هذه الأيام نتذكر أيقونة لا تُنسى، الفنان الأسطوري محمود عبدالعزيز، في الذكرى الثالثة عشرة لوفاته المفاجئة نتيجة مضاعفات التهاب في المعدة، ترك وراءه إرثا لا يزال يشكل صناعة الطرب والثقافة السودانية.. اشتهر محمود بلقب «الحوت»، وقد غيّر مسار الطرب السوداني إلى الأبد.. فهو لا يزال أحد أبرز الأسماء في عالم الطرب، مع إنجازات فنية ستظل خالدة في الذاكرة لسنوات قادمة.. لم يتوقف تأثيره يوم وفاته في أحد مستشفيات الأردن في 17 يناير 2013، بل ألهمت أغنياته المعجبين والمطربين على حد سواء، لكونه أكثر من مجرد نجم غنائي.. لقد كان أسطورة غنائية، لم يكن مشهورا فقط في وسط السودان، بل في جميع أنحاء السودان، بما في ذلك المناطق التي بدت غير متأثرة بهيمنة وتأثيرات وسط السودان.. لقد حلم محمود عبدالعزيز بسودان متنوع موحد ينعم بالسلام والوئام، فأبدع في إنتاج أعمال موسيقية وحدت أهل السودان..
نعم، كانت لحياة الحوت جوانب مظلمة – الوحدة والاكتئاب والخيارات الخاطئة وسط الشهرة الجنونية – لكن حتى هذا يضفي عليه طابعا إنسانيا ويؤكد مدى استثنائية أسطورته.. دعونا نحلل بالضبط لماذا يستحق محمود عبدالعزيز لقب أسطورة الطرب في السودان الحديث..
تميز الحوت بكاريزما وحضور مسرحي لا مثيل لهما!! كانت كاريزما الحوت على المسرح في التسعينيات لا يمكن إنكارها – كان يمتلك المظهر والحركات والجاذبية التي سحرت الجماهير.. منذ اللحظة التي انطلق فيها الحوت إلى ساحة الطرب عام 1987 من خلال مركز شباب بحري، كان من الواضح أن السودان لم يشهد حضورا مسرحيا مثله من قبل.. لم يكن يغني مجرد ألحان جذابة؛ بل كان يُحدث تغييرا في المجتمع.. عندما ظهر الحوت على أشرطة الكاسيت التي أصدرتها شركة حصاد عام 1994، أحدث صوته الشجي دوي تردد صداه في جميع أرجاء السودان..
كانت الكاريزما التي يتمتع بها الحوت شيئا شبه سحري؛ فقد سيطرت على الجمهور سيطرة تامة.. غالبًا ما كانت صرخات المعجبين، ومعظمهم من الشابات، تُغطي على الموسيقى في حفلاته الأولى بسبب حماسهم الشديد.. كان في حضوره المسرحي قدوة لكل نجم غنائي جاء بعده.. تجسد ذلك مع صدور ألبومه عام 1998 «لهيب الشوق»، فقد كان أداء الحوت بأسلوب وبراعة هي أقرب للسحر الخالص من سواه، فهو يعمل بغريزة عبقري ليضفي ببصمته روح معاني الشعر على الأداء الغنائي الأصلي.. ببساطة، استحق الحوت بجدارة تلك النجومية الباهرة التي لم يكررها أحد قبله أو بعده على نفس المستوى.. كما أنه، بعيدا عن الأضواء والجدل، قد تواصل مع جماهيره على مستوى إنساني عميق، حيث كان مرحا ومشاغبا، تارة؛ وجادا ومؤثرا، تارة أخرى..
تُعد حياة الحوت كمطرب بمثابة سجل حافل باللحظات التي حطمت الأرقام القياسية.. فبمجرد أن رسّخ مكانته، استمر في تجاوز حدود ما يمكن لمطرب واحد تحقيقه.. لقد حقق إنجازات بارزة لم يستطع أحد من معاصريه (أو من أي عصر آخر) الوصول إليها.. وقد فعل كل هذا دون مساعدة وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة أو الترويج الرقمي.. كانت قوة نجمه الفريدة هي التي دفعت كل تلك الجماهير إلى كل مدرجات الملاعب الرياضية التي اتخذها الحوت مسارح لعروضه.. كان فنانا متعدد المواهب، ينتقل بسلاسة من أداء أغنية رومانسية هادئة إلى صخب موسيقى الحماس، ودفء أغنيات الحقيبة، وروحانية الإنشاد الديني والمديح النبوي – أتقن الحوت جميع هذه الأنواع، وجمع بينها بطريقة غيّرت الطرب الشعبي بشكل دائم..
كانت قدرة الحوت على التماهي مع الأغنية لا مثيل لها.. صحيح – ويستحق التنويه – أن الحوت لم يكن يكتب أغانيه عادة، لكن تجسيده لروح معاني الكلمات هو الذي أبرز تلك الأغاني.. ما جعل الحوت مميزا هو ما أحدثته لمساته الفنية بالأغنية – توزيعاته، وأداؤه، وعفويته في الإخراج.. في الواقع، غالبا ما لاحظ من عملوا مع الحوت أنه كان يتمتع بحس مرهف في أداء الأغنيات.. بعبارة أخرى، ربما لم يكتب الحوت كلمات الأغاني، لكنه أضفى على الأغاني روحا وعمقا في المعاني.. لقد اختار الأغاني التي تناسبه ثم جعلها ملكا له بشكل فريد، وغالبا ما سجل نسخا نهائية فاقت تسجيلات أصحاب الأغاني الأصلية وما سبقتها من إصدارات بأصوات غيره من المطربين.. كانت موهبته في تجسيد معاني الكلمات شكلا من أشكال العبقرية في حد ذاتها – سواء كان يصدح بصوته في أغنية حماسية صاخبة أو يداعب أغنية رومانسية هادئة، فإن الحوت يجعلك تشعر بالأغنية في أعماقك.. ربما يكون الدليل الأكثر إقناعا على تفوق محمود عبدالعزيز كمطرب هو كوكبة النجوم الذين يعتبرونه مصدر إلهامهم الأسمى.. ليس فقط المعجبون هم من يطلقون عليه لقب «الأسطورة» – بل أيضا أساطير الموسيقى من زملائه.. فإنه من السهل على المطرب أن يتصدر قوائم الأغاني أو يملأ قاعات الحفلات؛ لكن من الصعب أن يلهم هذا المطرب كل مطرب كبير يأتي من بعده، وقد فعل الحوت ذلك بجدارة.. إن إرث الحوت هو حرفيا المادة التي تُصنع منها الأحلام لأجيال من المطربين.. فسيرة حياته تتخذ مسارا ملحميا – صعودا صاروخيا، ومجدا غير مسبوق، ونهاية مأساوية.. بمعنى من المعاني، تعكس حياة الحوت رحلة البطل الكلاسيكية، وهذا ما يزيد من افتتان الجمهور به..
في الختام، قدّم الحوت الكثير من نفسه للسودان ولم يستبق لنفسه شيئا.. هذه التضحية، على الرغم من مأساتها، رسخت أسطورته.. فالموت في سن مبكرة غالبا ما يخلد النجوم؛ وها قد أصبح الحوت أعظم بعد وفاته مما كان عليه في حياته.. فنحن في عام 2026، يمكننا أن ننظر إلى الوراء على مدى ما يقرب من 40 عامًا منذ أول أغنية ناجحة لـلحوت ونتعجب من مدى روعة أدائه الذي لا يزال حاضرا بقوة.. لا، محمود عبدالعزيز ليس مجرد أعظم مطرب في تاريخ السودان الحديث، بل هو ظاهرة فريدة من نوعها، نقطة التقاء جمعت بين الموهبة والتوقيت المناسب والفرصة لخلق شيء مميز حقا..
لقد رحل محمود عبد العزيز منذ سنوات، فلماذا لا يموت الحوت؟؟ الإجابة تكمن في كل ما طرحناه من تلك الحركات، ذلك الصوت، تلك الابتسامة، ذلك الحضور.. غاب الحوت حسا وبقي معنى، إذ فقدنا نجما زيَّن صفاء ليالينا وآنسها.. ذكراك خالدة ولن تموت؛ فتلك «أجذال الخلود»!!
خلدت من حسن ما أبدعته أبدًا * فرحٌ بأجذال الخلود
قريرٌ ودمع العين منهمرًا * يكسو رضاها أسارير الخدود
كن بتلكم الأعوام مبتهجًا * وها تلألأ بها أفق الوجود
عزيز في رضى يشدو به ولهك * وقد تبدَّى حلمك الموعود
وقرت في خَلد الكرماء مذ بنتَ * وركبانك أنفذها الموجود
د. صلاح أحمد فرح
جونسون سيتي، ولاية تينيسي الأمريكية
يناير 2026
salahfarah@outlook.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم