بقلم: لوال كوال لوال
حين يقترب موعد الانتخابات العامة في جنوب السودان تتصاعد الآمال في أن تشكل هذه الانتخابات بداية حقيقية لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي وبناء الدولة. غير أن هذه الآمال تصطدم بواقع معقد يتمثل في ضعف البناء المؤسسي للأحزاب السياسية، وغياب الممارسة الديمقراطية داخلها. فالسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: كيف يمكن الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة بينما الأحزاب التي ستقود هذا الاستحقاق لم تعقد مؤتمراتها العامة، ولم تجرِ انتخابات داخلية لاختيار قياداتها ومرشحيها؟ إن الديمقراطية ليست حدثاً موسمياً يرتبط بيوم الاقتراع، بل هي ثقافة وممارسة مستمرة تبدأ من داخل التنظيمات السياسية نفسها. فالأحزاب في أي نظام ديمقراطي تمثل المدرسة الأولى التي يتعلم فيها السياسيون معنى التنافس المشروع، واحترام إرادة الأغلبية، وقبول الهزيمة قبل السعي إلى الانتصار. وعندما تغيب هذه القيم داخل الحزب، فإنها غالباً ما تغيب أيضاً في إدارة الدولة، لتتحول الانتخابات العامة إلى مجرد إجراء شكلي يفتقر إلى الروح الديمقراطية الحقيقية. لقد نشأت الأحزاب السياسية في جنوب السودان في سياق تاريخي استثنائي، حيث طغت ظروف الحرب والصراع المسلح على متطلبات البناء المؤسسي والتنظيمي. وكان الهدف الأول هو تحقيق السلام أو تقاسم السلطة، وهو ما تجسد لاحقاً في ترتيبات مثل اتفاقية السلام المنشطة 2018 التي ركزت على وقف القتال وتشكيل حكومة انتقالية تضم الأطراف المتنازعة. ورغم أهمية هذه الخطوة في تجنيب البلاد المزيد من الانهيار، إلا أنها أسست لواقع سياسي يقوم على المحاصصة أكثر من قيامه على التنافس الديمقراطي. في ظل هذا الواقع، أصبحت القيادة الحزبية في كثير من الأحيان نتاجاً للتوازنات العسكرية أو القبلية أو التفاهمات النخبوية، وليس نتيجة لعملية انتخابية داخلية شفافة. وهذا بدوره انعكس على طريقة اختيار المرشحين للانتخابات العامة، حيث يتم ترشيح بعض الأسماء بقرارات فوقية دون المرور عبر قواعد الحزب أو إجراء انتخابات تمهيدية. ونتيجة لذلك، يشعر كثير من الأعضاء بأنهم مجرد أدوات تعبئة انتخابية لا شركاء حقيقيين في صنع القرار السياسي. إن غياب المؤتمرات العامة للأحزاب لا يعني فقط تعطيل آلية انتخاب القيادات، بل يعني أيضاً تعطيل النقاش الفكري والبرامجي داخل الحزب. فالمؤتمر العام في التجارب الديمقراطية يمثل لحظة مراجعة وتقييم، يتم خلالها تحديد الرؤية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحديث اللوائح التنظيمية، ومحاسبة القيادة على أدائها. وعندما تغيب هذه اللحظة، يفقد الحزب بوصلته الفكرية ويتحول إلى كيان يعتمد على الولاءات الشخصية أو المصالح الضيقة. ولا تقتصر آثار هذا الخلل على داخل الأحزاب، بل تمتد إلى العملية الانتخابية برمتها. فالناخب الذي يدرك أن المرشح لم يخضع لمنافسة داخلية حقيقية قد يفقد الثقة في جدوى مشاركته في التصويت. كما أن فرض مرشحين من أعلى قد يؤدي إلى انقسامات حادة داخل الحزب نفسه، قد تصل إلى حد التمرد أو الانشقاق أو المقاطعة. وفي مجتمع متعدد ومعقد مثل جنوب السودان، يمكن لهذه الانقسامات أن تتحول سريعاً إلى توترات أوسع تهدد الاستقرار الوطني. من جهة أخرى، فإن الانتخابات العامة التي تجرى في ظل أحزاب ضعيفة تنظيمياً قد تعاني من خلل في التوازن السياسي. فبدلاً من أن تكون المنافسة قائمة على البرامج والرؤى، تتحول إلى صراع بين شخصيات أو مجموعات نفوذ، وهو ما يعمق النزعة نحو تسييس الهويات القبلية أو المناطقية. وفي هذه الحالة، لا تعود الانتخابات وسيلة لبناء الدولة الوطنية الجامعة، بل تصبح ساحة لإعادة إنتاج الانقسامات القائمة. كما أن غياب الديمقراطية الداخلية يحرم القيادات الشابة والنساء من فرص الصعود السياسي الطبيعي. فبدلاً من أن تفرز المنافسة الحزبية قيادات جديدة تحمل أفكاراً مبتكرة، يتم تدوير نفس النخب التي تهيمن على المشهد منذ سنوات. وهذا بدوره يضعف قدرة النظام السياسي على التجدد والاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة التي تمثل غالبية السكان. ولعل من أخطر النتائج المحتملة لهذا الوضع هو تآكل الشرعية السياسية. فالشرعية لا تُستمد فقط من إعلان نتائج الانتخابات، بل من اقتناع المواطنين بأن العملية الانتخابية كانت عادلة وأن المرشحين يمثلون إرادتهم الحقيقية. وعندما تتراكم الشكوك حول طريقة اختيار المرشحين، فإن نتائج الانتخابات نفسها تصبح عرضة للطعن السياسي والأخلاقي، حتى وإن تمت وفق إجراءات فنية سليمة. إن بناء انتخابات ذات مصداقية في جنوب السودان يتطلب رؤية شاملة تتجاوز التحضير اللوجستي ليوم الاقتراع. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل الأحزاب، عبر عقد مؤتمرات عامة منتظمة، وتحديث نظم العضوية، ووضع لوائح واضحة لانتخاب القيادات وترشيح المرشحين. كما يتطلب الأمر تعزيز دور المؤسسات الرقابية، وضمان استقلال مفوضية الانتخابات، وفتح المجال أمام الإعلام والمجتمع المدني لممارسة دورهما في التوعية والمراقبة. ولا يمكن تجاهل دور المجتمع الدولي والإقليمي في دعم هذا المسار، لكن المسؤولية الأولى تبقى على عاتق القوى السياسية الوطنية. فالديمقراطية لا تُستورد جاهزة من الخارج، بل تُبنى عبر نضال داخلي طويل يتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء والاستعداد للتغيير. والأحزاب التي تسعى فعلاً إلى قيادة البلاد نحو مستقبل أفضل يجب أن تبدأ بإصلاح نفسها قبل أن تطلب ثقة الناخبين. إن اللحظة التي تعيشها جنوب السودان اليوم تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النخب السياسية على الانتقال من منطق الحرب والمحاصصة إلى منطق الدولة والمؤسسات. فالانتخابات القادمة يمكن أن تكون نقطة تحول تاريخية تفتح الباب أمام تداول سلمي للسلطة، كما يمكن أن تتحول إلى فرصة ضائعة تعمق الأزمات القائمة. والفرق بين الاحتمالين يتوقف بدرجة كبيرة على مدى استعداد الأحزاب لممارسة الديمقراطية داخل هياكلها. في النهاية، لا يمكن الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة بمعزل عن أحزاب حرة ونزيهة. فالديمقراطية التي لا تُمارس في الغرف الحزبية المغلقة يصعب أن تزدهر في ساحات الاقتراع المفتوحة. وإذا أرادت القوى السياسية في جنوب السودان أن تبني شرعية مستدامة، فعليها أن تجعل من المؤتمرات العامة والانتخابات الداخلية تقليداً راسخاً لا استثناءً عابراً. عندها فقط يمكن للناخب أن يتوجه إلى صندوق الاقتراع وهو يشعر بأن صوته ليس مجرد رقم، بل خطوة حقيقية نحو بناء وطن يتسع للجميع.
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم