المغيرة التجاني علي
mugheira88@gmail.com
النظم السياسية التي سادت بعد خروج المستعمر الذي فرق ليسود , لم تعمل علي خلق أطر توفر العدالة والمساواة فأحدث ذلك شعورا بالغبن الاجتماعي و قامت كثير من الجماعات تناهض سلطان الدولة فقل الشعور بالانتماء الروحي الي الوطن بل صار العنف وسيلة لأخذ الحقوق كما عجزت المؤسسات الدينية والثقافية و التربوية و الاعلامية عن تبني طرائق و خطاب يشرك الأفراد في الأنشطة الاجتماعية ويعزز الشعور بالانتماء الي كيان الدولة و يوجه سلوك الأفراد ليزيد من تمسكهم بهوية وطنية مشتركة و يخلق من هذا التنوع مصدرا للقوة و وحدة المجتمع . وفي زمن الحروب بين أبناء البلد الواحد , وفي ظل انهيار مؤسسات الدولة , يبحث الفرد عن ذاته فيجدها في الكيان الضيق الذي يشعر في كنفه بالانتماء , فينهض سؤال الهوية كضرورة وجودية ملحة فتتحول الهويات الضيقة كالعرق و القبيلة و الطائفة الي ملاذات آمنة توفر لهم الأمن والحماية .
كما لازم بناء الدولة الوطنية تحديات جمة لم تمكن من تشكيل بناء هيكلي بهوية مشتركة تقوي من قدرتها علي تحقيق وظائفها . و لما كان السودان وطنا بحجم قاره و يضم شعوبا كثيرة ترجع أصولها الي اثنيات و عناصر مختلفة لم يتوفر لشعبه شعور مشترك بالانتماء لرابط جامع واحد يتأسس علي عناصر مشتركة كالتاريخ و اللغة و الثقافة و الأعراف و القيم تشعر مكوناته بانتماء الي كيان واحد جامع .
و غني عن القول إن مجموع هذه الخصائص و السمات تتفاعل مع معطيات البيئة الحياتية من جغرافيا و اقتصاد وسياسة لتشكل في نهاية المطاف هوية واحدة تجعل من هذا الشعب مختلفا عن الآخرين . فالعناصر التي تتكون منها هذه الهوية الجامعة في حاجة الي التفاعل و التطور و التغذية لتقوي و ترسخ و تتماسك لتصمد في وجه المتغيرات التي تمر علي كل البلاد . فعلي سبيل المثال تحتاج الأمة الي تقوية لغة مشتركة من أجل الترابط الاجتماعي و الثقافي طالما كانت اللغة هي وعاء الفكر و الثقافة وتوحيد الخطاب فضلا عن كونها وسيلة التواصل و الأداة المعبرة عن الذات الجمعية . كما أن التاريخ المتحد لشعب ما يحتوي علي أحداث مشتركة و ذكريات واحدة يشكل الوعاء الجامع الذي يحمل الماضي بكل ما فيه من انجازات و اخفاقات يختزنها الشعب ليفخر بها و يعتز أو يأخذ منها العبر لتصحيح مساراته المستقبلية . ومن ذلك أيضاً القيم المشتركة و أنماط الثقافة من موروث و آداب و فنون و لبس و أطعمة و موسيقي و غناء تعمل علي توحيد الشعب وترسم خريطة ذهنية تحدد مساراته و أساليب حياته بما يميزه عن غيره من الشعوب و تمنحه طابعه الشخصي المتفرد .
و الشاهد أن هذه العناصر في مجتمعنا السوداني لم تكن متجذرة في النفوس بصورة كاملة و لم تصبح في يوم مصدرا للقوة لتعمل علي توحيد الشعب و تشكيل هوية جامعة تضم كافة اقاليم و شعوب البلاد . ففي ازمنة الحرب يتم تسيس الهوية و يتحول انتماء الفرد الي القبيلة التي تتحول بدورها الي مليشيا مسلحة و تصبح الضغائن وفقد الأقارب محركاً للرغبة في الانفصال و تفكيك البناء الاجتماعي , فالحروب عادة ما تترك جروحا في جسد النسيج الاجتماعي و تدمر الثقة بين مكوناته ثم ينهض السؤال الكبير ولائنا للدولة أم للكيان الذي ننتمي اليه ؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم