مختار العوض موسى
إصدار رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس قرارات بإعفاء عدد من المسؤولين وحل مجالس إدارات شركات وهيئات، يثير تساؤلات حول طبيعة المشروع الذي يحمله لإعادة ترتيب الدولة السودانية وبناء مؤسساتها في مرحلة ما بعد الحرب.
هل هي مجرد قرارات تغيير وجوه، أم إشارة إلى بداية حقيقية لإعادة تشكيل بنية السلطة والمؤسسات؟
ماذا في جعبة رئيس مجلس الوزراء؟ وهل سينجح؟ وما التحديات التي ستواجهه، وكيف يمكن تجاوزها؟
هل نحن بصدد بناء دولة مؤسسات، أم مجرد إعادة توزيع للسلطة بين النخب؟
وهل يمتلك كامل إدريس مفاتيح إعادة بناء الدولة؟
لعلنا هنا نستعيد سؤال الفيلسوف الإنجليزي Thomas Hobbes:
هل يمكن للمجتمع أن يخرج من حالة الفوضى إلى الدولة المنظمة؟
إن إعفاء عدد من المسؤولين إجراء يبدو في ظاهره إدارياً مألوفاً في الدول، لكنه في الحالة السودانية الراهنة يكتسب دلالات أعمق بكثير؛ فالسودان يوشك أن يخرج من حرب هزّت بنيته السياسية والإدارية والاجتماعية. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا صدرت هذه الإعفاءات؟ بل: ما المشروع الذي يقف خلفها؟
يمكن قراءة قرارات إدريس كمحاولة لفتح صفحة جديدة في إدارة الدولة، خاصة وأنه جاء من خلفية دولية اكتسبها خلال قيادته لـ المنظمة العالمية للملكية الفكرية، حيث تشكّلت لديه خبرة طويلة في العمل المؤسسي وإدارة البيروقراطيات المعقدة؛ وهي خبرة قد تدفعه إلى تبني نهج يقوم على الانضباط المؤسسي وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة المنظمة.
غير أن تحويل الخبرة الدولية إلى نجاح داخلي ليس مهمة سهلة؛ فالدولة السودانية بعد الحرب تواجه تحديات مركبة لا تقتصر على إعادة ترتيب المناصب، بل تمتد إلى إعادة بناء المؤسسات نفسها التي أصابها التفكك والشلل.
كما يمكن قراءة قرارات الإعفاء في إطار مشروع أوسع قد يتضمن إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بعد أن دمّرت الحرب كثيراً من فاعليتها؛ ما قد يدفعه إلى تقليص الترهل الإداري والمؤسسي، سواء عبر تعيين كفاءات تكنوقراطية، أو عبر إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس المهنية بعيداً عن الولاءات.
وقد يسعى إدريس أيضاً إلى تأسيس مرحلة انتقالية مختلفة، يقدم فيها نفسه بوصفه رجل تسوية وطنية بين القوى المتصارعة، عبر تهدئة الاستقطاب السياسي وإيجاد أرضية لإدارة انتقال مدني تدريجي. كما قد يعمل على استعادة ثقة المجتمع الدولي مستنداً إلى خبرته الخارجية، من خلال فتح قنوات تواصل مع المؤسسات الدولية لإعادة السودان إلى مسار التعاون الاقتصادي والمالي العالمي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل سينجح إدريس في إعادة بناء مؤسسات الدولة؟
النجاح ليس مستحيلاً، لكنه يظل مشروطاً بعدة عوامل. أولها امتلاك سلطة حقيقية على الأرض تسمح له بفرض قراراته وتنفيذ إصلاحاته. وثانيها القدرة على التنسيق مع المؤسسة العسكرية التي يقودها عبد الفتاح البرهان، إذ يصعب نجاح أي مشروع إصلاحي في السودان دون تفاهم مع هذه المؤسسة. أما العامل الثالث فهو الحصول على قبول شعبي واسع، خاصة أن السودانيين بعد الحرب أصبحوا أكثر حساسية تجاه أي مشروع قد يُنظر إليه بوصفه إعادة إنتاج للنخب القديمة.
ومع ذلك فإن الطريق أمام إدريس لن يكون مفروشاً بالورود. فالسودان يواجه تحديات كبرى، على رأسها دولة مدمَّرة مؤسسياً، واقتصاد شبه مشلول، وجهاز إداري يعاني من التفكك. كما أن الاستقطاب السياسي الحاد ما يزال يلقي بظلاله على المشهد، في ظل انقسامات عميقة بين القوى السياسية وفقدان كبير للثقة المتبادلة.
إلى جانب ذلك تبرز معضلة انتشار السلاح بعد الحرب، إذ يصعب على أي حكومة أن تدير مجتمعاً يعيش تحت وطأة التسلح الواسع، حيث يمكن أن تتحول أي أزمة صغيرة إلى صراع مفتوح.
ولا تقل الضغوط الخارجية خطورة عن التحديات الداخلية، فالسودان يقع في قلب صراع إقليمي ودولي على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فضلاً عن الأطماع المتزايدة في موارده الطبيعية.
ومع كل هذه التحديات، فإن تجاوز الصعاب يظل ممكناً إذا تمكن إدريس من بناء تحالف وطني واسع أو جبهة وطنية عريضة لإعادة بناء الدولة، لا تكون مجرد تحالف سياسي ضيق، بل مشروعاً وطنياً جامعاً.
كما أن إعادة بناء الخدمة المدنية تظل خطوة محورية، عبر تأسيس إدارة فعالة، وقضاء مستقل، ومؤسسات مالية شفافة. ولا يقل أهمية عن ذلك إطلاق مشروع مصالحة وطنية يعالج جراح الحرب ويعيد بناء الثقة داخل المجتمع.
وفي الجانب الاقتصادي، تبرز الحاجة إلى خطة عاجلة تقوم على إعادة تنشيط الإنتاج الزراعي، واستقطاب الدعم الدولي، ومكافحة الفساد، وهي خطوات أساسية لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد.
وفي نهاية المطاف، ينبغي أن يدرك الجميع أن الدول لا تُبنى بتغيير الأشخاص فقط، بل بتغيير القواعد التي تحكم السلطة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول المؤسسات إلى مرجعية ثابتة تتجاوز الأفراد.
إن قرارات الإعفاء التي أصدرها كامل إدريس قد تكون مجرد خطوة أولى في طريق طويل، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً مصيرياً أمام السودانيين:
هل نحن على أعتاب بناء دولة مؤسسات حقيقية، أم أننا ما زلنا ندور في حلقة إعادة توزيع السلطة بين النخب؟
إن الإجابة لن تصنعها القرارات وحدها، بل الإرادة الوطنية الجامعة.
فساندوه وأدعموه؛ فالدولة مسؤولية الجميع،
وكما يقول المثل: اليد الواحدة لا تصفق.
والله ثم الوطن من وراء القصد
abdu.mokhtar455@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم