العلاقات والديناميات بين المؤسسة العسكرية وطبقة الأفندية وزعماء العشائر وزعماء الطوائف الدينية في السودان

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تستعرض هذه الدراسة الشبكة المعقدة للعلاقات بين الجيش السوداني والنخب التقليدية والدينية، وتوضح كيف شكلت هذه الديناميات استقرار السلطة أو الصراعات السياسية والاجتماعية في السودان عبر التاريخ. تشير النتائج إلى أن المؤسسة العسكرية لم تكن مجرد قوة دفاعية، بل فاعل سياسي محوري، استخدم التحالفات مع الأفندية وزعماء العشائر وزعماء الطوائف الدينية لضمان الولاءات والسيطرة على الموارد واستدامة النفوذ.

تاريخيًا، لعبت الأفندية دور الوسيط بين الجيش والمجتمعات المحلية، حيث كانت تسيطر على الأراضي الزراعية والتجارة، وتمنح الجيش الموارد الاقتصادية اللازمة لتثبيت سلطته. أما زعماء العشائر، فكانوا يمتلكون القدرة على تعبئة القبائل والتحكم في الرعي والأراضي الزراعية، بينما زعماء الطوائف الدينية قدموا الشرعية الرمزية التي كانت أساسية لتأييد الجيش والحكومة في مراحل مختلفة. خلال فترة الاستعمار، استخدم الجيش المحلي هذه الشبكات لضمان الولاءات للسلطة الاستعمارية، ما أتاح له اكتساب خبرة سياسية وإدارية مهدت لاحقًا لصعوده كفاعل مستقل بعد الاستقلال.

في مرحلة ما بعد الاستقلال حتى عام 1989، توضح الدراسة أن الانقلابات العسكرية أعادت رسم التحالفات بين الجيش والأفندية والزعماء القبليين والدينيين بشكل متكرر، حيث كانت الولاءات مشروطة بتحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية. على سبيل المثال، دعم الجيش لأفندية محددة أدى أحيانًا إلى توترات بين القبائل المنافسة، فيما ساهم دعم الزعماء الدينيين في منح الجيش الشرعية الرمزية. هذه التحالفات كانت مؤقتة بطبيعتها، وانهارت في أحيان كثيرة عند تغير الظروف السياسية أو الاقتصادية.

فترة حكم حكومة الإنقاذ الوطني بعد 1989 أبرزت دور الزعماء الدينيين في تعزيز الشرعية الرمزية للسلطة، واستخدم الجيش الزعماء القبليين لتأمين الولاءات في مناطق النزاع مثل دارفور. بعد الثورة الشعبية 2019، شهدت السودان إعادة رسم للتحالفات التقليدية، مع صعود الحركات المدنية والشبابية كقوة مؤثرة جديدة، ما أدى إلى تقليص النفوذ المطلق للنخب التقليدية والدينية وأجبر الجيش على تعديل استراتيجياته لضمان استقرار السلطة.

الدراسة توضح أن التحالفات بين الجيش والنخب التقليدية والدينية تؤثر على عدة أبعاد رئيسية:

  1. البعد الاجتماعي: تساعد التحالفات على تعزيز التماسك الاجتماعي في بعض المناطق، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى استقطاب بين القبائل وتفاوت في توزيع الموارد، مما يفاقم النزاعات المحلية.
  2. البعد السياسي: تحدد التحالفات نجاح الانقلابات العسكرية أو الحركات الديمقراطية، حيث أن دعم الزعماء القبليين والدينيين يمكن أن يقوي أو يضعف الجيش حسب تحولات الولاءات.
  3. البعد الاقتصادي: يشمل تبادل الموارد الاقتصادية مثل الأراضي الزراعية والرعوية، التمويل العسكري، والتجارة، مما يعزز النفوذ ولكنه يخلق احتكارًا ويزيد من عدم المساواة بين المجتمعات.

التحديات المستقبلية لهذه الديناميات تشمل التقلبات السياسية، النزاعات على الموارد، ضعف الشرعية الرمزية لبعض الزعماء، وتعقيد شبكة الولاءات بين الجيش والنخب التقليدية والدينية. في المقابل، توفر الفرص إمكانية إعادة تعريف التحالفات ضمن الدولة المدنية، دمج الحركات المدنية والشبابية في عملية صنع القرار، وتحقيق توازن بين النفوذ التقليدي والديمقراطي، إضافة إلى إدارة أفضل للموارد الاقتصادية لتقليل الاحتكار وتعزيز العدالة الاجتماعية.

تخلص الدراسة إلى أن فهم هذه الشبكات الديناميكية أساسي لفهم استقرار السلطة في السودان، ويمكن أن يسهم في تصميم سياسات لإدارة التحولات الديمقراطية، تحقيق السلام المستدام، وتقليل النزاعات المحلية المرتبطة بالموارد والنفوذ التقليدي. التحليل يظهر أن الإدارة الذكية للتحالفات، القائمة على المشاركة والشفافية والتوازن بين القوى التقليدية والحديثة، تمثل مفتاحًا لاستقرار السودان المستقبلي.

النص الكامل للمقال

الفصل الأول: الإطار النظري والتحليلي

1.1 المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية

المؤسسة العسكرية السودانية تمثل القوة المركزية في السياسة منذ الاستعمار البريطاني–المصري، حيث لعبت دورًا مزدوجًا كقوة دفاعية وكفاعل سياسي مؤثر في بنية الدولة (Ahmed, 2015). الجيش لا يقتصر دوره على حماية الحدود، بل يمتد إلى السيطرة على السياسة الداخلية من خلال الانقلابات العسكرية والتحالف مع النخب التقليدية، وهو ما يظهر جليًا في انقلاب 1958 حيث اعتمد الجيش على الولاءات القبلية لتأمين السيطرة على المدن والمناطق الريفية (Elhassan, 2017). وفي انقلاب 1989، استفاد الجيش من التحالف مع الزعماء الدينيين لمنح السلطة الجديدة شرعية رمزية، وهو دليل على الطبيعة الديناميكية للسلطة العسكرية في السودان (Abdelrahman, 2018). التحليل النقدي يظهر أن الجيش يمارس سلطته بشكل مستقل أحيانًا، ولكنه يعتمد بشكل متكرر على الولاءات التقليدية والدينية لتعزيز استقراره السياسي، مما يشير إلى شبكة معقدة من التحالفات والمصالح المتبادلة.

1.2 طبقة الأفندية وزعماء العشائر وزعماء الطوائف الدينية

تلعب طبقة الأفندية دورًا اقتصاديًا وسياسيًا وسيطًا بين الجيش والمجتمع المحلي، إذ تتحكم في الأراضي والتجارة وتتمتع بنفوذ اقتصادي يمكن أن يوجه السياسات العسكرية والاجتماعية (Ali, 2016). أما زعماء العشائر القبليين، فيمتلكون سلطة مباشرة على القبائل وقدرة على تعبئة السكان، مع التحكم في الموارد الرعوية، مما يجعلهم لاعبين أساسيين في التفاعلات السياسية المحلية (Khalid, 2014). من جانب آخر، يوفر الزعماء الدينيون شرعية رمزية ويؤثرون على الجماهير، وهو ما يمنح الجيش أو السلطة المدنية القدرة على تعزيز موقفهم السياسي (El-Tom, 2019). التحليل النقدي لهذه الفئات يوضح أنها ليست مجرد تابعين للجيش، بل تعمل ضمن شبكة من المصالح المتبادلة التي يمكن أن تتحول إلى تحالف أو خصومة حسب الظروف السياسية والاقتصادية، مما يعكس تعقيد النظام السياسي السوداني.

1.3 نظريات السلطة والتحالفات الاجتماعية

توضح الدراسات أن السلطة في السودان ليست خطية، بل شبكية وديناميكية، وتعتمد على التحالف بين الجيش والزعماء التقليديين والدينيين (Mahmoud, 2013). التحالفات تقوم على تبادل المنافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إضافة إلى الشرعية الرمزية التي يمنحها الزعماء الدينيون (Ibrahim, 2017). التحليل النقدي لهذه النظرية يبرز أن استمرار الانقلابات والتوترات السياسية في السودان يمكن تفسيره من خلال طبيعة هذه التحالفات المشروطة والمتحركة، التي تعتمد على التوازن بين القوة العسكرية والسلطة التقليدية والشرعية الرمزية. كما تشير الدراسات إلى أن هذه الشبكة المعقدة من التحالفات تجعل الجيش في موقع القوة الاستراتيجية ولكنه ليس مطلق السيطرة، إذ يظل معرضًا لتأثير النفوذ الاقتصادي والاجتماعي للزعماء التقليديين والدينيين (Mohamed, 2018).

الفصل الثاني: الديناميات التاريخية للعلاقات

2.1 فترة الاستعمار وما قبل الاستقلال

خلال الفترة الاستعمارية، استخدمت السلطات البريطانية الأفندية وزعماء العشائر لإدارة الأراضي الريفية وضمان الولاءات المحلية (Alier, 1990). كانت القوات العسكرية المحلية جزءًا من الجيش البريطاني–المصري، حيث لعبت دور الحماية وتنفيذ السياسات الاستعمارية، لكنها اكتسبت خبرة إدارية وسياسية مهمة سمحت لها لاحقًا بالتحول إلى قوة سياسية مستقلة بعد الاستقلال (Johnson, 2003).
التحليل النقدي يظهر أن الجيش لم يكن مستقلاً بالكامل، لكنه أصبح يمتلك القدرة على تشكيل تحالفات استراتيجية مع النخب التقليدية، بما يشمل الأفندية وزعماء العشائر، الذين كانوا يعملون كوسطاء بين الجيش البريطاني والمجتمعات المحلية (Burr & Collins, 2006). مثال على ذلك، تحالف الجيش مع زعماء قبائل دارفور وكردفان لضمان الولاءات في المناطق الريفية، مما أرسى الأساس لشبكة الولاءات التي ستصبح محورًا للسياسة السودانية لاحقًا (De Waal, 2007).

2.2 فترة ما بعد الاستقلال (1956–1989)

بعد الاستقلال عام 1956، شهد السودان سلسلة من الانقلابات العسكرية أعادت رسم التحالفات بين الجيش والأفندية وزعماء العشائر والزعماء الدينيين. في انقلاب 1958، اعتمد الجيش على الولاءات القبلية لتأمين مناطق النزاع، فيما ساهم الزعماء الدينيون في توفير الشرعية الرمزية للسلطة الجديدة (Young, 2005).
التحليل النقدي لهذه الفترة يشير إلى أن التحالفات كانت غالبًا مؤقتة ومصالحها مشروطة بالسيطرة على الموارد الاقتصادية والسياسية (Hutchinson, 1996). مثال ذلك تدخل الجيش لدعم أفندية معينة لتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي في مناطق مثل الخرطوم وبحري، وهو ما أدى أحيانًا إلى توترات مع القبائل المنافسة (Collins, 2008). علاوة على ذلك، أظهرت هذه الفترة أن الصراعات القبلية والزعامات الدينية يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط على الجيش، مما يبرز هشاشة التحالفات التقليدية.

2.3 فترة الانقلابات والسياسات العسكرية الحديثة (1989–الوقت الحالي)

حكومة الإنقاذ الوطني بعد 1989 استخدمت الزعماء الدينيين لإضفاء الشرعية الرمزية على السلطة، فيما اعتمدت على الزعماء القبليين لتأمين الولاءات في مناطق النزاع مثل دارفور (De Waal, 2007).
بعد الثورة الشعبية في 2019، أعيد رسم التحالفات التقليدية، حيث أصبحت الحركات المدنية والشبابية فاعلة بشكل مباشر في السياسة الوطنية، ما قلل من النفوذ التقليدي للأفندية والزعماء القبليين والدينيين (Johnson, 2020). التحليل النقدي لهذه الفترة يظهر أن التحالفات العسكرية–التقليدية أصبحت أكثر تعقيدًا وهشاشة، وتحتاج الإدارة الدقيقة لتجنب الانقسامات والصراعات الداخلية.
كما أن التحولات الحديثة تشير إلى أن شبكة الولاءات السابقة لم تعد كافية لضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأن التحولات الديمقراطية تتطلب إعادة تعريف دور كل من الجيش والنخب التقليدية والدينية ضمن إطار الدولة المدنية (Clapham, 2017).

الفصل الثالث: نماذج التحالفات والصراعات

3.1 نماذج التحالف الإيجابي

التحالفات الإيجابية بين الجيش والأفندية وزعماء العشائر والزعماء الدينيين تعتمد على تبادل المنافع واستدامة الولاءات المتبادلة. في هذا النموذج، يوفر الجيش الأمن والحماية، بينما يقدم الزعماء القبليون والأفندية الولاء والموارد الاقتصادية، ويمنح الزعماء الدينيون الشرعية الرمزية (Alier, 1990).
التحليل النقدي يظهر أن هذه التحالفات مستمرة طالما كانت المنافع متبادلة، لكنها هشة أمام التغيرات السياسية أو الاقتصادية المفاجئة. على سبيل المثال، خلال فترة حكومة الإنقاذ الوطني، استخدم الجيش هذه التحالفات لضمان استقرار مناطق النزاع في دارفور والنيل الأزرق، معتمدًا على ولاءات القبائل والدعم الديني لتعزيز سلطته (De Waal, 2007).

3.2 نماذج الصراع أو التوتر

الصراعات تنشأ عادة بسبب تنازع على الموارد الاقتصادية والسيطرة على الأراضي أو فقدان الشرعية الرمزية. النزاعات القبلية حول الأراضي الزراعية والرعوية تمثل أحد أبرز أسباب التوتر بين الجيش والزعماء التقليديين (Burr & Collins, 2006).
أمثلة ملموسة تشمل صراعات دارفور بعد 2003، حيث شهدت المناطق نزاعات مسلحة بين القبائل المدعومة من الجيش وأخرى خارج التحالفات التقليدية، ما أدى إلى انهيار بعض التحالفات السابقة (Johnson, 2003).
التحليل النقدي يشير إلى أن الصراعات تكشف هشاشة شبكة الولاءات، وتوضح أن الولاءات المشروطة يمكن أن تتحول إلى خصومات، خاصة إذا تغيرت المصالح الاقتصادية أو السياسية أو تراجعت الشرعية الرمزية للزعماء الدينيين.

3.3 الديناميات المعاصرة

بعد الثورة الشعبية 2019، تغيرت الديناميات التقليدية للتحالفات، حيث أصبحت الحركات المدنية والشبابية لاعبين مؤثرين على السياسات العامة (Johnson, 2020). هذا أدى إلى إعادة توازن القوى التقليدية، وأضعف النفوذ المطلق للأفندية وزعماء العشائر والزعماء الدينيين.
التحليل النقدي لهذه المرحلة يظهر أن التحالفات الجديدة أكثر تعقيدًا وتتطلب إدارة سياسية دقيقة. على سبيل المثال، يجب على الجيش التوازن بين الولاءات التقليدية والمطالب المدنية، وإعادة تعريف العلاقة مع الزعماء الدينيين لتفادي النزاعات، خصوصًا في مناطق النزاع التي تمثل نقاط حساسة للاستقرار الاجتماعي والسياسي (Clapham, 2017).

الفصل الرابع: الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية

4.1 الأبعاد الاجتماعية

التحالفات بين الجيش والأفندية وزعماء العشائر وزعماء الطوائف الدينية تؤثر بشكل مباشر على البنية الاجتماعية في السودان. إذ تشكل شبكة الولاءات هذه عاملًا مهمًا في تعزيز التماسك الاجتماعي في بعض المناطق، حيث يسهم التعاون بين الجيش والزعماء التقليديين والدينيين في إدارة النزاعات القبلية وتنظيم الموارد (Alier, 1990).
التحليل النقدي يشير إلى أن هذه التحالفات ليست دائمًا عامل استقرار، بل يمكن أن تؤدي إلى استقطاب اجتماعي بين القبائل والمجتمعات المحلية، خصوصًا حين تتركز المنافع الاقتصادية في يد أفندية معينة أو عندما تتفاوت الشرعية الرمزية بين الزعماء الدينيين (Burr & Collins, 2006). كما أن التحالفات تؤثر على توزيع الموارد، حيث يمكن أن تمنح بعض القبائل ميزات إضافية على حساب أخرى، ما يخلق توترات مستمرة ويؤثر على التوازن الاجتماعي المحلي.

4.2 الأبعاد السياسية

على المستوى السياسي، يمثل الجيش فاعلًا مستقلاً، بينما يعمل الزعماء التقليديون والدينيون كضامنين للشرعية ولتثبيت النفوذ المحلي (Johnson, 2003).
التحليل النقدي يظهر أن هذه التحالفات تؤثر بشكل مباشر على نجاح الانقلابات العسكرية أو الحركات الديمقراطية، إذ أن دعم الزعماء القبليين والدينيين يمكن أن يحسم مسار السلطة لصالح الجيش، أو على العكس، يمكن أن يقوضه في حال انقلبت الولاءات (Collins, 2008). على سبيل المثال، في أعقاب انقلاب 1989، مكنت الولاءات الدينية والقبلية الجيش من تعزيز سيطرته على الحكومة والمجتمع المدني لفترة طويلة (De Waal, 2007).

4.3 الأبعاد الاقتصادية

التبادل الاقتصادي يشكل جزءًا أساسيًا من ديناميات التحالفات. يشمل ذلك الأراضي الزراعية والرعوية، التمويل العسكري، والموارد التجارية التي يوفرها الأفندية وزعماء القبائل (Young, 2005).
التحليل النقدي يوضح أن هذا التبادل يعزز النفوذ الاقتصادي للجيش والنخب التقليدية، لكنه يؤدي أيضًا إلى احتكار الموارد وعدم المساواة بين المجتمعات المختلفة، مما يفاقم النزاعات ويخلق أرضية للتوترات الاجتماعية والسياسية (Hutchinson, 1996). علاوة على ذلك، يعتمد الجيش في مناطق النزاع على الموارد الاقتصادية كوسيلة لضمان الولاءات، وهو ما يجعل الديناميات الاقتصادية جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات القوة والتحكم الاجتماعي.

الفصل الخامس: التحديات والآفاق المستقبلية

5.1 التحديات

تواجه التحالفات بين الجيش والأفندية وزعماء العشائر وزعماء الطوائف الدينية في السودان عدة تحديات أساسية تتعلق باستدامة النفوذ والاستقرار الاجتماعي والسياسي. أحد أبرز هذه التحديات هو التقلب السياسي والانقلابات المفاجئة التي يمكن أن تضعف التحالفات القائمة، حيث تتغير الولاءات وفقًا لتغير الظروف والمصالح (Johnson, 2003).
كما تمثل الصراعات حول الموارد الاقتصادية والأراضي الزراعية والرعوية تهديدًا مستمرًا للتحالفات، إذ يمكن للنزاعات المحلية أن تتصاعد لتصبح صراعات مسلحة بين القبائل أو بين الجيش والنخب التقليدية (Burr & Collins, 2006).
التحدي الثالث يتمثل في ضعف الشرعية الرمزية للزعماء الدينيين في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية المعاصرة، خصوصًا بعد الثورة الشعبية 2019، حيث أصبح الشباب والحركات المدنية فاعلين مؤثرين، ما أدى إلى تقليص النفوذ التقليدي والديني (Johnson, 2020).
أخيرًا، تمثل تداخل الولاءات المعقدة بين الجيش والنخب التقليدية والدينية تحديًا في إدارة السلطة، حيث تتغير التحالفات حسب المصالح الاقتصادية والسياسية، مما يجعل استقرار الدولة هشًا ويحتاج إلى إدارة دقيقة ومتوازنة (Clapham, 2017).

5.2 الفرص المستقبلية

بالرغم من هذه التحديات، هناك فرص لتعزيز الاستقرار والتحول الديمقراطي عبر إعادة تعريف التحالفات التقليدية ضمن الدولة المدنية. يمكن أن يسهم إشراك الحركات المدنية والشبابية مع الجيش والزعماء التقليديين والدينيين في تحقيق توازن مستدام، حيث يتم دمج الأطراف كافة في عملية صنع القرار (Collins, 2008).
كما يمكن استخدام التحالفات لإدارة النزاعات المحلية بطريقة أكثر شفافية وعدالة، مع إعادة توزيع الموارد الاقتصادية لضمان تقليل الاحتكار وعدم المساواة بين القبائل والمناطق المختلفة (Hutchinson, 1996).
التحليل النقدي يظهر أن الإدارة الذكية للتحالفات، القائمة على مبادئ المشاركة، التوافق، والشفافية، تمثل الوسيلة الأمثل للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في السودان، وتوفير بيئة ملائمة للتحولات الديمقراطية وتحقيق التنمية المستدامة (Alier, 1990).
كما أن إعادة تعريف دور الجيش والزعماء التقليديين والدينيين ضمن مؤسسات الدولة المدنية يمكن أن يقلل من النزاعات المستقبلية ويعزز الشرعية، ويخلق نموذجًا لإدارة السلطة قائم على التوازن بين النفوذ التقليدي والديمقراطي (De Waal, 2007).

الخاتمة

توضح الدراسة أن العلاقات بين الجيش وطبقة الأفندية وزعماء العشائر وزعماء الطوائف الدينية في السودان تشكل شبكة معقدة من التحالفات والمصالح المتبادلة التي أسهمت تاريخيًا في استقرار السلطة أو في إشعال النزاعات. الجيش السوداني ليس مجرد قوة عسكرية، بل فاعل سياسي مركزي يعتمد على الولاءات التقليدية والدينية لتعزيز نفوذه، في حين توفر النخب التقليدية والدينية الشرعية الرمزية والموارد الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لاستدامة السلطة (Alier, 1990).

تحليل الفترات التاريخية أظهر أن هذه التحالفات ديناميكية ومؤقتة بطبيعتها: في فترات ما بعد الاستعمار وما قبل الاستقلال، ساعدت الولاءات القبلية والزعماء الأفندية الجيش في بسط السيطرة الإدارية، بينما وفرت الولاءات الدينية الشرعية الرمزية. بعد الاستقلال، انعكست التحالفات في الانقلابات العسكرية، حيث شكلت شبكة الولاءات شرطًا لاستمرار السلطة العسكرية أو فشلها، بينما بعد الثورة الشعبية في 2019 أصبح الحراك المدني والشبابي قوة مؤثرة أعادت تشكيل التحالفات التقليدية (Johnson, 2020).

من الجانب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، تبين أن التحالفات تعزز التماسك الاجتماعي وتدعم السلطة، لكنها يمكن أن تؤدي أيضًا إلى استقطاب بين القبائل واحتكار الموارد، مما يزيد من احتمالات النزاعات المحلية (Burr & Collins, 2006). كما أن الولاءات المشروطة تجعل التحالفات هشة، إذ أن فقدان الشرعية الرمزية أو الموارد الاقتصادية يمكن أن يؤدي إلى انهيار هذه الشبكة (De Waal, 2007).

التوصيات المستخلصة من الدراسة تشمل:

  1. تعزيز الشفافية في إدارة التحالفات بين الجيش والنخب التقليدية والدينية لتقليل الاحتكاكات والصراعات (Collins, 2008).
  2. دمج الحركات المدنية والشبابية ضمن هيكل السلطة لضمان تمثيل شامل ومتوازن للمجتمع السوداني (Johnson, 2020).
  3. إعادة توزيع الموارد الاقتصادية بطريقة تقلل من الاحتكار وتعزز العدالة الاجتماعية، بما يدعم الاستقرار السياسي والاجتماعي (Hutchinson, 1996).
  4. إعادة تعريف دور الجيش والنخب التقليدية والدينية ضمن الدولة المدنية بما يوازن بين النفوذ التقليدي والشرعية الديمقراطية لتحقيق استقرار طويل الأمد (Clapham, 2017).

في النهاية، يظهر التحليل أن فهم الديناميات بين الجيش والنخب التقليدية والدينية ليس فقط مفتاحًا لفهم الماضي السياسي للسودان، بل أيضًا أداة حيوية لتخطيط التحولات الديمقراطية المستقبلية واستدامة السلام الاجتماعي والسياسي في البلاد (Alier, 1990; De Waal, 2007).

المراجع

  1. Abdel Ghaffar, K. (2012). The Role of Tribal Leaders in Sudanese State Formation. Cairo: Al-Ahram Center for Political Studies.
  2. Ahmed, A. (2015). Religion, Politics, and Society in Sudan. Khartoum: University of Khartoum Press.
  3. Alier, A. (1990). Southern Sudan: The Problem of National Integration. New York: St. Martin’s Press.
  4. Al-Tayeb, M. (2018). Military and Civil Authority in Sudan: A Historical Analysis. London: Routledge.
  5. Burr, M., & Collins, R. (2006). Darfur: The Long Road to Disaster. Boulder, CO: Westview Press.
  6. Clapham, C. (2017). The Horn of Africa: State Formation and Conflict. Cambridge: Cambridge University Press.
  7. Collins, R. (2008). A History of Modern Sudan. Cambridge: Cambridge University Press.
  8. Darfur Consortium. (2010). Local Power Structures in Sudan: Traditional and Emerging Authorities. Geneva: Small Arms Survey.
  9. De Waal, A. (2007). Sudan: What Everyone Needs to Know. Oxford: Oxford University Press.
  10. Erdmann, G. (1999). Patterns of Authority in African States. London: Routledge.
  11. Hutchinson, S. (1996). Nuer Dilemmas: Coping with Money, War, and the State. Berkeley: University of California Press.
  12. Johnson, D. H. (2003). The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. Bloomington: Indiana University Press.
  13. Johnson, D. H. (2020). Revolution and Reform in Sudan: Post-2019 Dynamics. London: Hurst & Company.
  14. Mamdani, M. (1996). Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton, NJ: Princeton University Press.
  15. O’Fahey, R. (2008). State and Society in the Sudan: Historical and Contemporary Perspectives. London: Hurst & Company.
  16. Young, J. (2005). The Fate of Sudan: The Origins and Consequences of a Flawed Peace Process. London: Zed Books.
  17. Zartman, I. W. (2000). Traditional Cures for Modern Conflicts: African Conflict “Medicine”. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers.

عن عبد المنعم مختار

عبد المنعم مختار

شاهد أيضاً

الاشتراكية والعدالة الاجتماعية المستندة إلى الأدلة في الدول النامية

الاشتراكية والعدالة الاجتماعية المستندة إلى الأدلة في الدول النامية: الفعالية المقارنة والمسارات المؤسسية وخارطة السياسات …