د. خالد البلولة
يُعدّ النقاش حول أولوية الديمقراطية أو دولة القانون من أكثر الأسئلة إلحاحًا في الواقع السياسي السوداني، في بلدٍ يتسم بتعدّدٍ إثني وقَبَلي واسع، وتاريخٍ طويل من الصراعات الجهوية والشخصانية السياسية.فبين نموذجٍ ديمقراطي لم يترسّخ بعد، ودولة قانون لم تكتمل، يظلّ السودان يتأرجح بين الشعارات والممارسات غير الرشيدة:
تُعدّ دولة القانون أساس العدالة والمساواة، إذ يضمن تطبيق القانون على الجميع دون استثناء حماية الحقوق، وصون المجتمع من الفوضى. كما تُشكّل سيادة القانون، وتطبيقه بعدالة، إحدى الركائز الجوهرية لسلامة الدولة، وحماية حقوق الإنسان، وتحقيق التنمية المستدامة، ومكافحة الفساد والانحراف.
يرى كثير من أنصار الديمقراطية أنها تقوم على المشاركة الشعبية، والتداول السلمي للسلطة، واحترام إرادة الأغلبية مع حماية حقوق الأقليات. غير أن التجربة السودانية أظهرت أن الديمقراطية القائمة على الانتخابات وحدها كثيرًا ما تنتهي إلى إعادة إنتاج الولاءات القبلية والجهوية، حيث يُنتخب الأشخاص لا البرامج، وتُقدَّم العصبية على الكفاءة.
لذلك، لستُ من أنصار إقامة دولة ديمقراطية في بلدٍ يُستقوى فيه بالقبيلة، أو الجهة، أو بالمؤسسة العسكرية لهزيمة الخصم السياسي. فالديمقراطية التي تُقام بلا دولة قانون لا تُنتج حكمًا مدنيًا رشيدًا، بل تتحوّل إلى صراع أغلبيات قبلية، أو إلى واجهة مدنية لحربٍ أهليةٍ مؤجَّلة.
في ما يلي بعض الموجِّهات العامة لإعمار وبناء الدولة السودانية بعد الحرب:
أولًا: الدولة التي ينبغي أن تُبنى في السودان،لا تبدأ بصناديق الاقتراع، بل بقانونٍ أعلى من الجميع،من الحاكم إلى المحكوم، دون استثناءات تاريخية، أو ثورية، أو عسكرية. قانون يُحتكم إليه ولا يُلتفّ عليه، يقوم على قضاءٍ صارمٍ ومستقل، يحتكم إلى الضمير الأخلاقي وقيم الأمانة،لا يُحابي حزبًا،ولا يخشى بندقية، ولا يساوم قبيلة. وجيشٍ مهنيٍّ يؤدي دوره باحتراف؛لا يكون خصمًا للسياسة ولا وصيًا عليها، ولا يخضع لوصاية سياسية،بل يحمي الدستور، ويمنع انهيار الدولة، دون انحيازٍ للأشخاص أو الأحزاب أو الكيانات.
ثانيًا: إن مشكلة السودان أعمق من شكل الحكم أو سؤال من يحكم وكيف يحكم؛ فهي أزمة ثقافة سياسية. فنحن لا نعيش ثقافة مؤسسات، بل نُربّي أبناءنا على الانتماء قبل المواطنة، وعلى البحث عن وسيط بدل المطالبة بالحق، وعلى الاحتماء بالجماعة والقبيلة والكيان بدل الاحتكام للعدالة.نلجأ إلى القانون عندما يقع الظلم علينا،ونتجاوزه عندما يكون الحق في صالحنا، بينما جوهر دولة القانون أن ننتصر له حتى عندما يكون ضدنا.
ثالثًا: أؤمن أن أحد أسباب عجز النخب السودانية يتمثّل في غياب مشروع فكري ومنهجي واضح منذ الاستقلال، فقد ارتبطت هذه النخب، في فتراتٍ كثيرة، بتيارات سياسية وفكرية متعدّدة ومتناقضة،ولم تنجح في الاتفاق على رؤية وطنية مشتركة تراعي التنوع الثقافي والعرقي والجهوي في البلاد،فازدادت الانقسامات، وضعفت مشروعيتها أمام قواعدها الشعبية.
رابعًا: شهد السودان سلسلة من الانقلابات العسكرية منذ عام 1958 وحتى 1989،ما جعل المؤسسة العسكرية طرفًا سياسيًا دائمًا في الحكم. ومع الوقت، أصبح الجيش- لا المؤسسات- هو الخيار العملي لحسم الأزمات.وفي ظل غياب مؤسسات قوية يُحتكم إليها، كقضاء مستقل،وأحزاب راسخة، وأجهزة رقابية فعّالة، ينظر بعض الناس (بدافع الإحباط) إلى الجيش أو المليشيات والجيوش الموازية بوصفها قوى قادرة على فرض النظام بالسلاح،لا لأن ذلك هو الخيار الصحيح، بل لأن التجارب الديمقراطية فشلت في أداء دورها.
خامسًا: لم ترتبط النخب السياسية ارتباطًا حقيقيًا بقاعدة شعبية موحّدة، ولم تطرح حلولًا عملية تلامس هموم الناس اليومية، مثل الفقر، والبطالة، والأمن، والخدمات.فبدت ضعيفة أمام القادة العسكريين أو الجماعات المسلحة، التي استغلّت الفراغ السياسي والإحباط الشعبي.
عليه،لا ديمقراطية بلا دولة قانون،ولا دولة قانون بلا قضاءٍ مستقلٍّ مؤمنٍ بالعدالة،ولا سياسة مدنية بلا جيشٍ محترف يعرف حدوده.
لا يحتاج السودان إلى شعاراتٍ بل إلى اتفاقٍ أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا:أن يكون القانون هو الحكم الأخير على الجميع، ودون استثناء.
*صحفي وأكاديمي من السودان
dr.khalidbalula@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم