وسم الكيزان بالإرهاب_ ساعة الحقيقة وفخ الارتباط الإيراني

محمد هاشم محمد الحسن

في يومٍ أغرّ، كأنه ضحىً جلى دياجير ليلٍ طويل، زُفت إلى الشعب السوداني الصابر بشائرُ نصرٍ دبلوماسيٍّ مؤزر، أثلج الصدور المتعطشة للعدالة، وأقرّ الأعين التي أضناها انتظار الفرج. إنها لحظةٌ تفيضُ بالبِشر والمسرات، حيث انبلج فجرُ الحق ليحاصر قوى الظلام في جحورها، فاستبشرت الأرضُ واستردت الثورةُ بعضاً من ألقها المسلوب بهذا القرار التاريخي الذي لم يكن مجرد نصٍّ قانوني، بل كان ترنيمة حريةٍ ترددت أصداؤها في آفاق الوطن الجريح.

في آذار من عام ألفين وستة وعشرين، لم تكن واشنطن تصدر مجرد قرار إداري حين وصمت الحركة الإسلامية السودانية وكتيبة البراء بن مالك بالإرهاب، بل كانت تضع نهاية رسمية للعبة الاستغماية السياسية التي مارسها التنظيم لعقود.

التوقيت هنا يحمل دلالات استراتيجية فائقة الحساسية؛ فهو يأتي في لحظة انفجار الصراع الإقليمي مع إيران، ليحول الارتباط العضوي بين الكيزان والحرس الثوري من تحالف أيديولوجي سري إلى قاصمة ظهر علنية.

التحليل المعمق لبيان الخارجية الأمريكية يكشف أن المجتمع الدولي قرر أخيراً رفع الكلفة السياسية والدبلوماسية على حزب الجيش؛ فلم يعد بإمكان قيادة بورتسودان الحصول على اعتراف دولي مجاني بينما هي متحالفة ميدانياً مع تنظيمات مصنفة، إذ وضع القرار فاتورة باهظة أمام الجيش تضطره للمفاضلة بين الغطاء الدولي أو الانتحار السياسي بالاستمرار مع ميليشيات أيديولوجية عابرة للحدود، في وقتٍ رصدت فيه أعين الاستخبارات تغلغل الكوادر الإسلامية في غرف العمليات وإدارة الإمداد.

إن الوقوف عند مأزق قيادة الجيش في بورتسودان يكشف عن حالة من الانفصام السياسي؛ فالبرهان الذي يتساءل أمام الكاميرات عن مكان الكيزان، يجد نفسه اليوم محاصراً بتقارير دولية تثبت أن قرار الحرب والسلم لم يعد بيده وحده، بل في يد تنظيم يرى في استمرار المحرقة وسيلة وحيدة للبقاء. التبعات هنا تتجاوز الداخل لتضرب عمق التحالفات الإقليمية؛ فالدول المركزية في الرباعية، كالسعودية ومصر ، لن تخاطر بعلاقاتها الاستراتيجية مع الغرب من أجل حليف ميداني يتبنى فكر الملالي ويسعى لاستنساخ نموذج حزب الله في قلب إفريقيا.

الارتباط المباشر بين الحركة الإسلامية والحلفاء الإقليميين، خاصة إيران، كشف الطبيعة الاستراتيجية لممارساتها، حيث تحولت سياساتها وتصريحات قياداتها من أدوات نفوذ سياسية إلى عناصر تثقل الملف القانوني والدبلوماسي، مما أتاح للمجتمع الدولي تبرير خطواته للحد من تأثيرها قبل استفحالها.

وعلى الرغم من الصبغة الاحتفالية التي قد توحي بنصر وشيك، إلا أن قراءة الواقع الميداني بمرارة تنبئ بأن المعركة ضد الدولة العميقة في السودان لا تزال في أوجها. فالحقيقة هي أن مفاصل الدولة والجيش لا تزال تحت قبضة حديدية ترفض أي أفق للحل السلمي، مستلهمة تجربة طالبان في الصمود تحت وطأة التصنيف.

إن حزب الجيش لا يزال يمرر أجندة الكيزان ببراعة، مستخدماً الحرب كستار لتصفية الخصوم السياسيين من القوى المدنية. لذا، فإن التصنيف الأمريكي، رغم كونه انتصاراً دبلوماسياً كبيراً، يظل نصراً ورقياً ما لم يتبعه عمل سياسي جبار يفكك الارتباط العضوي بين البندقية والأيديولوجيا.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على ما يكتب في واشنطن، بل على قدرة الشعب السوداني على كسر هذه القبضة المشوهة التي اختطفت المؤسسة العسكرية وحولتها إلى أداة لحماية تنظيم مصنف دولياً، في صراع وجودي يهدد بفناء الدولة من أجل بقاء الجماعة.

إننا أمام مشهد معقد، تتقاطع فيه طموحات الملالي في طهران مع أحلام الكيزان في العودة إلى كراسي السلطة فوق ركام الوطن. والقرار الأمريكي الأخير لم يكن إلا إعلاناً رسمياً بأن العالم قد سئم هذه المناورات، وأن زمن التخفي وراء البدلة العسكرية قد انتهى، ليبدأ فصل جديد من الحصار والملاحقة، تتضاءل فيه فرص النجاة لمن اختار الارتهان للأيديولوجيا على حساب سيادة الوطن وسلامة شعبه.

وإننا إذ نحتفي بهذا الانتصار الدبلوماسي الباذخ، فإننا نشيدُ بجميل الصبر الذي أورثنا هذا الظفر، ونبارك للسودان عودته مرتقياً منصة الحق والعدل، ليرفرف علمه عالياً بعيداً عن دنس التنظيمات التي أوردته موارد الهلاك. هنيئاً للشعب السوداني هذا الفوز العظيم، الذي طوى صفحةً سوداء من تاريخنا، ليفتح بسنا نوره أبواب الأمل في غدٍ تغرّد فيه عصافير السلم وتورق فيه أغصان الحرية، فلله درّ هذا الشعب الذي لا يلين، ولله درّ الحق الذي لا يعلى عليه.

herin20232023@gmail.com

عن محمد هاشم محمد الحسن

محمد هاشم محمد الحسن

شاهد أيضاً

ما خلف سطور بيان صمود بعد الجولة الأوروبية

محمد هاشم محمد الحسن بينما تتصاعد المعارك في السودان وتتعقد الأزمة الإنسانية، انطلق وفد التحالف …