aminoo.1961@gmail.com
بقلم: امين الجاك عامر المحامي
احتفلت مدينة ود مدني، واحتفل أهلها قبل أيام، بمرور عام على تحريرها واستردادها، وعودة الحياة إليها كما كانت، نابضة بالحركة والأمل.وفي هذه اللحظات، وأنا بعيد عنها وعن أهلها، عادت بي الذاكرة إلى تلك الأيام العصيبة، وإلى المدن والقرى التي فتحت قلوبها قبل بيوتها لأهل ود مدني، وكان من بينها مدينة كسلا الوارفة، بطيبة أهلها وجمال طبيعتها وسحرها السياحي الأخّاذ.
كسلا، تلك المدينة التي عُرفت منذ قديم الزمان كمزار محبب، ووجهة مفضلة للعرسان في أيام شهر العسل،لم تكن في تلك الفترة مجرد محطة نزوح، بل كانت حضنًا دافئًا وملاذًا إنسانيًا. فيها كنا نلتقي يوميًا نحن الذين شرّدتهم الحرب، نتفقد بعضنا بعضًا، ونتابع أخبار المجهودات العسكرية التي تقودها القوات المسلحة من أجل استرداد مدينة ود مدني، ونسأل بقلوب واجفة عن أخبار الأهل الذين تعذّر عليهم الخروج آنذاك.
ومن بين الأماكن العالقة في الذاكرة، وتحت ظلال أشجار المنقة المنتشرة على امتداد المنطقة الواقعة غرب نهر القاش والمطلة على الجسر، كانت لنا حكايات طويلة، وأحلام مشتركة،ومشاريع مؤجلة لمدينة ود مدني وأهلها. هناك كان اليقين يسكننا بأن النصر قادم لا محالة، وكما قال أحد الإخوة وهو يتأمل ثمرة منقة: سنعود إلى مدني قبل أن تنضج هذه الثمرة وتصفر.
ومن الأماكن التي كنا نطيب الجلوس فيها شجرة الجميزة العريقة، التي أصبحت مقصدًا لأهل ود مدني وكسلا معًا، نجلس تحتها بالساعات، نتبادل الذكريات ونرسم الأمل. وتحت هذه الشجرة تعرفت مجموعتنا على الإسكافي والرياضي المطبوع الأخ أبو آدم بالعيد عيسى، الذي توثقت علاقتنا به سريعًا. وحين علم بانتمائي لنادي الأهلي مدني، وبأن رفيقي في رحلة النزوح السر العبوب أحد إداريي النادي، احتفى بنا احتفاءً يليق بأخلاق أهل كسلا، وأقام لنا احتفالًا رياضيًا كبيرًا في منطقته وسط أهله.
كان ذلك في حي بير ياي مربع (2) بمدينة كسلا، أحد أقدم أحيائها، والواقع غرب حي الحلنقة، وجنوب حي الكار، وشرق نهر القاش، ويضم ثلاثة فرق رياضية: دبايوا، وأكروا دوراريت، إلى جانب ثمانية فرق للبراعم. وقد أُقيم الاحتفال برعاية أبو آدم بالعيد عيسى، وبمشاركة الأستاذ ياسين همرور رئيس لجنة الخدمات بالحي، ورئيس المجلس التربوي بمدرسة الزبير بن العوام، وعضو مجلس أمناء نادي دبايوا.
وجرت المباراة الاحتفالية بين فريقي دبايوا والحرية، وشهدت تكريم شخصي الضعيف، وتكريم الرياضي المطبوع السر العبوب،ومولانا عادل سمساعة،والأستاذ احمد برعي. وكان الوعد يومها أن نحتفي بأبي آدم في ود مدني بعد تحريرها، في مدينتنا الحبيبة التي لم تسمح الظروف حتى الآن بشدّ الرحال إليها من جديد.
وفي كسلا أيضًا،كانت لنا لقاءات لا تُنسى في قهوة الوليد بوسط المدينة؛ قهوة لها مذاق خاص لا يشبه أي مكان آخر، بطعم إنسان كسلا الودود. فهي بحق مدينة ساحرة وجذابة، لا تحتاج إلا إلى جهد بسيط لتصبح قبلة سياحية متكاملة.ومنذ زمن بعيد،تغنّى بها الشعراء والفنانون الكبار، مرددين:
كسلا أرض الحبايب
رمز المحنة
في والديك ولدنا
وضقنا حنان أهلنا
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم