زلزال الشرق الأوسط الجديد: صراع الخليج وإيران.. وأين يقف السودان من حافة الانفجار؟

محمد الأمين عبد النبي

في سياق تصعيد عسكري غير مسبوق في المنطقة، نُفذت عملية عسكرية أمريكية وإسرائيلية مشتركة استهدفت النظام الإيراني، مما أدى إلى اغتيال قيادات بالدولة على رأسها المرشد الاعلى، في خطوة فجّرت ارتدادات واسعة وأعادت رسم المعادلات في المنطقة. وقد جاء الرد الإيراني، وفق مسار تصعيدي سريع، عبر استهداف مصالح وأهداف مرتبطة بعدد من دول الخليج، شملت: السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين، قطر، الأردن وسلطنة عمان، مما دفع هذه الدول إلى التحرك لحماية أمنها وسيادة أراضيها. هذا المشهد المتشابك يعكس انتقال المواجهة إلى دائرة إقليمية أوسع، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية بصورة مباشرة.
يهدف هذا المقال إلى تأطير الحدث ضمن سياق تحليلي شامل يقرأ أبعاده الاستراتيجية وانعكاساته على توازن القوى في المنطقة، مع تتبع مسارات التصعيد والردود المتبادلة، وصولاً إلى استشراف موقع ودور السودان في ظل هذه التحولات، وكيف يمكن للمتغيرات الراهنة أن تفتح مساحات لوقف الحرب أو تفرض تحديات جديدة.

المأزق الإيراني: بين الانهيار أو الاختبار:

يمرّ النظام في إيران بمأزق بنيوي يتجاوز شخص المرشد إلى طبيعة الدولة ذاتها؛ فهي دولة عقائدية بُنيت على مركزية شديدة في القرار، وتداخل عضوي بين الشرعية الدينية والهيمنة العسكرية. إن أي فراغ في موقع المرشد يُنتج أزمة خلافة ويختبر توازن القوة داخل المنظومة، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني وشبكات المصالح، فيما يوفّر مجلس خبراء القيادة الغطاء الدستوري لقرار يُصاغ فعلياً في مراكز القوة.
المأزق الأول هو مأزق انتقال السلطة؛ فصحيح أن الدستور يحدّد الآلية، ولكن السياسة هي التي تحدّد الفعل والنتيجة. في لحظات الضغط الخارجي والتهديد الأمني، تميل الأنظمة العقائدية إلى تغليب الاستمرارية عبر اختيار خليفة محافظ يطمئن المؤسسة العسكرية والأمنية، أو إدارة مرحلة انتقالية بتوازن أجنحة، أو تعميق عسكرة القرار مع إبقاء واجهة دينية مانحة للشرعية. وفي الحالات الثلاث، يبقى معيار الحسم هو القدرة على منع الانقسام داخل الأجهزة، لا مجرد إنجاز الإجراء الدستوري.
المأزق الثاني اقتصادي واجتماعي، يرتبط بتراكم العقوبات، وهشاشة الاقتصاد، وضغط المعيشة الذي يخلق قابلية احتجاج مستمرة. غير أن الاحتجاج بذاته لا يُسقط نظاماً أمنياً؛ فنقطة التحول تكون عند عجز الدولة عن تمويل وظائفها الأساسية أو عند عدم قدرة الضبط الميداني. عندها ينتقل الغضب من كونه سياسياً قابلاً للاحتواء إلى غضب اجتماعي واسع يصعب كبحه، خصوصاً في المدن الكبرى والأطراف.
المأزق الثالث خارجي وداخلي متداخل، يمكن قراءته من خلال انخراط إقليمي طويل الأمد يمنح النظام أوراق نفوذ، لكنه يوسّع كلفة الاستنزاف ويضاعف مخاطر ارتداد الجبهة الخارجية إلى الداخل. فكل تصعيد خارجي يُقرأ داخلياً كاختبار للتماسك، ويمنح الأجهزة ذريعة لتشديد القبضة، لكنه في الوقت نفسه يضغط على الاقتصاد ويعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
وفقاً لقراءة السياق التاريخي للدولة الإيرانية، فإن النظام لا يقف على حافة انهيار بقدر ما يقف على حافة اختبار تماسك. فبقاؤه مرهون بقدرة النخبة على الحفاظ على وحدة القيادة، وضمان تدفق الموارد، ومنع تعدد مراكز القرار. أما الانهيار فيصبح مرجّحاً حين يتزامن انقسام أمني حاد مع شلل مالي وإداري في ظل غياب معارضة منظمة ولها مشروع وطني، قد يستمر النظام تحت ضغط مرتفع، ولو بثمن داخلي متصاعد.

الاقتصاد.. الوجه الحقيقي للحرب:

قراءة المشهد من زاوية الاقتصاد تكشف أن أساس الحرب هو إعادة تموضع في خرائط الطاقة والمال والنفوذ. فالصين، التي تمتلك احتياطيات نفطية استراتيجية، لا تتحرك بوصفها طرفاً عسكرياً مباشراً، لكنها لاعب مركزي في معادلة الطلب العالمي. إن قدرتها على امتصاص الصدمات عبر المخزون الاستراتيجي تمنحها هامش مناورة في لحظات اضطراب الإمدادات، وتتيح لها شراء النفط بأسعار مخصومة من دول خاضعة للعقوبات، وفي مقدمتها إيران، بما يعزز أمنها الطاقي ويعمّق ارتباط المنتجين بها.
في المقابل، تستفيد روسيا من أي انكماش في إمدادات الخليج أو ارتفاع في المخاطر، لأن ذلك يدعم الأسعار ويعيد توجيه التدفقات نحو أسواق بديلة. وموسكو، التي أعادت هندسة صادراتها منذ حرب أوكرانيا، ترى في توتر الخليج عاملاً يرفع العائدات ويمنحها قدرة تفاوضية أعلى في أسواق آسيا. أما في الولايات المتحدة، فإن حسابات الطاقة ترتبط مباشرة بالسياسة الداخلية؛ فالإدارة الأمريكية، تدرك أن التحكم في مسارات النفط الإيراني أو الفنزويلي يشكّل أداة ضغط وسوقاً محتملة للشركات الأمريكية، كما يمنح واشنطن ورقة مساومة في إدارة الأسعار عالمياً.
دول الخليج تجد نفسها في قلب هذه المعادلة؛ فهي من جهة مستفيدة من ارتفاع الأسعار على المدى القصير، ومن جهة أخرى تتحمل كلفة المخاطر الأمنية على الممرات الحيوية كالخليج العربي ومضيق هرمز. إن أي اضطراب طويل يهدد الاستقرار الاستثماري، ويضغط على خطط التنويع الاقتصادي، ويجعل الإيرادات رهينة لتقلبات أمنية لا يمكن التحكم فيها بالكامل، ومن ثمّ يصبح الأمن البحري والتفاهمات الإقليمية شرطاً لاستدامة العوائد.
أما إسرائيل فتقرأ الحرب أيضاً بميزان الاقتصاد، بغرض تثبيت موقعها في خرائط الغاز شرق المتوسط، وتعزيز شراكات الطاقة مع أوروبا، والاستفادة من إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. فكل تصعيد يعيد ترتيب أولويات الاستثمار والدفاع والطاقة، ويخلق فرصاً لشركات التكنولوجيا والأمن والطاقة الإسرائيلية في صالحها.
يمكن القول؛ إن الوجه الآخر للحرب هو سباق على إعادة توزيع الحصص في سوق الطاقة العالمي؛ فمن يسيطر على تدفق النفط والغاز، أو على العقوبات التي تعيد توجيهها، يمتلك نفوذاً يتجاوز ساحة المعركة. في هذا السياق، لا يقرأ الصراع كعُقد في شبكة المصالح الاقتصادية التي تحدد، في نهاية المطاف، شكل التسويات كما تحدد حدود التصعيد، والحديث عن السلاح النووي وتخصيب اليورنيوم يأتي في ذات سياق الصراع الاقتصادي.

السرديات الدينية تغذي بعضها البعض:

الحرب بين إيران وإسرائيل، في ظل الانخراط الأمريكي، لا تُفهم فقط كصراع جيوسياسي على النفوذ والردع، وإنما كتصادم سرديّات دينية وأيديولوجية متجذّرة في بنية كل طرف. في الحالة الإيرانية، تقوم شرعية النظام منذ الثورة الإسلامية على مزيج من الفقه السياسي الشيعي ومفهوم ولاية الفقيه، حيث تُقرأ المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة بوصفها امتداداً لصراع بين “قوى الاستكبار” و”محور المقاومة”. هذا الإطار يمنح الصراع بُعداً رسالياً يتجاوز الحسابات السياسية، ويجعل دعم الحرب جزءاً من هوية الدولة.
في المقابل، تتأسس الهوية السياسية الإسرائيلية على سردية دينية وتاريخية مرتبطة بفكرة “أرض الميعاد” وأمن الدولة كواجب وجودي، مع حضور تيارات دينية قومية ترى في الصراع بعداً توراتياً يتصل بالوعد والخلاص. هكذا يتقاطع الأمن القومي مع المعتقد الديني، فيتحول النزاع إلى مسألة هوية وشرعية تاريخية، وهذا البعد جعل منها دولة غير طبيعية تتصرف خارج الشرعية الدولية.
أما الولايات المتحدة، فرغم طابعها المؤسسي العلماني، فإن جزءاً من مقاربتها للمنطقة تأثر تاريخياً بتيارات إنجيلية صهيونية ترى في قيام إسرائيل وتحالفها مع واشنطن عنصراً في سردية دينية أوسع. هذا لا يعني أن القرار الأمريكي محكوم بالعقيدة، لكنه يكشف عن تفاعل بين الاستراتيجية والمخزون الثقافي والديني داخل بعض دوائر التأثير. وعندما تتداخل هذه السرديات الثلاث، يصبح الصراع محمّلاً بلغة رمزية تتجاوز المصالح المباشرة، ويرتبط بالحديث عن “نهاية الأزمنة” لدى بعض التيارات، أو عن تمهيد لظهور “المخلّص” في الخطاب التعبوي، أو عن معركة وجود لا تقبل التسوية. هنا تكمن خطورة البعد الديني؛ إذ يضفي على السياسة طابعاً قدرياً، ويجعل التسويات أكثر تعقيداً، لأن التنازل يُقرأ كمساس برواية خلاصية أو وعد إلهي.

التوازن الجيوسياسي.. سيد الموقف:

استهداف إيران لدول الخليج لا يُقرأ بالضرورة كمشروع احتلال تقليدي بقدر ما يُفهم ضمن عقيدة ردع ممتدّة. فطهران تدرك أن كلفة المواجهة الشاملة مع دول مجلس التعاون الخليجي عالية، لذلك تميل إلى استراتيجية توازن التهديد وتوسيع النفوذ، واستخدام أوراق بحرية في مضيق هرمز، وتوظيف الصواريخ والطائرات المسيّرة، وبناء عمق سياسي وأمني لمنع تطويقها، ورفع كلفة أي اصطفاف ضدها، وإبقاء مسارات الطاقة تحت قدرة التأثير غير المباشر.
في الوقت ذاته، تتعامل دول الخليج بمقاربة مزدوجة تجمع بين الردع والاحتواء؛ فهي تعزّز قدراتها الدفاعية، وتوسّع شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى، وتستثمر في أنظمة دفاع جوي وصاروخي لحماية البنية التحتية الحيوية. بالتوازي، تنخرط في مسارات تهدئة لتقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، إدراكاً لحساسية أسواق الطاقة واستقرار الاستثمار. كما تعمل على تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد الأحادي على العائدات النفطية لخفض قابلية الابتزاز الجيوسياسي. المحصلة أن المعادلة في نظرهم صراع إرادات مضبوط بسقف الكلفة دون الانجرار إلى حرب شاملة تُهدد استقرارها الاستراتيجي.
في الإطار الجيوسياسي، يُفهم استهداف إيران لدول الخليج بوصفه جزءاً من استراتيجية كسر الطوق ومنع الاحتواء أكثر من كونه نزعة توسع تقليدية؛ فقد تخلت طهران عن أنشطتها التوسعية وانضرب حلفاؤها، وأصبحت ترى في البيئة الخليجية ساحة تماس مباشرة مع النفوذ الأمريكي، وقاعدة انطلاق محتملة لأي ضغط عسكري أو اقتصادي عليها. لذلك تعمل على تحويل الجوار الخليجي من منصة ضغط عليها إلى مجال توازن قوى يُحسب فيه حساب مصالحها الأمنية، وربط أمن الإمدادات النفطية بأمنها القومي بحيث يصبح أي تهديد لها تهديداً للاستقرار الإقليمي والدولي، بما يمنحها موقع تفاوض أعلى في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

الحسابات السياسية.. غير مرئية وأقل تأثيراً:

يتمحور استهداف دول الخليج ضمن معادلة توازن قوى إقليمية تسعى من خلالها إيران إلى تقليص النفوذ المعادي لها وتعزيز حضورها التفاوضي عبر أدوات الردع وبناء شبكات نفوذ، بما يفرض كلفة سياسية وأمنية على أي اصطفاف ضدها. ويتجلى هذا النفوذ عبر ساحات إقليمية محددة مثل اليمن من خلال جماعة الحوثيين كأداة ضغط على السعودية، ولبنان عبر حزب الله كذراع عسكري وسياسي يرسّخ نفوذاً استراتيجياً مباشراً على الحدود الشمالية لإسرائيل، وكذلك في سوريا من خلال شبكات عسكرية وأمنية داعمة لتموضعها اللوجستي، والعراق عبر قوى سياسية وفصائل مرتبطة بالحشد الشعبي التي تمنحها عمقاً عملياتياً في بيئة قريبة من الخليج. كما تمتد دوائر التأثير إلى السودان في سياقات محدودة مرتبطة بالتموضع الجيوسياسي والبحري، وإلى فلسطين حيث تُوظَّف القضية الفلسطينية ضمن خطاب تعبوي يربط الشرعية السياسية بمقاومة الخصوم الإقليميين. بالمقابل، تدير دول الخليج هذا الواقع بتحصين تحالفاتها وتعزيز احتواء هذه الشبكات سياسياً وأمنياً وتقليل تأثيرها عبر الضغط الدبلوماسي والعقوبات وتثبيت الاستقرار الداخلي.

عمق التحولات الاستراتيجية:

تشهد المنطقة تحوّلات استراتيجية عميقة تُعاد فيها صياغة موازين القوى بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية، في ظل تصاعد الصراع، وحضور الولايات المتحدة وإسرائيل كفاعلين حاسمين في هندسة المشهد الأمني. البعد الاستراتيجي الأبرز يتمثل في إعادة تعريف مفهوم الردع نفسه؛ فالقوة لم تعد عسكرية تقليدية بقدر ما أصبحت تشمل السيطرة على الممرات الحيوية، وأمن الطاقة، والتفوق في المجال السيبراني والتكنولوجي، وبناء تحالفات متعددة المستويات تُدار عبر تفاهمات مؤقتة أو اصطفافات مرنة. هذا التحول يعكس انتقال المنطقة من منطق الاستقطاب الثنائي إلى شبكة توازنات متغيرة، حيث تُستخدم الأدوات الاقتصادية والعسكرية بشكل متداخل لإدارة الصراع.
أما التحولات المحتملة فترتبط بثلاثة مسارات رئيسية: أولاً، احتمال ترسيخ نظام إقليمي يقوم على ترتيبات أمنية جديدة تُدمج الخصوم السابقين في أطر تفاوضية أو تحالفات جديدة. ثانياً، احتمال تصاعد عسكرة المنافسة إذا تعثرت مسارات التهدئة، مما قد يرفع مستوى التوتر في مناطق التماس مثل الخليج العربي والحدود البرية الساخنة. ثالثاً، استمرار إعادة توزيع النفوذ عبر الاقتصاد والطاقة والمشاريع الاستراتيجية الكبرى، حيث تصبح الاستثمارات والتحالفات الاقتصادية أداة موازية للنفوذ العسكري. بالتالي، تدخل المنطقة مرحلة انتقال استراتيجي مفتوحة على سيناريوهات متعددة، تتحدد ملامحها النهائية بمدى قدرة الأطراف على إدارة التنافس ضمن سقف يمنع الانفجار الشامل ويُبقي التوازن قائماً رغم هشاشته.

قراءات متناقضة في الأوساط الاجتماعية:

تُعدّ الأخطاء الجسيمة في أي تصعيد مرتبطة بسوء تقدير الكلفة مقابل العائد، إذ قد تنخرط الأطراف في حسابات قصيرة المدى دون احتساب تداعيات الاستنزاف الاقتصادي، واهتزاز الأسواق، واحتمالات اتساع رقعة المواجهة خارج السيطرة. في الداخل الأمريكي، ينظر الرأي العام إلى أي تورط أكبر في صراع إقليمي باعتباره عبئاً على الاقتصاد الأمريكي، خاصة إذا لم يحقق مكاسب واضحة أو لا يخدم أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي بالشكل المعلن. أما في الداخل الإسرائيلي، فالتقييم يتمحور حول معادلة الأمن الوجودي؛ فأي تصعيد يُنظر إليه من زاوية قدرته على تحييد التهديدات أو تعميق جبهات المواجهة.
في الداخل الإيراني، تتباين الرؤى بين تيار يرى أن التصعيد يعزز الردع الإقليمي ويُثبت النفوذ، وتيار آخر يحذّر من أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات والعزلة قد تستنزف الداخل وتضعف الاستقرار الاجتماعي. أما الداخل التركي، فيُقرأ المشهد من منظور براغماتي يركز على تجنب الانزلاق إلى استقطاب يضر بالمصالح الاقتصادية ويؤثر على موقع أنقرة كوسيط أو لاعب متوازن؛ إذ تميل السياسة التركية إلى إدارة المخاطر مع الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف.
في الداخل العربي، ولا سيما داخل دول الخليج وبلدان الجوار، يُنظر إلى أي تصعيد إقليمي واسع باعتباره تهديداً مباشراً للاستقرار والتنمية وأمن الطاقة، نظراً لتشابك الاقتصادات العربية مع أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية. داخل المجتمعات العربية تتباين المواقف بين قراءة ترى في المواجهة امتداداً لصراع نفوذ إقليمي يفرض تعزيز الردع والتحالفات الأمنية، وأخرى تخشى أن تتحول المنطقة إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد تعطل مسارات الإصلاح الاقتصادي والتنويع وتفاقم الأزمات الاجتماعية. تُقيّم الشعوب العربية المخاطر بميزان الكلفة الاستراتيجية، فتميل إلى تجنب الانخراط المباشر في الحرب، مع تعزيز قدراتها الدفاعية وفتح قنوات دبلوماسية لاحتواء التوترات وتقليل احتمالات انتقال الصراع إلى أراضيها أو ممراتها الحيوية. بهذا يصبح الموقف العربي مزيجاً من الحذر والواقعية، حيث يُنظر إلى أي خطأ في إدارة الأزمة على أنه قد ينعكس سريعاً على الأمن الداخلي والاستقرار الإقليمي. في المجمل، تكشف هذه القراءات الداخلية أن أخطر الأخطاء الاستراتيجية هو تجاهل ردود الفعل المجتمعية داخل كل دولة، لأن استدامة أي حرب أو مواجهة لا تتحدد فقط في ساحات القتال، بل في قدرة الشعوب على تحمل كلفتها اجتماعياً.

أين يقف السودان في هذا الصراع؟:

أي مواجهة مفتوحة بين إيران ودول الخليج سيكون لها أثر على السودان بحكم موقعه على البحر الأحمر وتشابك علاقاته الإقليمية. سياسياً، سيتعرض السودان لضغوط حادة بين محاور متنافسة، مما قد يحدّ من هامش المناورة في تبني سياسة توازن. فأي اصطفاف صريح قد يترتب عليه كلفة دبلوماسية أو اقتصادية، بينما الحياد يتطلب حكومة شرعية ومسنودة شعبياً تحافظ على سيادتها ومصالحها. صحيح قد يتحول البحر الأحمر إلى ساحة تنافس دولي، مما يرفع أهمية السودان الاستراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يجعله أكثر عرضة لضغوط القواعد والنفوذ والتموضع البحري.
اقتصادياً، يعتمد السودان على استقرار أسواق الطاقة وتحويلات العاملين والتدفقات الخليجية؛ فأي اضطراب في أسعار النفط أو سلاسل الإمداد أو الموانئ سيؤثر على كلفة الاستيراد، خاصة الوقود والقمح، ويضغط على الاقتصاد. أمنياً، تصاعد التوتر يهدد الملاحة أو تنشيط شبكات تهريب وسلاح، مما يضاعف هشاشة بيئة أمنية سودانية تعاني أصلاً من حرب مستعرة لثلاثة أعوام.
الداخل السوداني يقرأ المواجهة الإقليمية بإعتبارها تطوراً ينعكس على تعقيد الوضع للبلاد ويطيل أمد الحرب، النخبة السياسية والاقتصادية تميل إلى قراءة المشهد من زاوية إدارة المخاطر وتجنب الانخراط في الصراع، مع التركيز على حماية المصالح الوطنية، وضمان استقرار الموانئ والتجارة، وتأمين تدفق المساعدات والاستثمارات. أما على مستوى الرأي العام، فتتباين المواقف بين من يرى الصراع شأناً بعيداً عن الأولويات الداخلية في ظل التحديات المحلية، ومن يربط بين التحولات الإقليمية وإمكانية إعادة تشكيل التوازنات الدولية التي قد تؤثر على وضع السودان مستقبلاً. أما قراءة الإسلاميين للصراع الإقليمي ينظر إليه ضمن إطار صراع أوسع على الهوية الاسلامية، وأن التحولات في ميزان القوى قد تفتح أو تغلق مساحات داخلية وفق مخرجات هذا التوازن. كما يُقرأ موقف الدعم السريع في سياق حسابات النفوذ الإقليمي ومحاولات توظيف الدعم الخارجي لتعزيز موقعه في الصراع الداخلي. تعكس هذه القراءات تداخل البعد الإقليمي مع حرب السودان، حيث لا ينفصل التفاعل مع التحولات في الشرق الأوسط عن إعادة تشكيل موازين القوة والسياسة داخل السودان، سواء على مستوى الخطاب الأيديولوجي أو الاصطفاف الميداني أو الرهانات المستقبلية.

في خاتمة المشهد، تتصاعد المخاوف من أن تراكم الصراعات الإقليمية قد يدفع المنطقة والعالم نحو نمط من المواجهات الممتدة التي يُنظر إليها أحياناً بوصفها مقدمات لاصطفاف دولي واسع، وإن لم ترقَ بالضرورة إلى حرب عالمية بالمعنى التقليدي. غير أن الواقع الاستراتيجي يُظهر أن معظم القوى المنخرطة في هذه التوترات تدير حساباتها على قاعدة ضبط التصعيد وتجنب الانفجار الشامل، لأن الكلفة لأي حرب تفوق المكاسب المحتملة.
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يمكن للسودان استثمار أي تقارب أو إعادة ترتيب إقليمي للضغط باتجاه مسار سياسي شامل يوقف الحرب عبر توحيد المسارات التفاوضية، وتعزيز الثقة بين الأطراف المدنية والعسكرية، مع حشد دعم إقليمي ودولي ضامن لوقف إطلاق النار وترتيبات انتقال مدني ديمقراطي كأولوية وطنية لا تقبل التأجيل لتفادي أن يكون ساحة تصفية حسابات. فهل ينجح السودان في المشي على الحبال.

wdalamin_2000@hotmail.com

عن محمد الأميـن عبد النبي

محمد الأميـن عبد النبي

شاهد أيضاً

الجيش السوداني: ما بين ميزان الدولة وموازين الصراع (1)

محمد الأمين عبد النبيwdalamin_2000@hotmail.com مقدمة:يأتي هذا المقال ضمن سلسلة مقالاتنا حول “أسئلة اليوم التالي”، والتي …