الحوار مع د. ناهد: لا صوت يعلو على صوت الماركسية اللينينية

صديق الزيلعي
يتواصل الحوار مع اطروحات الدكتورة ناهد محمد الحسن، حول مقالها المتميز أين ذهب الرفاق؟ ناقش مقالي السابق وضع المثقف داخل الأحزاب الشيوعية، وشرح كيف ان اللائحة تقيد حرية التفكير المستقل للمثقف. الأمر الذي يكبل قدراته في سبيل الاسهام في تطوير برنامج الحزب وأطروحاته. وتنعدم منابر الحوار الفكري الجاد، ويقل تلاقح الرؤى، لما فيه مصلحة الحزب. وينظر للمسألة بمنظار الصراع الفكري لطرد الأفكار الغريبة وغير البروليتارية.

كتبت الدكتورة ناهد محمد الحسن، هذا التعليق الذكي:
” عبر تاريخ اليسار العالمي، تتكرر خصائص معينة للغة الأحزاب الشيوعية، تجعلها — دون قصد أحيانًا — لغة عازلة. أول هذه الخصائص هو التجريد المفرط. مصطلحات ضخمة تُستعمل كما لو كانت قوانين طبيعية. مصطلحات مثل التناقض، التحليل الطبقي، الوعي الزائف، التحالفات الموضوعية، البرجوازية الصغيرة، والقوى الثورية. هذه الكلمات، رغم عمقها النظري، تتحول في الممارسة إلى قوالب جاهزة تُفرض على الواقع بدل أن تنبثق منه. ……..
لغة ترى نفسها حاملًا للحقيقة، وترى الآخرين في حالة “نقص وعي”. هنا تلتقي اللغة الثورية، في تناقض صارخ، مع البنية الأبوية التي تدّعي محاربتها. …
الخاصية الثالثة فهي الثنائية الصارمة. اللغة الحزبية تميل إلى تقسيم العالم إلى ثنائيات. على شاكلة رفيق/عدو، ثوري/انتهازي، علمي/غيبي، تقدمي/رجعي. وبالطبع تربط نفسها بالقسم ذو القيمة الأعلى بينما سلفيين في الفكر تترك من هو خارج الحزب مع العداوة/الانتهازية/ التغييب/الرجعيّة. لا مساحة للالتباس، ولا اعتراف بالتناقض الداخلي، ولا فهم للمناطق الرمادية التي يعيش فيها البشر. هذه البساطة تمنح شعورًا زائفًا باليقين، لكنها تُفرغ الواقع من تعقيده الحقيقي. وعلم النفس المعرفي يبيّن أن التفكير الثنائي (Black-and-White Thinking) هو آلية دفاع نفسي بدائية، تظهر في البيئات عالية التوتر. تسهّل اتخاذ القرار… لكنها تنهي القدرة على التفكير والفهم المعقّد. وهنا يصبح “المنحرف”، “الانتهازي”، “البرجوازي الصغير” ليست مجرد أوصافًا تحليلية فقط، بل أدوات ضبط نفسي. ثم تأتي الخاصية الرابعة، وهي تقديس المصطلح. حيث تكتسب الكلمات داخل الحزب تاريخًا مقدسًا. التشكيك فيها لا يُفهم كتطوير، بل كتهديد. “
قبل ان اكتب رأيي، أقول بأن التصنيف الثنائي، يشمل حتى الماركسيين المخالفين. فكل من لا يتفق مع النموذج السوفيتي (الماركسية اللينينية كما سماها ستالين)، تطلق عليه صفات التحريفي، المرتد، الخائن، الانتهازي. بل يمنع نشر رأيه كما حدث لكتاب روزا لوكسمبيرج عن الثورة الروسية، أو يلاحق ليقتل كما حدث لتروتسكي في أمريكا الجنوبية، بالإضافة لألاف الشيوعيين الذين اعتقلهم ستالين أو أعدمهم. وليست هي ظاهرة سوفيتية، فالثورة الثقافية الكبرى في الصين، دمرت اثرا ثقافيا كاملا، بحجة انه برجوازي. اما الخمير الحمر، في كمبوديا، فقد تفوقوا على الآخرين في القسوة، بإعدام الملايين، بلا أدني رحمة.

جوهر المسألة هو ان الماركسية، في تطابق تام مع الافكار السائدة في عصرها، قدمت تفسيرا كونيا، لكل شيء، قوانين الطبيعة، حركة التاريخ والمجتمع، ميكانزيم الاقتصاد، ومستقبل البشرية. وصار من ينتمي لهذه النظرية، يعتقد بأنه وجد إجابة كاملة لكل شيء، في هذا الوجود المعقد. والأخطر، انه بعد قرون، لا تزال النصية تسيطر علي كثير من اتباعها. وتطور ذلك ليتحول الى سلفية كاملة، تتمسك بكل الالفاظ والمصطلحات، كما صكها السلف. ولا تقبل أي خروج على تلك المصطلحات والالفاظ. وكلما قابلتنا قضية نرجع لكتب الأوائل لإيجاد نص يفسر لنا تلك القضية. ولا نتعب انفسنا بالتحليل الباطني لتلك الظاهرة في صيرورتها التاريخية.
اكتسبت المسألة بعدا جديدا، بعد انتصار الثورة الروسية. وكانت الانتصارات التي حققتها في تغيير المجتمع الروسي المتخلف، وتحقيق تنمية صناعية جبارة، والصمود الأسطوري خلال الحرب العالمية الثانية، واقتحام برلين. بالإضافة لغزو الفضاء، والمساعدات الضخمة التي قدمتها لشعوب العالم الثالث. كل ذلك جعل كل ما يصدر من الحزب الشيوعي السوفيتي، قولا فصلا، والجواب النهائي لكل شيء. أصبح مطبوعات دار التقدم، هي مصدر المعرفة الأساسية. وتقبل بلا قراءة ناقدة، حولها، والاطار المعرفي التي كتبت فيه. والأدهى وأمر، انه بعد انهيار تلك التجربة العظيمة، تم تقديم تبريرات، كثيرة، عن ذلك الحدث الضخم، ولم تهتم بدراسة جادة لأين كان الخلل، وماذا نتعلم منه، لنتخلص من أثره علينا، حتى لا نكرره مستقبلا.
يتميز السودان بتعقيدات متنوعة: طبقية واثنية، واجتماعية، وثقافية، ودينية. وبدلا عن التحليل العميق ودراسة الواقع، كما هو، نبحث في النصوص الجاهزة، التي تعبر عن تجارب وبيئات مختلفة، لكي نطبقها على هذا الواقع السوداني المتميز. وتنطبق عليهم، تماما، اسطورة بروكست اليونانية، وهو قاطع طريق، كان يصطاد ضحاياه ليلا ويضعهم في سريره الحديدي، فاذا كان الضحية طويلا يقطع رجليه حتى يتساوى مع طول السرير، واذا كان قصيرا يمده بشدة حتى يتساوى مع طول السرير. فنحن نرغم الواقع ان ينطبق على تصورنا النظري المسبق.
الأخطر ان أي اجتهاد هو انحراف عن النص الأصلي. الم نسمع ونقرأ بتحريفية تيتو لخلافه مع ستالين. وألم تطلق الصين كلمة التحريفية المعاصرة على خروتشوف، ومن جاء بعده. بل سمعنا وقرأنا وصف تولياتي (قائد الحزب الشيوعي الإيطالي) بالمرتد تولياتي. وفي مصر، انقسم الشيوعيون الي منظمات صغيرة معادية لبعضها البعض، وكل منها تعتقد انها “الفرقة الناجية” بنفس الفهم. ولماذا نذهب بعيدا اليس عوض عبد الرازق هو، حتى اليوم، في أديباتنا، المرتد عوض عبد الرازق.
اللغة تصبح حاجزا عن الآخرين، والاحساس بالتفوق المعرفي، يجعل الشخص عاجز عن التعلم من الجماهير. فتنمو الحلقية والتعالي وتزداد العزلة عن شعبنا. ويكبر الاعتقاد، بشكل جازم، انهم امتلكوا الحكمة الخالصة، لذلك ينظر، الي كل من هو خارج بيت النظرية بتكبر. وتطلب من الآخرين ان يتبعوا ما يتم طرحهم من قبلهم، وان طرح من الآخرين يتم تصحيحه بالقلم الماركسي. وحتى أي شكل جبهوي، فيتم الحكم عليه بمدي توافقه مع طرحهم الخاص والمسبق، وليس ما يجمع كل المتحالفين.
المدهش ان عبد الخالق، تعرض بالنقد لهذه الظواهر، في عام 1963، في دراسته بعنوان” اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير (قبل اكثر من سبعين عاما). وناقش بإسهاب مظاهر عزلة الكادر عن الجماهير، ونظرة الكادر لنفسه كأنه يحمل سرا لا تقوى عليه الجماهير، ولا يتكلمون الا في السياسة الخالصة، وكأنهم وعاظ، ويستخدمون لغة ومصطلحات بعيدة عن الجماهير، بالإضافة لعدم احترام تقاليد شعبنا، أو تجربته الحياتية.
أي خطوة جادة للتصحيح تبدأ بتشريح أمين وصادق، للواقع الراهن، لتحديد سبل تخطيه، والبناء على أخطاء الماضي. وأهم قضية هي السماح للرأي الآخر، واحترام رؤى من يختلفون معنا، والنظر لها بموضوعية، وفي حوار عقلاني منفتح.

siddigelzailaee@gmail.com

عن صديق الزيلعي

صديق الزيلعي

شاهد أيضاً

الحوار مع د. ناهد: الطليعية والمركزة المطلقة

صديق الزيلعييتواصل الحوار مع المقالات القيمة للدكتورة ناهد محمد الحسن بعنوان أين ذهب الرفاق؟ وقد …