صديق الزيلعي
أواصل الحوار مع الزميل السر بابو. نشر السر بابو ردا على مقالات ناهد محمد الحسن حول الماركسية. وقدم رؤية مبنية على المنطلقات النظرية الماركسية اللينينية. هذا المقال هو الثالث في سلسلة مناقشة اطروحاته الفكرية، المحفزة للجدل. واليوم اتعرض لقضية جديدة، تتعلق بالتهرب من جذور الأزمة البنيوية للنظام السوفيتي، التي أدت لانهياره العاصف، وتلعيق كل ذلك على شماعة ستالين.
اقتطف السر بابو، في رده على ناهد محمد الحسن، فقرة من كتاب عن هابرماس ورد فيها:
” ليس المفهوم المادي للتاريخ بالنسبة لي دلالة كشفية فحسب، بل هو نظرية، وبالتدقيق نظرية للتطور الاجتماعي، يمتلك بفضل مكانته التأملية قيمة استدلالية بالنسبة للعمل السياسي، ونستطيع الى حد ما أن تفضي الى نظرية واستراتيجية للثورة”
انتزع السر هذا المقتطف من سياقه، وهو مجمل اطروحات هابرماس. ولكن لنقبل به كتعبير عن أفكاره. فهو يسقط تماما مقولة السر المركزية بعلمية طرح ماركس. فقد ذكر هابرماس وكرر بان المفهوم المادي للتاريخ هو نظرية، ولم يصفه بالعلمية ولا اكتشاف قوانين حركة المجتمع، منذ الازل والى الأبد. وهو ما كنت اكرره وباستمرار، الماركسية هي نظرية اجتماعية.
ويمضي السر في انتزاع فقرات من نقد هابرماس للتجربة السوفيتية بأكملها، ليستخدمه ضد ستالين:
“هابرماس كان يقصد بإعادة بناء المفهوم المادي للتاريخ تحريره من الجمود، انتقد هابرماس الاحكام القطعية لستالين والذي حاول أن يقنن المفهوم المادي في احكام حاسمة بالنسبة للمستقبل في مؤلفه: (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، 1938م). وبالتالي كانت مساهمة هابرماس في اعادة بناء للفهم الخاطئ الذي كرّسه ستالين”
الانتقائية هي احدى سمات الزميل السر المميزة، في معظم كتاباته، ففي الفقرة أعلاه يختصر كل أطروحات هابرماس في نقد ستالين. وهذه واضحة في كل كتاباته وكتاب معظم الشيوعيين، عندما يناقشوا التجربة السوفيتية.
وهذه مقتطف يأتي في نفس السياق، تحميل ستالين كل مشاكل واخطاء النظام السوفيتي:
“هابرماس كان يقصد بإعادة بناء المفهوم المادي للتاريخ تحريره من الجمود، انتقد هابرماس الاحكام القطعية لستالين والذي حاول أن يقنن المفهوم المادي في احكام حاسمة بالنسبة للمستقبل في مؤلفه: (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، 1938م). وبالتالي كانت مساهمة هابرماس في اعادة بناء للفهم الخاطئ الذي كرّسه ستالين (ص 65)، كما انتقد هابرماس الاشتراكية البيروقراطية التي كانت قائمة يومئذ”
ومرة أخري، يكرر المكرر:
“وعلى سبيل المثال في مؤلفه (يقصد ستالين) المشار إليه سابقا، حاول ستالين أن يعمم اللوحة الخماسية والتي أشار اليها ماركس لنشأة وتطور الرأسمالية في أوروبا (تشكيلة بدائية، ورق، واقطاع، ورأسمالية، واشتراكية) على كل التاريخ البشري، في حين أن ماركس كان يعارض تحويلها الى نظرية فلسفية وتعميمها على كل بلدان العالم”.
مارس ستالين جرائم بشعة ضد الشعب السوفيتي، وخاصة ضد الفلاحين بقصد تأسيس المزارع الجماعية الاجبارية، و ضد القوميات بسياسة فرض اللغة الروسية والتحكم الثقافي، وحتى ضد المخالفين له داخل الحزب الشيوعي، وشهدت منافي سيبيريا حشود وحشود من الأبرياء المغضوب عليهم. رغم كل تلك الأفعال الاجرامية فستالين هو نتاج للنظام، فهو التعبير الاشد تطرفا للنظام السوفيتي، المبني على المركزية الصارمة، والسلطة المطلقة للحزب الشيوعي، وداخل الحزب لجنته المركزية، وهي بنفسها تحت سيطرة السكرتير العام.
لقد انهار النظام السوفيتي، بعد قرابة نصف القرن من وفاة ستالين. فهل حدث تغيير في بنية وهياكل النظام. وعندما حاول غورباتشوف الإصلاح من أعلى، بواسطة ما أسماه البيروسترويكا والغلاسنوت، فشلت تلك المحاولة تماما، وانهار النظام، وتخلى ثلاثة ارباع أعضاء الحزب الشيوعي عنه.
يطول الحديث عن أزمات النظام السوفيتي، ولكن لا مجال له هنا لضيق المساحة. وأهم نقطة ان الماركسيين انتقدوا النظام منذ ميلاده. وكانت اول وأهم وأقوى الانتقادات هي ما كتبته، منذ أيامه الأولى، روزا لوكسمبرج عن النظام الذي يبنيه لينين في روسيا. ووصفته بالديكتاتورية. وجاءت بعدها عدة تيارات واراء مثل النقد المستمر للتيار التر وتسكي، وايضا أطروحات قرامشي ونقد الحزب الشيوعي الإيطالي، الذي وصف اللينينية بانها تجربة روسية محلية غير ملزمة لهم. ثم نقد مجموعة الأحزاب التي سميت بتيار الشيوعية الاوربية، وبعدهم، وحتى الآن، مجموعة من الماركسيين الاكاديميين.
نواصل الحوار
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم