي الصادم على سيرة الوجع وحدها بل يتبدَّى في أعمالٍ أخرى لأمير تاج السر، ففي رواية (صائد اليرقات) يقدِّم الراوي عبر شخصية عبدالله حفَّار رؤية مماثلة تصف بعض الممارسات الثقافية بالهمجية، البشاعة والوحشية: يقول: “كنت أسأله وأمني نفسي بشركة مماثلة ربما تسمع مصادفة بتراث عرب البطانة رعاة الإبل في وسط بلادي، أو رقصات المردوم الهمجية في الغرب، أو تسعى لتوثيق تراث الجنوب بكل بشاعته ووحشيته في شريط يعرض في أوروبا”.

في كتاب (مرايا ساحلية)، وهو سيرة مبكرة عن بدايات عمل الراوي كطبيب في مدينة بورتسودان، تتجلَّى بوضوح ملامح المنظور ذاته الذي يحكم سيرة الوجع. يصف الراوي (حمدة)، المرأة التي تتخذ ركناً في أحد شوارع بورتسودان للتسول، بأنها إمرأة بيضاء البشرة ينسبها البعض إلى مغاربة بربر أو بيض أمدرمان، يستبعد الراوي أي علاقةٍ ممكنة للجمال بقبائل الشرق فملامح حمدة (المرتَّبة) لا يمكن أن تنسب إلى أي (هرجٍ قَبَلي)، ثم حين أراد أن يصف ذبول جمالها لاحقاً نسب امحاء الجمال مباشرة لهذا الهرج القبلي: “حمدة الآن في الركن إمرأة ممحوة الجمال، سمراء وفي وجهها رمل وعينان يابستان، وملامح أخرى تنسب إلى مائة هرجٍ قبَلي”. في ذات الكتاب يصف الراوي بشارة البجاوي، وهو متسوِّل معاق يمارس كرة الطاولة، بأن لا أحد يعرف كيف أتيح له أن يتقن الرياضة وهو (قَبَليٌّ) معاق في بيئة رطانة لا تعرف رياضة أو نجومية. يكشف هذا الوصف عن افتراض يجرد البجا من قابلية اكتساب أي مهارات رياضية أو ثقافية. في صفحات أخرى من الكتاب وضمن حديثه عن عمال الميناء البجاويين، يصفهم بأنهم يغنون بهمجية راطنة، ثم حين يتحدث عن أجيالهم الجديدة التي تعلمت، يقرر أن أسماءهم الجديدة قد (تعدَّلت) لتصبح أسماء مثل هنديب، أماتيت وبرونا أسماءً تذكارية. يشي هذا بأن التعليم الذي استعرب هذ القبائل يُنظر إليه كآلية تُصلح ما كان يُعدُّ معيباً في الأصل.
لا يبدو هذا التمثيل كحالةٍ معزولة، بل كامتدادٍ لخطابٍ إزدرائي لهذه الثقافات يتكرر بنسقٍ متشابهٍ عبر كتب مختلفة للكاتب. لن يختلف الأمر كثيراً لو انتقلنا إلى عملٍ آخر مثل (قلم زينب)، حيث يعمل الطبيب المتحضر وسط بيئةٍ تقدم بوصفها فضاءً من المعدمين، المتبطلين والمحتالين، فيقابل الطبيب إدريس علي المحتال و”شعبه الفوضوي” لتتكرر ذات الثنائية.

من الممكن الاسترسال في تتبّع هذا الخطاب بالغ التشوُّه في أعمال أمير تاج السر، غير أن الأمثلة التي أوردناها كافية للدلالة على أن الإشكال لا يتعلَّق بشخصيةٍ روائية بعينها، ولا برؤية راوٍ مخصوص داخل نصٍّ منفرد، بل بخطابٍ متجذِّر في البنية السردية لكتابات تاج السر عبر عددٍ من أعماله. يتجلَّى هذا الخطاب في تمثيلات متكررة وصور نمطية تحطُّ من قدر قبائل بعينها، مخضعةً إياها لمنطق التفاضل الثقافي، حيث تُقدَّم العربية بوصفها معياراً للحضارة، وتُختزل اللغات الأخرى في رطانة، ويصور المتحدثون بها باعتبارهم تجسيداً للبدائية، والقبح، وانعدام القدرة على التطور وأن لا شيء يربط ثقافاتهم بفضائل الأخلاق والفنون.

إن خطورة هذا الخطاب في أعمال أمير تاج السر تكمن في اعادة إنتاج خطاب التفوق الثقافي لبعض المجتمعات على حساب غيرها داخل الفضاء السوداني، وهو ما يعكس أزمة نظرٍ وتمثيل تعجز عن رؤية هذه الثقافات خارج منظار الدونية. لا ينفي هذا النقد القيمة الأدبية لبعض منجز أمير تاج السر السردي، ولا يقلِّل من حضوره في المشهد الروائي السوداني والعربي، لكنه يسعى إلى فتح أفق مساءلة نقدية جادَّة حول تمثيلات القبيلة والثقافة في أعماله، وإلى قراءة نقدية تقوم بتفكيك ما ينطوي عليه من حمولات خاصة حينما تتعلَّق هذه الحمولات بمجتمعات طالها التهميش التاريخي.

أنس مصطفى: كاتب سوداني
asalim.edu@gmail.com

عن أنس مصطفى

أنس مصطفى