كيف نحب؟ ونبقى كما نحن!

يُقال إن الحب يُلين القلوب، لكنه في الحقيقة يفعل ما هو أبعد من ذلك… إنه يُحدِّدها، يُرهفها، يجعلها أكثر قدرة على التقاط التفاصيل التي كانت تمرّ بلا أثر. يتغير المحب، ويكتسب كل شيء طبقة جديدة، فتصبح التفاصيل الصغيرة أحداثًا كاملة: نبرة صوت عابرة تُربك، نظرة خاطفة تُفسَّر ألف مرة، تأخر في الرد يفتح بابًا للانتظار المقلق، أو حتى صمت غير مبرر… كل ذلك يتحول إلى مساحة واسعة من التأويل والشعور. فالحب لا يضيف فقط شعورًا جديدًا، بل يعيد تشكيل حواسنا، فتصير الكلمات أثقل وقعًا، واللمسات أعمق أثرًا، والانتظار أطول مما يُحتمل.
وقد يظن البعض أن الحب يُتعبهم، لكنه في الحقيقة يكشفهم؛ يكشف هشاشتهم التي كانوا يخفونها خلف اعتياد الأيام، ويكشف شغفهم الذي لم يكن يجد ما يوقظه. ولعل المحب يعيش الحياة بصدق زائد، يرى بوضوحٍ ما كان ضبابيًا، ويشعر بعمقٍ ما كان سطحيًا. لكن لهذا الصدق ثمن… فكما تتضاعف لذة اللقاء، يتضاعف وجع الغياب، وكما يصبح القرب نعيمًا، يصبح البعد اختبارًا قاسيًا للروح. ومع ذلك، لا أحد يخرج من الحب كما دخله؛ إما أن يصبح أكثر إنسانية، أو أكثر حذرًا… وفي كلتا الحالتين، يرق القلب حين يُمسّ حقًا، فيمسي أكثر حضورًا، وأكثر هشاشة، وأكثر حياة.
لكن إختبار الحب يكمن في شدته وحرارته، وأكثر ألمًا في صمته وتراجعه… في ذلك التراجع الخفي الذي يتسلل بهدوء، فيتحول الاعتياد إلى مسافة، والانشغال إلى غياب، ويبدأ الاهتمام في الانكماش شيئًا فشيئًا ويفقد دفء العلاقة بعضًا من ملامحه دون أن ندرك.
فيغيب الانتباه، وتغيب معه المشاعر، ويُؤخذ وجود الآخر كأمرٍ محسوم لا يحتاج إلى رعاية، فيفقد الحب دفئه على مهل، حتى يصبح القرب شكلاً بلا روح، والحضور عادة.
وهكذا، بين الإفراط والإهمال، يتأرجح الحب في صورته؛ لا ثابتًا ولا بسيطًا كما نظن، بل حالة حيّة تتغير معنا وتكشفنا في كل مرة بطريقة مختلفة. ونسئل أنفسنا: ماذا يفعل بنا الحب؟ نعم… ببساطة، كيف نحب؟ كيف نحمي أحبّاءنا من حبّنا، من اندفاعه وتقلبات مزاجه؟ كيف نسمح للحب أن يكبر بهدو، ونسمح له أن بكبر برزانة، دون تعقيد أو تقييد.
لعلّنا، في وقتٍ ما من حياتنا، يصيبنا اليأس، أو تأخذنا عجلة الأيام فننسى ذلك الدفء الذي كان يحتوينا ويخفّف عنا مزاجية الحياة، ننسى كيف بدأ كل شيء رقيقًا، واضحًا، خاليًا من ذاك التوتر الذي تسلل لاحقًا إلى تفاصيلنا. بنظرة صادقة، وحضورٍ بسيط، وقلوب مرهفه، نشعر بالحب، لكننا مع الوقت نمارس عليه ما نظنه حرصًا: نخاف فنُبالغ، نشتاق فنُلحّ، نحب فنُرهق من نحب دون أن نشعر.
لكن الحب، في جوهره، يحتاج أن يتجسّد في الحياة، إلى طريقة في الوجود مع الآخر. فالتعبير عن الحب يكمن في التفاصيل الصغيرة: في السؤال المتكرر دون ملل، في الإنصات الحقيقي، في الحضور حين يكون الغياب أسهل، وفي أن يشعر من نحب أنه مرئيٌّ ومفهوم، دون أن يشرح نفسه. نحتاج فقط إلى طمأنينة تقول “أنا هنا”
ومع ذلك، لا يبقى الحب نقيًا وسهلًا دائمًا… فبينه وبين الاكتمال تقف حواجز خفية: الخوف، سوء الفهم، بصمة التجارب السابقة، والكبرياء. وكلما تراكمت هذه الحواجز، أصبحت المشاعر أكثر حذرًا. لكن إزالة هذه الحواجز لا تعني أن نلغي اختلافنا أو نُطفئ ذواتنا، بل أن نُخفف ذلك العبء غير المرئي من الدفاع الدائم والتوقع المسبق، أن نسمح للوضوح أن يأخذ مكان الظنون، وأن نجرؤ على قول ما نخاف قوله قبل أن يتحول إلى مسافة. فالحب لا يحتاج إلى جدران تحميه بقدر ما يحتاج إلى قلوب تجرؤ على أن تكون صادقة بما يكفي لتفهم وتُفهم.
ومن أكثر ما يربك المحبين تباين لغة التعبير بين الرجل والمرأة، رغم عمق وصدق مشاعرهما. غالباً يحب الرجل بصمت الفعل أكثر، فيعبّر عن حضوره بالمسؤولية والإنجاز والاستمرار، بينما تميل المرأة إلى التقاط التفاصيل الصغيرة والكلمات والاهتمام العاطفي المباشر، فتبحث عن الحب في النبرة وفي السؤال وفي التفاتة دافئة… وحين يغيب ذلك يتسلل فراغ عريض، يصبح مسرحًا لسوء الفهم، وتندثر حقيقة أن كليهما يحاول أن يحب بطريقته، دون أن يتقن ترجمة الطريقة الأخرى.
لنسأل أنفسنا، كيف نرمّم ما انهدم من جسر الحب حين يتصدّع بين قلبين. فهذا الانكسار لم يحدث دفعة واحدة، بل تراكم ببطء: كلمة لم تُفهم، لحظة غضب مرت دون احتواء، أو صمت طال كثيراً. هنا نحتاج لشجاعة لنرمم ما انهدم، الإعتراف بأن شيئًا قد انكسر فعلًا، نقترب دون رغبة في الانتصار، نستمع دون أن نتهيأ للدفاع. فالجسور تُرمَّم بالنية الصادقة في العودة، وبإعادة بناء الثقة خطوة بعد خطوة، حتى لو لم تعد كما كانت، لكنها تصبح أكثر وعيًا، وأكثر نضجًا في احتمال العبور.
ليطفو السؤال من جديد: كيف نحب إذًا؟
أيمكننا أن نحب بوعيٍ… بشيء من التريّث الذي لا يقتل العفوية، وشيء من الرحمة التي تتسع لضعفنا وارتباكنا، وبكثير من الصدق الذي لا يجرح؟
نحب فنرعى شمعة صغيرة بين أيدينا؛ لا نتركها تنطفئ بالإهمال، ولا نغرقها بالحماية الزائدة فتختنق. نمنحها قدرًا من الهواء يكفي لتبقى حيّة، ونكتفي بأن تضيء ما حولنا دون أن تحرقنا.
ومع ذلك… ربما لا نعرف الحب كما نظن.
ربما كل ما نفعله أننا نحاول فقط ألا نخسره ونحن نمارسه.

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

نبض المدينة وفن السرد: قراءة في رواية (٤٨)

رواية ٤٨ للكاتب محمد المصطفى موسى، الرواية تقع في ٣١٨ صفحة من القطع المتوسط، وصدرت …